تحولت أزمة السفير الإيراني في بيروت من قرار دبلوماسي إلى امتحان مباشر لهيبة الدولة اللبنانية بعد أن بقي محمد رضا شيباني في موقعه رغم إعلان وزارة الخارجية سحب اعتمادِه واعتباره شخصًا غير مرغوب فيه.

القرار الذي اتخذه وزير الخارجية يوسف رجي في 24 مارس لم يُنفذ حتى الآن، فيما تتعامل قوى نافذة معه كما لو أنه جُمّد أو أُفرغ من مضمونه.

وبذلك لم تعد المشكلة محصورة في خلاف داخل الحكومة، بل صارت مواجهة مكشوفة بين من يريد تثبيت سلطة الدولة على سياستها الخارجية ومن يريد إبقاء لبنان مفتوحًا أمام وصاية إيرانية تتكلم باسم الدبلوماسية وتمارس نفوذًا يتجاوزها.

هذا التطور لم يأتِ في فراغ، بل جاء في لحظة حرب مفتوحة على لبنان، وفي ظل انقسام داخلي حاد، وضغط إقليمي يجعل كل قرار سيادي عرضة للتعطيل أو المساومة أو التجميد على الطريقة اللبنانية التي تبقي النص قائمًا وتمنع تطبيقه في الوقت نفسه.

 

ولذلك بدا المشهد أكثر خطورة من مجرد سجال بين وزير وخصومه، لأن ما جرى كشف أن القرار الرسمي نفسه يمكن أن يصدر من الدولة ثم يبقى معلقًا إذا اصطدم بإرادة “الثنائي الشيعي” أو برفض طهران.

صحيفة “الجمهورية” نقلت عن مصادر في “الثنائي” أن الأزمة لم تُحل، وأن لا تواصل جديًا بشأنها، وأن الكلام المتداول يفيد بأن القرار اعتُبر كأنه لم يصدر أو كأنه لن يُنفذ، مع مشاركة وزراء “الثنائي” في جلسة مجلس الوزراء من دون انسحاب أو استقالة.

هذا المعنى أكدت وقائعه تقارير أخرى تحدثت عن ضغط مارسه نبيه بري وحزب الله لمنع تنفيذ القرار، وعن تمسك إيران بأن السفير سيواصل عمله من داخل السفارة.

عند هذه النقطة، لم يعد السؤال من يحكم الخارجية اللبنانية فقط، بل من يملك أصلًا حق إلزام الدولة بتنفيذ ما تعلنه باسم السيادة.

 

قرار رسمي بلا تنفيذ وحكومة معلقة على ميزان القوة

 

أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية في 24 مارس سحب موافقتها على اعتماد السفير الإيراني محمد رضا شيباني، واعتباره شخصًا غير مرغوب فيه، مع استدعاء السفير اللبناني من طهران للتشاور.

هذا القرار مثل أعلى درجات الاحتجاج الدبلوماسي التي لجأت إليها بيروت في علاقتها مع طهران منذ سنوات، وجاء بعد اتهامات بتجاوز الأصول الدبلوماسية وعقد لقاءات واتصالات من دون تنسيق مع الخارجية اللبنانية.

 

ثم تحولت المهلة المحددة لمغادرة السفير إلى اختبار عملي لم تخرج منه الدولة اللبنانية رابحة.

وكالة أسوشيتد برس أفادت بعد انقضاء المهلة بأن إيران أعلنت صراحة أن سفيرها لن يغادر، وأنه سيبقى في بيروت رغم قرار الإبعاد، بينما بقي داخل السفارة من دون تنفيذ فعلي للقرار اللبناني.

بهذا المعنى، ظهر التحدي علنيًا ولم يعد مجرد تسريب أو تقدير سياسي.

 

وبعد ذلك، جاءت رواية “الجمهورية” لتشرح جانبًا من التعليق الداخلي للأزمة، إذ قالت مصادر “الثنائي الشيعي” إن لا حل حتى الآن، وإن الحديث الذي وصل إليها يفيد بأن القرار اعتُبر كأنه لم يكن، أو أنه لن يُتخذ بحقه أي إجراء، وإن كل طرف سيبقى عند موقفه.

هذه الصياغة لا تنفي القرار رسميًا، لكنها تنزع عنه الأثر التنفيذي وتتركه حبرًا سياسيًا بلا قوة إلزام.

 

كما أن هذه الرواية تفسر سلوك وزراء “الثنائي” داخل الحكومة.

فالمصادر نفسها شددت على أن الوزراء سيشاركون في جلسة مجلس الوزراء، وأنهم لم ينسحبوا من الحكومة ولم يستقيلوا منها.

هذا السلوك يعني أن “الثنائي” لم يذهب إلى كسر الحكومة علنًا، لكنه لم يسمح في المقابل بمرور القرار كما صدر، فاختار البقاء داخل السلطة مع تعطيل مفاعيل القرار في الوقت نفسه.

 

وفي هذا السياق، قال مدير مكتب الجزيرة في بيروت مازن إبراهيم إن خطوة سحب اعتماد السفير تمثل “رأس جبل الجليد” لأزمة مفتوحة بين لبنان الرسمي وطهران، موضحًا أن من أسبابها قيام السفير بلقاءات مع جهات لبنانية من دون التنسيق مع وزارة الخارجية.

أهمية هذا التوصيف أنه يربط القرار بخلاف أعمق على من يدير العلاقة مع إيران داخل لبنان.

 

الثنائي يربط الملف بالحرب وطهران ترفض الإقرار بسلطة بيروت

 

رأت مصادر “الثنائي الشيعي” أن الأزمة لم تنته، وأنها تجاوزت شقها الداخلي لتصبح مشكلة بين لبنان وإيران، لكنها معلقة الآن لأن الجميع ينتظر مسار الحرب.

المصادر نفسها ربطت الأمر بإصرار إسرائيل على مواصلة الحرب على لبنان حتى تحقيق أهدافها حتى لو توقفت الحرب في إيران، معتبرة أن الجبهة اللبنانية ما زالت مفتوحة وأن مسارها لا يمكن فصله عن التطورات الإقليمية.

 

وبسبب هذا الربط، قالت المصادر إن هناك مصلحة في وحدة الجبهتين، في حين تصر إسرائيل على الفصل بينهما، وإن الأمور أصبحت متداخلة إلى حد يصعب معه توقع اليوم التالي.

هذا الكلام لا يقدم فقط توصيفًا ميدانيًا، بل يقدم أيضًا مبررًا سياسيًا ضمنيًا لتعليق القرار، لأن تنفيذه الكامل في نظر “الثنائي” يأتي داخل صراع أوسع مع إيران وحزب الله وإسرائيل معًا.

 

لكن هذا المنطق نفسه فتح باب غضب داخل المعسكر المقابل.

وزير الصناعة جو عيسى الخوري كتب عبر منصة “إكس” أن انتفاض جزء من الدولة على قرارات صادرة عن جزء آخر من الدولة لا يطرح فقط سؤال من يحكم لبنان، بل سؤال أي نظام يجب أن يحكم لبنان.

هذا الموقف تعامل مع الأزمة بوصفها أزمة نظام لا مجرد خلاف وزاري أو دبلوماسي.

 

ثم جاء موقف النائبة غادة أيوب أكثر مباشرة حين قالت لقناة “إم تي في” إن السفير الإيراني لم يعد قادرًا بعد اليوم على تمثيل دولته أو إجراء اتصالات رسمية مع الحكومة اللبنانية أو ممارسة أي عمل دبلوماسي، وإنه بات كأي مواطن إيراني خارج عن القانون ولاجئ إلى سفارة بلاده، وإن خروجه من السفارة يوجب على الدولة اللبنانية ترحيله.

هذا الكلام نقل النزاع من السياسة إلى التنفيذ القانوني المباشر.

 

كما صعّد النائب مارك ضو موقفه عبر منصة “إكس” حين اعتبر أن إعلان وزير الخارجية الإيراني استمرار السفير في عمله من داخل السفارة يمثل تحديًا سافرًا لسيادة لبنان واستخفافًا بمؤسساته وقراراته، وأنه يشكل تحديًا مباشرًا للعهد ولرئيس الجمهورية وللحكومة مجتمعة.

ضو طالب برد واضح وحازم ضمن الأطر الدبلوماسية والقانونية وصولًا إلى قطع العلاقات وإغلاق السفارة إذا استمر التمادي.

 

وفي هذا الإطار، قال ريتشارد قيومجيان، الوزير السابق ورئيس دائرة العلاقات الخارجية في “القوات اللبنانية”، إن المطلوب لا يقتصر على طرد السفير الإيراني، بل يجب أن يصل إلى قطع العلاقات مع نظام انتهك سيادة لبنان لعقود.

أهمية هذا الموقف أنه يضع الأزمة في سياق ممتد من النفوذ الإيراني، لا في حدود واقعة دبلوماسية منفصلة أو طارئة.

 

السيادة في النص والعجز في التنفيذ والبلد أمام اختبار الدولة

 

بعد ذلك، انتقل الجدل إلى السؤال القانوني العملي: ماذا يعني بقاء السفير داخل السفارة بعد إبعاده.

السفير اللبناني السابق لدى واشنطن أنطوان شديد قال إن السفير الإيراني لا يستطيع الخروج من السفارة، لكن إذا خرج تستطيع الدولة اللبنانية أن تقتاده إلى المطار وتبعده.

هذا الرأي يوضح أن الدولة تملك نظريًا هامشًا للتنفيذ، لكنه يكشف أيضًا أن التنفيذ الفعلي مؤجل ما دام السفير باقٍ داخل مقر البعثة.

 

ولأن التنفيذ لم يحصل، تحولت الأزمة إلى مادة يومية تكشف محدودية قدرة السلطة على فرض قراراتها.

تقارير دولية وصفت بقاء السفير بأنه دليل على أن لبنان يحاول تقليص النفوذ الإيراني لكنه يصطدم بانقسام داخلي عميق وبنفوذ حزب الله وبضغط طهران على حلفائها داخل النظام.

هذا التوصيف ينسجم مع مشهد رسمي صدر فيه القرار، ثم بقيت الدولة عاجزة عن تحويله إلى واقع.

 

كما أن استمرار الحرب على لبنان ضاعف هذا العجز بدل أن يخففه.

أسوشيتد برس تحدثت عن سقوط أكثر من 1200 قتيل ونزوح أكثر من مليون شخص في سياق التصعيد الأخير، فيما أشارت تقارير أخرى إلى توسيع إسرائيل عملياتها في الجنوب.

هذا المناخ جعل القرار الدبلوماسي جزءًا من معركة أكبر على موقع لبنان بين الدولة والسلاح والنفوذ الخارجي.

 

وفي هذا المناخ نفسه، قال مازن إبراهيم إن القرار اللبناني لا يمكن فصله عن التداخل بين المسارين السياسي والعسكري، ولا عن العلاقة المركبة بين الدولة اللبنانية وحزب الله، وهي علاقة تنعكس مباشرة على إدارة العلاقة مع طهران.

هذا التوصيف يشرح لماذا تجاوزت الأزمة شقها الداخلي بالفعل، ولماذا باتت السلطة اللبنانية تبدو طرفًا يعلن أكثر مما ينفذ.

 

ولذلك، لم تعد المسألة مجرد بقاء سفير داخل سفارته، بل صارت اختبارًا لمعنى السيادة نفسه داخل لبنان.

إذا كانت الدولة تستطيع إعلان السفير شخصًا غير مرغوب فيه لكنها لا تستطيع إخراجه، وإذا كانت الحكومة قادرة على إصدار القرار لكنها غير قادرة على حمايته من التعليق السياسي، فإن الأزمة تكشف شللًا بنيويًا في بنية الحكم قبل أن تكشف تمردًا دبلوماسيًا من جانب طهران.

 

وفي الخاتمة، يظهر من تسلسل الوقائع أن أزمة السفير الإيراني لم تُطوَ، بل كُشفت على حقيقتها: قرار رسمي صدر، ورفض إيراني علني وقع، وغطاء داخلي وفره “الثنائي الشيعي”، وغضب سيادي عبر عنه وزراء ونواب ومعارضون، فيما بقي التنفيذ معلقًا.

بهذا المعنى، لم تهزم طهران قرار يوسف رجي وحده، بل وضعت الدولة اللبنانية كلها أمام صورتها الأكثر ضعفًا: سلطة تكتب قراراتها بيد، ثم تترك خصومها يقررون مصيرها باليد الأخرى.