أثارت أزمة وقف بطاقات التموين بسبب مخالفات الكهرباء غضبًا واسعًا بعد تضرر 5700 أسرة في الفيوم وأسيوط، حيث حرم قرار إداري آلاف المواطنين من الدعم الغذائي رغم التصالح وسداد الغرامات، وتحولت المخالفة الكهربائية إلى عقوبة معيشية تمس الخبز والزيت والسكر.
وكشفت شكاوى المواطنين أن الحكومة نقلت عبء التنسيق بين الكهرباء والتموين إلى الأسر الفقيرة، فصار المواطن يدفع المخالفة ثم يدفع رسوم شهادة التصالح ثم ينتظر أسابيع أو أشهر لإعادة البطاقة، بينما يواجه الغلاء بلا سند تمويني وبلا إخطار واضح قبل قطع الدعم.
5700 أسرة تدفع ثمن قرار حكومي بلا إخطار
تصاعدت الأزمة بعدما تقدّم النائب بسام الصواف بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيري الكهرباء والتموين، بسبب وقف بطاقات التموين لمواطنين اتهمتهم شركات توزيع الكهرباء بممارسة الكهرباء أو سرقة التيار، من دون إخطار مسبق يمنحهم فرصة واضحة لتوفيق أوضاعهم.
وبحسب الشكاوى التي رصدها الطلب البرلماني، فوجئ مواطنون في الفيوم وأسيوط بوقف بطاقاتهم التموينية، ثم اكتشفوا أن سبب الوقف لا يخص وزارة التموين مباشرة، بل يعود إلى مخاطبات أرسلتها شركات الكهرباء إلى جهات الدعم، فبدأت رحلة مرهقة بين مكاتب لا تتحمل مسؤولية موحدة.
ثم كشفت الأرقام حجم الضرر الاجتماعي، إذ رُصدت أكثر من 3000 حالة في الفيوم ونحو 2700 حالة في أسيوط، بما يعني أن 5700 أسرة دخلت دائرة الحرمان من الدعم، بينما تصر الحكومة على إدارة الملف كإجراء إداري لا كأزمة غذاء تضرب بيوتًا فقيرة.
وهنا يكتسب رأي المحامي الحقوقي خالد علي وظيفة قانونية مباشرة، لأنه يضع الأزمة في إطار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لا في خانة المخالفات الإدارية وحدها، فحرمان الأسرة من التموين بسبب ملف كهرباء يعني أن الدولة تنقل العقوبة من المخالف إلى أسرته واحتياجاتها الأساسية.
التصالح لا يكفي والبيروقراطية تصادر الدعم
بعد التصالح مع شركة الكهرباء، لا تعود البطاقة تلقائيًا، بل يطلب الموظفون من المواطن شهادة تفيد إنهاء المخالفة مقابل نحو 40 جنيهًا، ثم يطلبون منه تقديمها إلى مديرية التموين، ثم تنتظر المديرية إعداد كشوف وإرسالها إلى الوزارة لإعادة التفعيل.
وبذلك لا تنتهي العقوبة عند سداد الغرامة، لأن الحكومة تفرض على المواطن مسارًا إداريًا طويلًا صنعته هي بمخاطباتها الداخلية، ثم تتركه يدفع كلفة التنقل والرسوم والانتظار، بينما يفقد الدعم في الفترة نفسها ويشتري احتياجاته الأساسية بأسعار السوق.
ويخدم رأي الباحث الاقتصادي محمد جاد هذا المحور، لأنه يربط تآكل الدعم بسياسات التقشف والتضخم، فكل يوم تتعطل فيه البطاقة لا يعني ورقة ناقصة في ملف حكومي، بل يعني خفضًا فعليًا لقيمة الحماية الاجتماعية التي يحتاجها الفقراء أمام أسعار لا تنتظر إجراءات الوزارة.
كما تكشف الأزمة تناقض خطاب التحول الرقمي مع واقع المكاتب، فالدولة التي تتحدث عن قواعد بيانات وربط إلكتروني لا تستطيع إعادة بطاقة التموين تلقائيًا بعد التصالح، رغم أن الجهة التي أبلغت بوجود المخالفة تستطيع أن تبلغ بزوالها بالطريقة نفسها ومن دون إذلال المواطن.
عقوبة مزدوجة وحكومة تطارد الفقراء من الفاتورة إلى الرغيف
طرح طلب الإحاطة سؤالًا مباشرًا عن السند القانوني لوقف بطاقة التموين بسبب مخالفة كهرباء، وعن مدى توافق القرار مع مبدأ عدم توقيع أكثر من عقوبة على الفعل نفسه، لأن المواطن يدفع مقابل المخالفة ثم يعاقب مرة أخرى بحرمان أسرته من الدعم الغذائي.
وفي السياق نفسه، جاءت تصريحات النائبة سناء السعيد عن ملاحقة الكهرباء لجيوب المواطنين بالأثر الرجعي لتوسع زاوية الأزمة، لأن العدادات الكودية والتسعير الموحد ومخالفات الكهرباء تحولت من ملف مرافق إلى قناة ضغط مالي تمتد آثارها إلى التموين والبيت والمائدة.
ويخدم رأي الدكتور زياد بهاء الدين محور الحماية الاجتماعية، لأنه شدد في نقاش الدعم على ضرورة حماية القوة الشرائية وعدم إسقاط الفئات المحتاجة من الشبكة، وهذا المعنى يجعل وقف البطاقة بسبب إجراء منفصل عن التموين نموذجًا خطرًا لتسريب الفقراء خارج الدعم بدل حمايتهم.
لذلك تبدو مطالبة الصواف بإعادة النظر في المنظومة كلها ضرورة عاجلة، لأن حق الدولة في تحصيل مستحقات الكهرباء لا يبرر مصادرة حق مستقل في التموين، ولا يبرر تحميل المواطن دورة حكومية معقدة كان يجب أن تنتهي بين الوزارات عبر قاعدة بيانات واحدة.
وتكشف القضية في نهايتها حكومة تعاقب الفقير من كل باب، فإذا عجز عن فاتورة أو تورط في مخالفة كهرباء لاحقته الغرامة، وإذا تصالح لاحقته الشهادة، وإذا قدّم الشهادة لاحقه الانتظار، وإذا انتظر ضاعت حصته التموينية، بينما يبقى الغلاء حاضرًا كل يوم على مائدة أسرته.

