تشهد مراكز وقرى محافظة المنيا، وتحديدًا مغاغة والعدوة وبني مزار، أزمة متفاقمة في خدمات مياه الشرب، في ظل انقطاع متكرر وطويل للمياه، وتعثر تنفيذ محطات استراتيجية، إلى جانب ارتفاع غير مسبوق في رسوم تركيب عدادات المياه، ما دفع آلاف المواطنين إلى دق ناقوس الخطر، محذرين من تهديد مباشر لحقهم في الحصول على مياه نظيفة وآمنة.
انقطاعات طويلة ومعاناة يومية
بحسب شكاوى الأهالي، تعاني قرى ومجالس قروية كاملة من انقطاع شبه تام لمياه الشرب منذ أيام متواصلة، من بينها مجلس قروي برطباط بالكامل، وقرية بني خلف بمركز مغاغة، وقرى غرب العدوة بالكامل، وغرب بني مزار، وزاوية برمشا، وقصر لملوم، وأبا البلد، فضلًا عن قرى أخرى تابعة للمجالس القروية نفسها.
ويؤكد المواطنون أن المياه، إن وصلت، لا تتجاوز ساعة أو ساعتين في أفضل الأحوال لبعض المناطق، بينما تُحرم مناطق أخرى تمامًا لأيام متتالية، في مشهد يعكس – بحسب وصفهم – خللًا واضحًا في منظومة التوزيع، وعدم عدالة بين القرى والمناطق المتجاورة.
ورغم تبرير الجهات المعنية لهذه الانقطاعات بالسدة الشتوية، إلا أن الواقع الميداني، كما ينقله السكان، يشير إلى أن الأزمة أعمق من مجرد ظرف موسمي، خاصة مع تكرار المشكلة عامًا بعد آخر دون حلول جذرية.
“الجراكن” تعود من جديد
أمام هذا الوضع، يضطر آلاف المواطنين، خصوصًا في القرى الأكثر فقرًا، إلى نقل المياه يدويًا باستخدام “الجراكن”، أو شراء مياه الشرب من مصادر غير مضمونة، ما يشكل عبئًا اقتصاديًا إضافيًا على أسر تعاني أصلًا من ضغوط معيشية متزايدة.
ويقول أحد الأهالي: “نقضي ساعات يوميًا في البحث عن المياه، نحملها من أماكن بعيدة، أو نشتريها بأسعار لا نقدر عليها، وكأننا نعيش في قرية بلا بنية أساسية”.
هذا المشهد، بحسب السكان، لا يليق بحياة كريمة، ولا ينسجم مع الجهود المعلنة لتحسين مستوى الخدمات في الريف، كما يثير مخاوف صحية حقيقية، خاصة على الأطفال وكبار السن.
محطات مياه متوقفة منذ سنوات
ولا تتوقف الأزمة عند حدود الانقطاع، إذ يشكو المواطنون من تعثر مزمن في تنفيذ عدد من محطات المياه الحيوية بالمحافظة.
فمحطة مياه بني واللمس، على سبيل المثال، لم يتم الانتهاء منها رغم مرور سنوات طويلة على بدء الأعمال، دون توضيحات كافية حول أسباب التأخير أو موعد التشغيل الفعلي.
كما يعاني سكان قرية أبّا البلد من تدهور واضح في جودة المياه المنتجة من محطتها، حيث يشكو الأهالي من تغير الطعم والرائحة، معتبرين أن المياه أصبحت غير صالحة للاستخدام الآدمي في كثير من الأحيان.
وفي قرية ساقولا، ما زالت محطة المياه القائمة تعمل ببنية قديمة تعود إلى عام 1964، دون أن تخضع لأي عمليات إحلال أو تجديد أو رفع كفاءة منذ أكثر من ستة عقود، وهو ما يثير تساؤلات خطيرة حول سلامة المياه واستدامة الخدمة.
أما محطة مياه فتح الباب، التي يُعوّل عليها لحل جزء كبير من أزمة مياه غرب العدوة، فلا تزال غير مكتملة رغم مرور سنوات على بدء تنفيذها، ما يفاقم معاناة القرى المحيطة.
رسوم عدادات تفوق القدرة
وتزداد الأزمة تعقيدًا بسبب السياسات الحالية المتعلقة بتركيب عدادات المياه، حيث يشكو المواطنون من فرض رسوم مرتفعة تصل إلى نحو 19,500 جنيه لتركيب العداد الواحد، بخلاف رسوم المقايسة، وهو مبلغ يفوق قدرة الغالبية العظمى من الأسر.
الأمر لا يقتصر على المواطنين فقط، بل يمتد إلى الجمعيات الخيرية، التي تُلزم بسداد نحو 9,500 جنيه لتركيب العداد في الحالات الإنسانية، ما أدى إلى عزوف كثير من المتبرعين والجمعيات عن تنفيذ مشروعات توصيل المياه للأسر الأولى بالرعاية داخل المحافظة، وتوجيه جهودهم إلى محافظات أخرى أقل تكلفة.
ويؤكد عاملون في العمل الأهلي أن هذه الرسوم المرتفعة عطّلت عشرات المبادرات الخيرية، وحرمت قرى شديدة الاحتياج من مشروعات حيوية كانت كفيلة بتخفيف معاناة آلاف الأسر.
أزمة تتجاوز الجانب الفني
ويرى الأهالي أن ما تعانيه محافظة المنيا من تراجع في خدمات مياه الشرب لا يمثل أزمة فنية عابرة، بل يعكس خللًا في التخطيط، وبطئًا في التنفيذ، وغيابًا للعدالة في توزيع الموارد، ما يستدعي تدخلًا عاجلًا وشاملًا.
ويحذر المواطنون من أن استمرار الوضع الحالي يهدد السلامة الصحية العامة، ويقوض أحد أبسط حقوق الإنسان، وهو الحق في الحصول على مياه نظيفة وآمنة، مطالبين بخطة واضحة، وجداول زمنية معلنة، ومراجعة شاملة لسياسات التسعير، بما يراعي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لأهالي المحافظة.

