تحولت مناقشات لجنة الشئون الاقتصادية بمجلس النواب إلى مواجهة مباشرة مع وزارة التموين بعد تصاعد شكاوى نقص السلع التموينية وتأخر إضافة المواليد ووقف بعض البطاقات من دون مسار واضح وسريع لحسم التظلمات.

 

هذه المواجهة لم تأت من فراغ، لأن ملف بطاقات التموين ظل لسنوات واحدًا من أكثر الملفات اتصالًا بالحياة اليومية للأسر الفقيرة ومحدودة الدخل، ثم عاد بقوة مع طلبات الإحاطة التي تقدم بها عدد من النواب وفي مقدمتهم النائب إيهاب منصور.

 

وقد أظهرت المناقشات أن الأزمة لم تعد مقتصرة على شكاوى فردية متفرقة، بل أصبحت تعبيرًا عن خلل متراكم في إدارة الدعم العيني وآليات الاستهداف وقواعد البيانات ومسارات التنفيذ بين الوزارات والجهات المختلفة. كما أظهرت الجلسة أن الوزارة ما زالت ترد بأرقام جزئية ووعد بتقديم رد خلال 10 أيام، بينما ينتظر المواطن قرارًا نافذًا لا بيانًا مؤجلًا.

 

جاءت هذه التطورات في لحظة أشد حساسية لأن الحكومة نفسها تدير نقاشًا أوسع حول التحول إلى الدعم النقدي وإعادة هيكلة منظومة الدعم، بينما تتحمل الأسر أعباء الغلاء وتآكل القدرة الشرائية وتراجع الحماية الفعلية على الأرض. لذلك لم يعد تأخر إضافة المواليد مجرد عطل إداري يمكن تجاوزه بتصريح رسمي، بل صار علامة على طريقة حكم تعتبر الاستبعاد أسرع من الإدراج، والتنقية أسهل من الإنصاف، والرد المؤجل بديلًا عن الحل.

 

كما أن الأرقام التي تتحدث عن إضافة نحو 550 ألف مواطن إلى البطاقات لم تُنه الجدل داخل اللجنة، لأن النواب سألوا عن العدد الإجمالي للمستفيدين المنتظرين، وعن مدى كفاية هذه الخطوة قياسًا بحجم الطلبات المتراكمة. وفي الخلفية تقف مخصصات ضخمة للدعم والحماية الاجتماعية في موازنة 2025-2026، لكن التعثر التنفيذي يظل هو العنوان الأوضح في حياة الناس.

 

البرلمان يفتح الملف والوزارة تؤجل الإجابة

 

بدأت الأزمة من داخل لجنة الشئون الاقتصادية حين ناقش النواب طلبات الإحاطة المتعلقة بنقص السلع على بطاقات التموين وتأخر إضافة المواليد وصعوبات وقف البطاقات والبت في التظلمات. وقد عرض النائب إيهاب منصور جانبًا من الشكاوى المتراكمة، مؤكدًا أن المواطنين يدورون بين جهات متعددة من دون نتيجة حاسمة.

 

ثم اتسع الاعتراض النيابي عندما ربط النواب بين تأخر التنفيذ وبين وجود قرارات معلنة تسمح بإضافة فئات محددة مثل مستفيدي برامج الحماية الاجتماعية وأبناء الشهداء، بينما لا ينعكس ذلك على الأرض بالسرعة المطلوبة. ويكتسب هذا الاعتراض وزنًا إضافيًا لأن التوجيه الوزاري رقم 51 الصادر في 8 ديسمبر 2022 نص على أحقية فئات بعينها في الإضافة.

 

بعد ذلك جاء رد مسؤولي وزارة التموين محدودًا حين تحدثوا عن إضافة 550 ألف مواطن إلى البطاقات، مع وعد بتقديم رد خلال 10 أيام على طلبات الإحاطة. هذا الرد لم يغلق الملف داخل اللجنة، لأن النواب سألوا فورًا عن إجمالي من ينتظرون الإدراج وعن سبب استمرار التعطيل رغم مرور شهور طويلة على تقديم الطلبات.

 

وفي هذا السياق يكتسب تحذير الدكتور جودة عبدالخالق، وزير التموين الأسبق وعضو مجلس أمناء الحوار الوطني، دلالة كبيرة، لأنه شدد على أن الدعم حق للمستحق وليس منحة من السلطة، كما حذر من أي انتقال متسرع أو إدارة مرتبكة للدعم في ظل ضعف الرقابة على الأسعار والأسواق. هذا التحذير يضع أزمة المواليد في موضعها الصحيح، بوصفها أزمة حق مؤجل لا خدمة متأخرة فقط.

 

إضافة المواليد بين تعقيد الإجراءات وتوسيع الاستبعاد

 

تكشف وقائع اللجنة أن أزمة إضافة المواليد لم تعد مرتبطة فقط بفتح باب الإضافة أو غلقه، بل بطريقة إدارة المسار كله منذ تقديم الطلب حتى اعتماده أو رفضه. فالمواطن يواجه جهات متعددة ومستندات متكررة وردودًا متناقضة، ما يحول الحق التمويني إلى عبء إداري طويل بدلًا من كونه أداة حماية اجتماعية مباشرة.

 

ثم تزداد الأزمة حدة عندما يقترن التأخر بحذف غير واضح لبعض المستفيدين أو وقف بطاقات من دون حسم سريع للتظلمات. وقد طالب النواب باستمرار صرف الخبز للمواطنين المتضررين إلى حين الانتهاء من فحص أوضاعهم، لأن تعليق الصرف طوال شهور يجعل الدولة طرفًا مباشرًا في تعميق الضرر المعيشي على الأسر.

 

ومن هنا تبدو المشكلة أوسع من خلل تقني داخل قاعدة بيانات، لأن الحكومة تعرف منذ سنوات أن ملف التموين يعاني من عوار في البيانات وتضارب بين الجهات، ومع ذلك لم تنجح في بناء مسار إداري يضمن تحديثًا منتظمًا وعادلًا وسريعًا. هذا يعني أن الأزمة لم تعد في اكتشاف الخلل، بل في استمرار إدارته بلا علاج حاسم.

 

وفي هذا الموضع يبرز رأي الدكتورة هانيا الشلقامي، خبيرة الحماية الاجتماعية، التي قالت إن برامج الدعم النقدي والحماية الاجتماعية تحتاج إلى مرونة تحمي المواطن من العوز المؤقت والظرف الطارئ، لا أن تقتصر على تعريف جامد للفقر. وهذا الرأي ينسف عمليًا منطق التأخير والاستبعاد، لأن الأسرة التي تنتظر إضافة مولود جديد تواجه نقصًا طارئًا لا يحتمل البيروقراطية البطيئة.

 

من بطاقات التموين إلى الدعم النقدي طريق تمهده الحكومة على حساب الفقراء

 

تأتي أزمة إضافة المواليد في توقيت لا يمكن فصله عن النقاش الحكومي المتكرر حول التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي. فقد أكد وزير التموين في يناير 2025 أن هذا التحول سيُطرح للحوار المجتمعي، ثم تصاعد الكلام خلال 2025 عن 2026 بوصفه عامًا للتحول، مع أحاديث عن بطاقات أو أدوات رقمية تربط الاستحقاق بقواعد بيانات أكثر إحكامًا.

 

وبعد ذلك صار واضحًا أن تنقية البيانات وتدقيق الاستحقاق وتحديث قواعد المستفيدين لم تعد خطوات إدارية منفصلة، بل جزء من إعادة تشكيل المنظومة كلها. لذلك يقرأ كثيرون تعثر إضافة المواليد وتأخر البت في التظلمات باعتباره تمهيدًا عمليًا لتقليص عدد المستفيدين أو ضبطهم قبل أي انتقال أكبر في شكل الدعم وآلياته.

 

ويزداد هذا المعنى وضوحًا حين تعلن الحكومة تخصيص 150 مليار جنيه لدعم السلع التموينية ضمن موازنة 2025-2026، إلى جانب 54 مليار جنيه لبرنامج تكافل وكرامة، ثم تضيف حزمًا استثنائية على بطاقات التموين بقيمة 18 مليار جنيه قبل رمضان. فالدولة لا تتحدث هنا عن انسحاب من الدعم، لكنها تتحرك بوضوح نحو إعادة توجيهه وفرزه وربطه بآليات رقمية أشد صرامة.

 

وفي هذا الإطار يكتسب رأي الدكتور محمد أبو شادي، وزير التموين الأسبق، أهمية مباشرة، لأنه شدد على ضرورة متابعة التضخم وضبط الأسعار وتوفير مخزون استراتيجي واسع قبل أي انتقال إلى الدعم النقدي. هذا التحذير يكشف قصور النهج الحكومي الحالي، لأن الدولة تناقش شكل الدعم الجديد بينما ما زالت عاجزة عن ضمان العدالة والسرعة في أبسط حلقات المنظومة الحالية.

 

هكذا تكشف أزمة بطاقات التموين وإضافة المواليد أن الحكومة لا تدير ملفًا خدميًا عابرًا، بل تعيد ترتيب شبكة الأمان الاجتماعي من أعلى وبأدوات بطيئة وقاسية على الفقراء. وقد أثبتت مناقشات البرلمان أن وزارة التموين لا تملك حتى الآن إجابة سياسية وإدارية متماسكة بحجم الأزمة، بل تكتفي بردود مؤجلة وأرقام ناقصة. وإذا استمر هذا النهج، فإن ملف الدعم لن يبقى أزمة إجرائية داخل الوزارة، بل سيتحول إلى عنوان يومي لفشل الدولة في حماية من يفترض أنها تدعمهم أصلًا.