حذر الدكتور عبد الرشيد غانم، رئيس بحوث متفرغ بمعهد الصحة الحيوانية بمركز البحوث الزراعية، من استخدام الفورمالين في الألبان السائبة، بعد ضبط أكثر من 5 أطنان ألبان فاسدة في محافظة المنيا، بما يكشف نتيجة مباشرة لفشل الرقابة وغيابها قبل أن يتحول الخطر إلى كوب يومي على موائد الفقراء.
تضع الواقعة المواطن أمام سوق غذاء بلا حماية كافية، لأن اللبن البقري يباع بأقل من 20 جنيها للكيلو، واللبن الجاموسي الجيد بأقل من 40 جنيها، بينما يدفع الفقير من صحته ثمن ضعف التفتيش، وانفلات النقل، وتراخي الدولة أمام غشاشين يحولون الغذاء الأساسي إلى تهديد سام.
أسعار رخيصة لا تعني غذاء آمنا
في البداية، قد تبدو أسعار اللبن البقري والجاموسي منخفضة مقارنة بموجة الغلاء التي تضرب السلع الأساسية، لكن هذه الأرقام تكشف وجها آخر للأزمة، لأن رخص السعر داخل سوق سائبة لا يعني حماية المستهلك، بل يعني أحيانا أن الفقير يشتري منتجا رديئًا أو فاسدًا بلا ضمان صحي واضح.
وعلى هذا الأساس، ربط غانم جودة اللبن باختبارات حسية أولية، تشمل خلوه من الروائح الغريبة، وثبات لونه المعروف، وعدم ظهور طعم المرارة أو الملوحة، غير أن هذه العلامات لا تكفي وحدها لحماية المستهلك، لأن الغش الكيميائي قد يخفي فسادا لا تلتقطه العين بسهولة.
في السياق نفسه، يخدم رأي الدكتور مجدي نزيه، استشاري التثقيف والإعلام الغذائي، هذا المحور تحديدا، لأنه يؤكد في أحاديثه المتكررة عن الألبان أن القيمة الغذائية لا تنفصل عن سلامة المصدر، وأن اللبن كامل الدسم أو غيره لا يفيد الجسم إذا دخل إلى البيت من قناة مجهولة أو ملوثة.
لذلك، تتحول المفاضلة بين اللبن البقري والجاموسي إلى سؤال ثانوي أمام سؤال السلامة، فالجاموسي أعلى قيمة غذائية وسعرا، والبقري يدخل في صناعات كثيرة، لكن النوعين يفقدان أي معنى غذائي عندما يسمح السوق بوصول ألبان ملوثة أو مخلوطة بمواد سامة إلى المستهلك.
الفورمالين من وسيلة غش إلى جريمة صحية
ثم تأتي كارثة الفورمالين لتكشف أن الأزمة ليست خطأ فرديا عابرا، لأن الحملات الرقابية في المنيا ضبطت كميات ضخمة من الألبان الفاسدة أضيفت إليها مادة سامة وهي الفورمالين لإطالة عمرها، بما يعني أن الغش تحرك داخل شبكة جمع ونقل وتوريد قبل أن تلحق به الرقابة متأخرة.
وبحسب غانم، ينتشر استخدام الفورمالين في الصيف مع ارتفاع العد البكتيري وسرعة فساد اللبن أثناء النقل والتوريد إلى مراكز التجميع أو المصانع، وهو تفسير يكشف أن ضعف سلاسل التبريد والرقابة لا ينتج مجرد مخالفة تجارية، بل يفتح بابا منظما لتسميم الغذاء اليومي.
هنا، يخدم رأي الدكتور محمد إسماعيل، أستاذ السموم، محور الخطر الصحي مباشرة، إذ حذر من أن الفورمالين لا يدخل ضمن مواد حفظ الطعام، وأن استخدامه في اللبن يمثل كارثة صحية قد تقود إلى إصابات خطيرة، وهو تحذير ينسف أي محاولة لاعتبار الواقعة مجرد غش تجاري.
بالتالي، لا يجوز أن تختبئ الحكومة خلف عبارة غياب الضمير وحدها، لأن غياب الضمير لا يتحرك في فراغ، بل يتحرك عندما يغيب التفتيش المسبق، وتضعف العقوبات الرادعة، وتفشل الجهات المسؤولة في ضبط مسار اللبن من المزرعة إلى مركز التجميع ثم إلى المصنع أو المستهلك.
رقابة مراكز التجميع لا تحمي المستهلك وحدها
في المقابل، أكد غانم أن مراكز تجميع الألبان تخضع الموردين لإشراف طبي بيطري من خلال المديريات في المحافظات، بهدف تجنب الغش ومنع إفراز الحيوان لأي ميكروبات تضر الإنسان، وفي مقدمتها البروسيللا والسل، لكن ضبط 5 أطنان في محافظة واحدة يضع هذا الإشراف تحت سؤال قاس.
ومن هذه الزاوية، يخدم رأي الدكتور شريف حتة، استشاري الصحة العامة، محور حماية المستهلك، لأن التحذير من الخرافات الغذائية لا ينفصل عن ضرورة وجود مصدر موثوق للغذاء، فالمشكلة لا تبدأ عند نصيحة المستهلك فقط، بل تبدأ عند عجز الدولة عن تأمين سلعة يومية شديدة الحساسية.
كذلك، يشرح غانم الفارق الطبيعي في اللون بين النوعين، فاللون الأصفر في اللبن البقري يعود إلى مادة بيتا كاروتين التي تتحول داخل الجسم إلى فيتامين أ، بينما يظهر اللبن الجاموسي أبيض لأنه يحتوي على فيتامين أ بشكل مباشر، وهذه المعلومة العلمية لا يجب أن تستخدم لتغطية أزمة الغش.
وبناء على ذلك، يحتاج المستهلك إلى رقابة فعلية أكثر من حاجته إلى نصائح عامة، لأن اختبار الرائحة واللون والطعم لا يكشف كل شيء، ولأن البائع الذي يضيف مادة سامة لإطالة صلاحية اللبن يستطيع أيضا أن يبيع للمواطن مظهرا خادعا تحت لافتة الطزاجة والسعر الأقل.
أخيرا، تكشف أزمة ألبان المنيا أن الحكومة تتعامل مع غذاء الفقراء بمنطق الحملة بعد الفضيحة، لا بمنطق المنع قبل الكارثة، فاللبن ليس سلعة ترفيهية يمكن الاستغناء عنها، بل غذاء للأطفال والمرضى وكبار السن، وأي تراخ في ضبطه يعني أن الدولة تترك السم يتحرك في أبسط كوب على المائدة.

