كشفت أرقام الربع الأول من عام 2026 أن شركات النفط والبنوك الكبرى حققت أرباحا معلنة لا تقل عن 84.14 مليار دولار، وسط اضطراب أسواق الطاقة بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وإغلاق مضيق هرمز، بينما تحملت الشركات والحكومات والمستهلكين كلفة أعلى للوقود والشحن والتأمين.

 

وتظهر الأرقام أن الأزمة لم تضرب الجميع بالطريقة نفسها، إذ ربحت شركات من ارتفاع النفط والغاز والتداول والمخزونات، وخسرت شركات أخرى من توقف الإنتاج وتعطل الأصول وتراجع الشحنات، فيما وجدت قطاعات البنوك والدفاع والطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية فرصا إضافية داخل سوق صنعها الخوف لا الاستقرار.

 

النفط والغاز.. أرباح الأسعار تقابل خسائر التوقف والتعطل

 

وارتفعت أسعار النفط والغاز بعد اضطراب الإمدادات، فدعمت إيرادات المنبع والتدفقات النقدية لدى المنتجين، خصوصا الشركات التي تمتلك عمليات استكشاف وتنقيب وإنتاج واسعة، لكن هذا الدعم لم يلغ أثر التوقفات التشغيلية ومخاطر الأصول في المناطق القريبة من الخليج وممرات الإمداد.

 

وقال خبير استراتيجيات الأسواق جاد حريري إن أرقام شركات النفط خلال الربع الأول جاءت متباينة بسبب قطع الإمدادات وتراجع التصدير وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، موضحا أن بعض الشركات رفعت أرباحها مع الأسعار بينما تضررت شركات أخرى من انخفاض الصادرات أو الإنتاج.

 

وبناء على القوائم المنشورة، سجلت بي بي البريطانية أرباح تكلفة إحلال أساسية بقيمة 3.2 مليار دولار في الربع الأول، مقابل 1.5 مليار دولار في الربع السابق و1.38 مليار دولار في الربع الأول من 2025، بدعم واضح من نشاط التداول.

 

وتعني تكلفة الإحلال تعديلا محاسبيا لصافي الدخل حتى يعكس تكلفة استبدال المخزون النفطي أو الأصول الإنتاجية المباعة بأسعار السوق الحالية، ولذلك يهم هذا المقياس المستثمرين عند قراءة أرباح شركات الطاقة وسط صعود الأسعار وتبدل قيمة المخزون.

 

ولدى بي بي حصة 10% في حقول أدنوك البرية بالإمارات تمنحها إنتاجا صافيا يقارب 200 ألف برميل يوميا من أبوظبي، وحصة 40% في بلوك 61 بسلطنة عمان، وارتباط بحقل الرميلة في العراق عبر مشروع مشترك مع بتروتشاينا الصينية.

 

في المقابل، لم تظهر قوائم بي بي شطبا مباشرا أو هبوط قيمة لأصولها بسبب الحرب، وبدا الأثر الأقوى في التداول، بينما بقيت مخاطر المنطقة حاضرة في خلفية النشاط، وهذا يوضح لماذا لا تكفي قراءة رقم الربح وحده لفهم حجم الخطر.

 

كما أعلنت توتال إنرجيز الفرنسية صافي دخل بقيمة 5.4 مليار دولار وتدفقات نقدية من العمليات بقيمة 8.6 مليار دولار، وقالت إن نمو الإنتاج العضوي ساعد في تعويض أثر الحرب على إيران، بينما يعني الإنتاج العضوي نموا ناتجا عن موارد الشركة وعملياتها الداخلية.

 

لكن الشركة الفرنسية كشفت في إفصاح منفصل أن الإنتاج توقف أو كان في طريقه للتوقف في قطر والعراق والمناطق البحرية في الإمارات، بما يمثل نحو 15% من إجمالي إنتاج النفط والغاز لديها، بينما بقي إنتاجها البري في الإمارات عند نحو 210 آلاف برميل يوميا لحصتها دون تأثر.

 

ثم أشارت توتال إلى حوادث وقعت في 7 و8 أبريل الماضي داخل 3 وحدات في مصفاة ساتورب بالسعودية، ما أدى إلى إغلاق احترازي، قبل إعادة تشغيل الوحدات غير المتضررة بطاقة 230 ألف برميل يوميا منذ 14 أبريل مع استمرار تقييم الأضرار.

 

ويخدم رأي جاد حريري هذا المحور مباشرة، لأنه يفسر لماذا تحولت القوائم المالية إلى صورة مزدوجة، حيث تصنع الأسعار أرباحا فورية لبعض الشركات، بينما تؤجل القوائم خسائر محتملة في الأصول المتضررة أو المتوقفة إلى الأرباع التالية.

 

الشركات الأمريكية والصينية.. أرباح قائمة رغم ضغط الشحن والتحوطات

 

سجلت إكسون موبيل الأميركية أرباحا قدرها 4.2 مليار دولار في الربع الأول، مقابل 6.5 مليارات دولار في الربع الأخير من 2025 و7.7 مليارات دولار في الربع الأول من 2025، لكنها أوضحت أن أنشطة الطاقة تضمنت خسائر من تحوطات مالية تمت تسويتها.

 

وجاءت ضغوط إكسون من توقيت التحوطات وتدفقات الشحن، لأن الشحنات الفعلية المرتبطة بها لم تعوض الخسائر بسبب اضطرابات إمدادات الشرق الأوسط، كما تأثرت أرباح المنبع بانخفاض حجم الإنتاج نتيجة آثار الحرب وعوامل تشغيلية أخرى.

 

وتملك إكسون انكشافا إقليميا عبر حقل زاكوم العلوي البحري في أبوظبي، وهو من أكبر الحقول البحرية في العالم، وتديره أدنوك البحرية نيابة عن أدنوك وإكسون موبيل وجودكو، ورغم ذلك لم تظهر خسائر هبوط قيمة مباشرة لأصول الشرق الأوسط في نتائجها.

 

أما شيفرون الأمريكية، فقد أعلنت أرباحا بقيمة 2.2 مليار دولار في الربع الأول، مقابل 3.5 مليارات دولار في الفترة نفسها من 2025، متأثرة باحتياطي قانوني قدره 360 مليون دولار وخسائر صرف عملات أجنبية بقيمة 223 مليون دولار.

 

ويعني الاحتياطي القانوني جزءا من الأرباح الصافية تتركه الشركة جانبا ولا توزعه على المساهمين لتدعيم مركزها المالي، بينما تملك شيفرون انكشافا إقليميا عبر المنطقة المقسومة بين الكويت والسعودية، بما في ذلك ارتباطها بحقل الوفرة.

 

كذلك أعلنت كونوكو فيليبس أرباحا بقيمة 2.3 مليار دولار وإنتاجا بلغ 2.309 مليون برميل مكافئ نفطي يوميا، لكنها قالت إن الإنتاج تراجع عند المقارنة بعد استبعاد أثر الصفقات، بسبب عوامل بينها التوقفات المرتبطة بقطر جراء الحرب.

 

وتزيد حساسية كونوكو فيليبس لأن لديها حصة في مشروع قطر للطاقة 3 لإسالة وتصدير الغاز الطبيعي المسال في مدينة راس لفان الصناعية، كما خفضت الشركة توقعات الإنتاج في الربع الثاني وسط عدم اليقين في الخليج.

 

ومن زاوية أمن الطاقة، يدعم رأي فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، هذا المحور لأنه يركز في تصريحاته على أن اضطرابات الإمداد ترفع أهمية الاحتياطيات والمرونة وسلاسل الطاقة، وهي نقاط تفسر لماذا يصبح التخزين والشحن جزءا من الربح والخسارة لا مجرد خدمة لوجستية.

 

وعلى الضفة الأوروبية، أعلنت إيني الإيطالية صافي ربح معدل بنحو 1.3 مليار يورو، أي نحو 1.53 مليار دولار، وقالت إن انكشافها على تأثيرات الحرب محدود، لأن نشاط المنبع المتأثر يمثل 2% إلى 3% من إنتاجها الإجمالي ويوجد أساسا في الإمارات.

 

وفي إسبانيا، سجلت ريبسول صافي دخل معدل بلغ 873 مليون يورو وصافي دخل قدره 929 مليون يورو، أي نحو 1.09 مليار دولار، وقالت إنها لا تملك أصولا في الشرق الأوسط لكنها خصصت 1.2 مليار يورو لزيادة المخزونات وضمان استمرار الإمدادات.

 

أما في الصين، فقد أعلنت بتروتشاينا صافي ربح قياسيا قدره 48.33 مليار يوان، أي نحو 7.1 مليارات دولار، بزيادة 1.9% على أساس سنوي، مستفيدة من ارتفاع أسعار الطاقة، مع ارتباطها بحقل الرميلة في العراق وحضورها في حقل الحلفاية بمحافظة ميسان.

 

كما أعلنت سينوبك الصينية ارتفاع صافي الربح الموزع على المساهمين إلى 17 مليار يوان، أي نحو 2.5 مليار دولار، بدعم من تحسن التكرير واستقرار مبيعات الوقود، رغم ضغوط الكيماويات، ولديها انكشاف عبر مشروع ياسرف في ينبع بالشراكة مع أرامكو.

 

وفي السياق ذاته، رفعت كنوك الصينية إنتاجها الصافي إلى 205.1 مليون برميل مكافئ نفطي في الربع الأول بزيادة 8.6% سنويا، ولديها انكشاف في العراق عبر بلوك 7، بعدما وقعت وحدتها كنوك أفريقيا عقد تطوير واستكشاف وإنتاج مع شركة نفط الوسط العراقية.

 

البنوك والسلاح والطاقة النظيفة.. قطاعات تربح من الاضطراب

 

لم تقف أرباح الحرب عند شركات النفط، لأن البنوك الأمريكية الكبرى استفادت من تقلبات السوق وزيادة التداول وارتفاع الطلب على إدارة المخاطر، وسجل جيه بي مورغان إيرادات قدرها 11.6 مليار دولار في الربع الأول من 2026، لكنها إيرادات لا تدخل في إجمالي الأرباح المحسوب هنا.

 

وسجلت البنوك الأمريكية الكبرى، بينها بنك أوف أميركا ومورغان ستانلي وسيتي غروب وغولدمان ساكس وويلز فارغو، أرباحا إجمالية قاربت 47.7 مليار دولار، وهو الرقم الأكبر داخل حصيلة الأرباح المذكورة، ويعكس كيف يحول القطاع المالي الخوف إلى رسوم وتداول وتمويل.

 

وفي قطاع الطاقة الأوروبي، سجلت شل أرباحا بلغت 6.92 مليار دولار متجاوزة توقعات المحللين، بينما استفادت بي بي وتوتال من التقلبات نفسها، خصوصا عبر أذرع التداول والتكرير والمخزونات، وهو ما جعل الشركات ذات المرونة التجارية أكثر قدرة على تحويل الفوضى إلى هوامش ربح.

 

وفي قطاع الدفاع، عززت الحرب الطلب على أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ المضادة للطائرات المسيرة والعتاد العسكري، مع سعي حكومات إلى تعويض مخزوناتها، بينما أعلنت بي أيه إي سيستمز توقعات بنمو قوي في المبيعات والأرباح.

 

كما شهدت شركات مثل لوكهيد مارتن وبوينغ ونورثروب غرومان إقبالا قياسيا على الطلبيات خلال الربع الأول من 2026، لكن النص المتاح لا يذكر أرقاما محددة لأرباح هذه الشركات داخل الفترة، لذلك لا تدخل ضمن إجمالي 84.14 مليار دولار.

 

ويدعم رأي نان تيان، الباحث في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، هذا المحور لأنه يربط في دراساته بين الحروب وتوسع الإنفاق العسكري، وهو ما يفسر انتقال أثر الحرب من أسواق النفط إلى دفاتر شركات السلاح والطلبيات الدفاعية.

 

كذلك دفعت الأزمة مستثمرين إلى إعادة النظر في الطاقة المتجددة باعتبارها وسيلة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، فاستفادت شركات مثل نكست إيرا إنرجي وفيستاس وأورستد، بينما أعلنت أوكتوبوس إنرجي ارتفاع مبيعات الألواح الشمسية بنسبة 50% منذ نهاية فبراير.

 

ومع ارتفاع أسعار الوقود، زاد الإقبال على السيارات الكهربائية، وكانت الشركات الصينية من أبرز المستفيدين من هذا التحول، لأن ارتفاع تكلفة البنزين والديزل يدفع المستهلكين والحكومات إلى البحث عن بدائل تقلل التعرض لصدمات النفط والغاز.

 

وفي الحصيلة الرقمية، يبلغ مجموع الأرباح المذكورة صراحة 84.14 مليار دولار، بعد احتساب أرباح بي بي وتوتال وشل وإكسون وشيفرون وكونوكو وإيني وريبسول وبتروتشاينا وسينوبك والبنوك الأميركية الكبرى، مع استبعاد إيرادات جيه بي مورغان لأنها ليست صافي ربح.

 

وفي النهاية، تكشف هذه الأرقام أن الحرب صنعت فاتورة مزدوجة، فالأسر دفعت تكلفة الوقود والغذاء والنقل والتأمين، بينما جمعت شركات النفط والبنوك والسلاح مكاسب مباشرة أو غير مباشرة من اضطراب الإمدادات، وبقيت الخسائر المؤجلة في الأصول والإنتاج مرشحة للظهور في الأرباع التالية.