في احتفالية عيد الشرطة، قدم قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي نفسه مرة أخرى في ثوب “الواعظ الحريص على أولادنا وبناتنا”، مطالبًا البرلمان والحكومة بدراسة إصدار قانون يمنع من هم دون 16 عامًا من استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، ومُلمِّحًا إلى أن دولًا مثل أستراليا وبريطانيا سبقت إلى “منع الهواتف” عن القُصّر.

 

بدا الكلام وكأنه استيراد لتجربة متقدمة في حماية الطفل، لكن مراجعة بسيطة لما جرى فعليًا في أستراليا تكشف أن الرئيس لم يخطئ في التفاصيل، بل زوّر جوهر التجربة بالكامل: هناك لا يُمنع الطفل من الهاتف، بل تُلزم الشركات باحترام حد أدنى للعمر على المنصات، بينما يريد السيسي تحويل الهاتف ذاته إلى تهمة، وجيل كامل إلى متهم محتمل تحت عنوان “الوعي” و“الحماية”.

 

ماذا فعلت أستراليا فعلاً.. وماذا يريد السيسي أن يفعل؟

 

القانون الذي دخل حيز التنفيذ في أستراليا في ديسمبر 2025 لم يمنع القُصّر من استخدام الهواتف المحمولة كما ادعى السيسي، بل عدّل قانون السلامة على الإنترنت Online Safety Act، وأضاف إليه جزءًا جديدًا بعنوان “الحد الأدنى للعمر على وسائل التواصل الاجتماعي”. جوهر التعديل أن من هم دون 16 عامًا لا يجوز أن يمتلكوا حسابات على منصات معينة مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك ويوتيوب، وأن المسؤول الأول عن الالتزام هو الشركات نفسها، التي يجب أن تطوّر أدوات للتحقق من الأعمار، وإغلاق الحسابات المخالِفة، وإلا واجهت غرامات قاسية.

 

بمعنى أوضح: الطفل الأسترالي أقل من 16 عامًا يملك هاتفه، يتصل، يرسل رسائل، يتصفح الإنترنت، يمارس حياته العادية، لكن القانون يضع قيودًا على وجوده داخل منصات محددة ثبت خطرها على السلامة النفسية والخصوصية، ويُلزم الشركات العملاقة بتحمل جزء من المسؤولية الأخلاقية، بدل ترك الأسرة وحدها في مواجهة خوارزميات لا ترحم. في مصر، يحذف السيسي كل هذا السياق، ويتحدث كأن “الدولة الأسترالية منعت التليفون لسن معين”، ثم يبني على هذه المعلومة المزوّرة دعوته لبرلمان وحكومة، في بلد اعتاد أن يحوّل أي قانون إلى عصا أمنية، لا إلى أداة توازن بين الحرية والحماية.

 

الخطير هنا ليس مجرد سوء الفهم، بل رغبة واضحة في استنساخ غطاء أجنبي لإجراء محلي مختلف تمامًا في روحه وهدفه. أستراليا تناقش علنًا، تصدر تقارير، تخضع لرقابة برلمانية وإعلام قوي، وتضع شركات التكنولوجيا في dock الاتهام. أما في مصر، فالسلطة تريد صياغة قانون يُجرِّم وجود القاصر على المنصة، ويفتح باب الملاحقة والحجب، ويحوّل أي هاتف في يد مراهق إلى شبهة، دون شفافية أو نقاش مجتمعي حقيقي، وبلا أي ضمانة أن الهدف هو حماية الطفل لا حماية النظام.

 

جيل زد تحت المقص: حماية الأطفال أم حماية النظام من وعي جديد؟

 

من الواضح أن ما يقلق السيسي ليس “سلامة الأطفال الرقمية” بقدر ما يقلقه جيل لا يمر عبر بوابة إعلامه الرسمي ولا يخضع لمنطقه. جيل زد في مصر لا ينتظر نشرة التاسعة، بل يشاهد العالم من شاشة صغيرة: يرى غزة لحظة بلحظة، ومظاهرات الجامعات في العالم، ومقارنات الأسعار بين القاهرة وإسطنبول والرياض، ومقاطع لضحايا القمع، وسخرية لاذعة من الخطاب الرسمي. هذا الجيل لم يُشارك في تفويض 2013، ولا يحمل عقدة “الخوف من الفوضى” التي شُحنت بها أجيال أكبر؛ هو ابن الإنترنت، لا ابن الشاشات العسكرية.

 

في هذا السياق، تصبح مواقع التواصل “خطرًا استراتيجيًا” بالنسبة للنظام، لا لأنها تفسد أخلاق القُصّر، بل لأنها تفضح كذب السلطة وفشلها، وتمنح المراهق وعيًا مبكرًا لا يمكن السيطرة عليه بخطبة جمعة أو درس ديني موحى به من الأمن الوطني. حين يطالب السيسي بقانون يحظر السوشيال ميديا على من هم دون 16 عامًا، فهو يبعث برسالة سياسية قبل أن تكون تربوية: أريد أن أقطع الطريق على جيل جديد من يناير قبل أن يولد سياسيًا.

 

تجربة السنوات الماضية تكشف هذا المنطق بوضوح؛ آلاف الشباب حوكموا وسُجنوا بتهم “إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”، ومجرد بوست أو تغريدة أو فيديو ساخر كان كافيًا لاقتحام بيت، ومصادرة هاتف، واختفاء قسري، ثم اتهامات جاهزة بالإرهاب أو نشر أخبار كاذبة. ومع كل هذا، تريد السلطة خطوة إضافية: أن تجعل وجود القاصر أصلًا على هذه المنصات غير قانوني، وأن تُضيف إلى ترسانة قوانينها مادة جديدة تسمح بمزيد من التتبع والملاحقة، تحت غطاء “حماية أولادنا وبناتنا”.

 

ما يغيب تمامًا عن خطاب السيسي هو السؤال الحقيقي: كيف تحمي دولة أطفالها وهي تعجز عن حماية عقولهم من التعليم المتدهور، وعن حماية أجسادهم من الفقر وسوء التغذية، وعن حماية أسرهم من الانهيار الاقتصادي الذي دفع مئات الآلاف إلى الهجرة والانتحار والعجز؟ كيف تقنع مراهقًا بأن المشكلة في تيك توك، لا في واقع يومي يراه من نافذته: أسعار تشتعل، فرص عمل تنكمش، وشرطة تحضر سريعًا إذا كتب شيئًا على فيسبوك، وتغيب إذا استغاث من ظلم أو فساد؟

 

كذبة أستراليا وذاكرة 3 يوليو: حاكم لا يخاف على الأطفال بل من الذاكرة

 

حين يحرّف السيسي تجربة أستراليا بهذا الشكل الفج، فهو لا يخطئ للمرة الأولى. في الخطاب نفسه، عاد إلى جرح 3 يوليو وقال بثقة إن بيان الانقلاب كان كله “لطفًا ومحاولة للتوافق”، وإن أحدًا لم يُعتقل قبله. لكن شهادة محمد البرادعي، نائب رئيس الجمهورية السابق، المنشورة منذ 2016، تقول العكس تمامًا: مرسي كان محتجزًا صباح 3 يوليو قبل اجتماع “القوى الوطنية”، والشرعية كانت قد أُطيح بها قبل أن يقرأ السيسي بيانه على الهواء.

 

من يقدر على تزوير وقائع بحجم خطف رئيس منتخب، ومجازر رابعة والنهضة، لن يتورع عن تزوير قانون أسترالي أو تضخيمه لتبرير نزعة قمعية جديدة. في الحالتين، الآلية واحدة: صناعة فزاعة، سواء كانت “الإرهاب” أو “السوشيال ميديا”، ثم استخدام هذه الفزاعة لشرعنة مزيد من السيطرة على المجتمع، ومزيد من تحصين السلطة من النقد.

 

جوهر الموضوع إذن ليس “منع القُصّر من استخدام الهواتف كأستراليا”، بل استخدام اسم أستراليا كقناع لوجه حقيقي يريد أن يحكم حتى العقول الصغيرة قبل أن تنضج، وأن يقطع عنها الهواء قبل أن تسأل. في بلد يحترم نفسه، تُناقش سلامة الأطفال الرقمية مع الخبراء والأهالي والمعلمين، وتُحمَّل الشركات جزءًا من المسؤولية. أما في بلد يحكمه الخوف من الوعي، فيُناقش الأمر على منصة أكاديمية الشرطة، ويخرج في صورة قانون جديد يحاسب الجيل القادم لأنه تجرأ أن يرى العالم من شاشة لا تمر عبر فلاتر الجنرال.