يرتفع الضغط الدولي على قطاع غزة في لحظة يحاول فيها الوسطاء الأميركيون والدوليون انتزاع ما عجزت آلة الحرب الإسرائيلية عن فرضه بالقوة طوال شهور القتل والحصار. نيكولاي ملادينوف، بصفته مبعوثًا يقود مسار خطة غزة التابعة لما يسمى مجلس السلام، قال في 20 إبريل إنه متفائل بحذر بإمكان التوصل إلى ترتيب ينزع سلاح حماس والفصائل الأخرى، وربط هذا المسار بالانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار وترتيبات الحكم داخل القطاع.
غير أن الوقائع التي خرجت من القاهرة خلال أبريل كشفت أن جوهر الضغط لا يدور حول وقف العدوان أو تثبيت الحقوق الفلسطينية، بل حول انتزاع موافقة مكتوبة من حماس على مسار يبدأ من السلاح قبل أن يضمن تنفيذ الاستحقاقات السابقة، وهو ما جعل جولات التفاوض تبدو أقرب إلى محاولة فرض إملاءات سياسية وأمنية على شعب محاصر لا إلى تسوية متوازنة تنهي الحرب فعلاً.
تتأكد هذه الصورة لأن الاحتلال واصل خروقاته العسكرية بالتوازي مع الضغط التفاوضي، بينما ظل الخطاب الأميركي يطلب من الضحية تقديم التنازل الأكبر أولًا. وكالة رويترز نقلت في 2 أبريل أن حماس أبلغت الوسطاء أنها لن تناقش تسليم السلاح قبل ضمان انسحاب إسرائيلي كامل من غزة، كما نقلت في 20 أبريل استمرار الغارات وسقوط قتلى فلسطينيين رغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في أكتوبر 2025. وفي الوقت نفسه، كشفت مصادر “العربي الجديد” أن اجتماع القاهرة الذي جمع خليل الحية مع آرييه لايتستون وملادينوف لم يحقق اختراقًا، لأن الحركة تمسكت بتنفيذ المرحلة الأولى كاملة، بينما أصر الوفد الأميركي على موافقة أولية مكتوبة تفتح الباب لاحقًا لمسار نزع السلاح. هنا تظهر المشكلة بوضوح: الوسطاء يطلبون من غزة تسليم عناصر القوة قبل إلزام الاحتلال بتعهداته الأساسية.
ضغوط القاهرة تكشف معركة السلاح قبل تثبيت وقف النار
ثم إن المسار التفاوضي نفسه لم يبدأ من فراغ، بل انطلق من وثيقة أميركية طرحت في مارس وتبنت نزعًا مرحليًا لسلاح حماس والفصائل خلال 8 أشهر، مع تدمير شبكة الأنفاق وربط إعادة الإعمار بالمناطق التي يثبت فيها التجريد من السلاح. هذا الترتيب، بحسب نص الخطة الذي اطلعت عليه رويترز، يجعل إعادة البناء مشروطة أمنيًا ويحوّل حق السكان في الإغاثة والإعمار إلى أداة ضغط سياسية.
وبعد ذلك، كشفت التطورات اللاحقة أن واشنطن لم تكتف بعرض الخطة، بل دفعت باتجاه انتزاع قبول سريع لها. “عربي21” نقلت أن بعض جلسات التفاوض جرت تحت مهلة 48 ساعة، مع حضور مسؤولين أميركيين بينهم آرييه لايتستون واللواء جاسبر جيفرز، وأن أجواء الاجتماعات اتسمت بالضغط والتلويح بتصعيد عسكري واسع إذا لم تستجب الحركة. هذا السياق يوضح أن ملف السلاح قُدم باعتباره أولوية أميركية عاجلة لا بندًا تفاوضيًا مؤجلًا.
وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي الغزي وسام عفيفي، الذي تابع اجتماعات القاهرة عن قرب، إن الوثيقة الأميركية بدت “رسالة تهديد” أكثر منها مبادرة تفاوض، وإنها تتجاوز الالتزامات السابقة عبر ربط الإعمار بتسليم كل أنواع السلاح، بما فيها الأسلحة الفردية. تقييم عفيفي مهم لأنّه يربط بين الصياغة الأمنية للخطة وبين محاولة تحويل الإدارة المدنية المقترحة إلى ذراع ضبط مبكر بدل أن تكون أداة إغاثة وإعمار للسكان.
حماس تتمسك بالمرحلة الأولى وتربط أي بحث جديد بانسحاب الاحتلال
وبناء على ذلك، تمسكت حماس في لقاءات القاهرة بموقف واضح نقله “العربي الجديد”، فالحركة طالبت أولًا بتنفيذ كامل استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، ورفضت تضمين أي تفاهم أولي موافقة على نزع السلاح من دون جداول زمنية واضحة وضمانات ملزمة تلزم الاحتلال بوقف الخروقات والانسحاب. هذا الموقف لم يأتِ بوصفه مناورة تفاوضية، بل بوصفه ردًا مباشرًا على اختلال جوهري في ترتيب الأولويات.
كذلك، شددت تقارير منشورة هذا الأسبوع على أن الفصائل الفلسطينية رفضت ربط وقف الحرب في غزة بسلاح المقاومة، واعتبرت أن طرح ملادينوف بشأن تسليم السلاح وآليات ذلك لا يدخل ضمن تفاصيل الاتفاق في مرحلته الحالية، بل يعكس وجهة نظره الخاصة. هذا التفصيل مهم لأنّه يثبت أن الخلاف ليس على بند إجرائي، بل على تعريف الاتفاق نفسه وعلى حدود ما يحق للوسطاء فرضه خارج النصوص المتفق عليها.
وفي الإطار نفسه، قدّم المحلل الفلسطيني أمجد عراقي، وهو كبير محللي الشأن الفلسطيني والإسرائيلي في مجموعة الأزمات الدولية، قراءة متصلة بهذا المسار حين ناقش في فبراير 2026 مرحلة غزة التالية، محذرًا من أن المقاربات التي تستبعد الفاعل الفلسطيني وتؤجل الأسئلة السياسية الجوهرية ستفاقم التعثر. وتكتسب هذه القراءة وزنًا إضافيًا لأن الوقائع اللاحقة أظهرت أن الخطة المطروحة تجعل السلاح شرطًا سابقًا على الحقوق السياسية والإنسانية، لا نتيجة لمسار يضمن تلك الحقوق.
تهديدات سموتريتش واستمرار القتل ينسفان خطاب السلام المزعوم
وفي المقابل، لم يقدّم معسكر الاحتلال أي إشارة إلى استعداد فعلي لإنهاء المشروع العسكري والاستيطاني، بل واصل الدفع في الاتجاه المعاكس. رويترز ذكرت في 20 أبريل أن بتسلئيل سموتريتش كان بين الوزراء الذين احتفلوا بإعادة إنشاء مستوطنة “سانور” في الضفة الغربية، وأنه معروف بدعوته إلى ضم الضفة وتشجيع الاستيطان في غزة وأجزاء من لبنان وسوريا. هذه الخلفية تجعل مطالبة غزة بنزع سلاحها بينما يتوسع المشروع الاستيطاني الإسرائيلي مطالبة عدوانية مكشوفة لا مبادرة سلام.
ثم إن استمرار القتل بعد وقف النار المعلن يقوّض أصل الرواية التي تروّج لها واشنطن وتل أبيب. رويترز أفادت في 20 أبريل بسقوط فلسطينيين جدد في غارات إسرائيلية داخل القطاع، كما نقل “العربي الجديد” أن خروقات الاحتلال منذ اتفاق أكتوبر 2025 تجاوزت 2400 خرق وأوقعت 757 شهيدًا و2111 مصابًا. وعندما يستمر هذا المستوى من العنف، يصبح طلب نزع السلاح قبل وقف العدوان طلبًا لتجريد السكان من القدرة على الردع لا خطوة نحو تهدئة مستقرة.
وفي قراءة موازية، تبرز أهمية رأي تهاني مصطفى، الباحثة المختصة في الشأن الفلسطيني والتي عملت محللة أولى لفلسطين في مجموعة الأزمات الدولية ثم زميلة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية. مصطفى حذرت في أعمالها خلال 2025 و2026 من أن أي ترتيب يُدار أمنيًا من الخارج من دون أفق سيادي وسياسي فلسطيني سينتج هشاشة جديدة. وهذا بالضبط ما تؤكده خطة التجريد من السلاح حين تطلب من غزة تفكيك قدرتها الدفاعية قبل تقديم ضمانة واحدة موثوقة بإنهاء الاحتلال والحصار.
وأخيرًا، تكشف مجمل الوقائع المنشورة خلال مارس وأبريل 2026 أن المعركة الدائرة ليست خلافًا فنيًا حول بند تفاوضي، بل صراعًا مباشرًا على من يملك تعريف الأمن والسلطة والحق داخل غزة. ملادينوف يتحدث عن تقدم سريع، والوفد الأميركي يضغط لانتزاع تعهد مكتوب، والاحتلال يواصل القتل والتوسع، بينما تصر حماس والفصائل على أن تنفيذ المرحلة الأولى والانسحاب ووقف الخروقات تسبق أي نقاش جديد. لهذا تبدو خلاصة المشهد حاسمة: الضغوط الدولية لم تقنع غزة، وتهديدات الاحتلال لم تكسر موقفها، لأن أي اتفاق يطلب نزع السلاح قبل وقف العدوان الكامل يفتح الباب لإعادة إنتاج السيطرة الإسرائيلية بصيغة تفاوضية لا أكثر.

