في خطاب عيد الشرطة الأخير، لم يكن لافتًا فقط حديث قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي المتكرر عن «النقد الذاتي» و«مقابلة ربنا من غير دم»، بل بالأخص الطريقة التي خاطب بها ثلاثة رموز: وزير الخارجية بدر عبد العاطي، وزير الأوقاف أسامة الأزهري، ووزارة الداخلية بقيادة اللواء محمود توفيق.

 

جملة مثل: «مفيش بيني وبين وزارة الخارجية حاجة.. يعني مش حاقد عليك يا بدر.. مش حاقد على القضاء ولا الأزهر.. مش حاقد على الشرطة»، مع مزحة ثقيلة من نوع «معلش جت فيك يا بدر.. كل مسؤول هيتحاسب على فريقه»، ليست مجرد هزار عابر في مناخ استبدادي؛ بل رسالة سياسية مُشفَّرة تقول عمليًّا:

 

أنا أُقيم الحجة عليكم أمام الله والناس..وإن لزم الأمر، فأنتم كبش الفداء الجاهز.

 

وهنا يبرز السؤال: هل نحن أمام صدفة لغوية، أم بداية مرحلة صراع خفي مع الخارجية والأوقاف والشرطة، مرتبطة – من بين ما ترتبط به – بفضيحة صور أسامة الأزهري المعلَّقة على مسجد السيدة زينب؟ 

 

بدر عبد العاطي: «جت فيك يا بدر».. مزاح أم إنذار مبكر؟

 

في قلب الكاميرا، وبين صفوف المسؤولين، التفت السيسي إلى وزير الخارجية والهجرة د. بدر عبد العاطي وقال:

 

«كل مسؤول هيتحاسب على فريقه.. هو فاكر إنه جاي يقضي وقت سعيد؟ معلش جت فيك يا بدر»،

 

«مفيش بيني وبين وزارة الخارجية حاجة.. يعني مش حاقد عليك يا بدر».

 

في نظام ديمقراطي يمكن اعتبارها طرفة ثقيلة؛ لكن في نظام يتركّز فيه القرار في يد شخص واحد، هذه الجملة تعادل «بطاقة صفراء» علنية:

 

•  تذكير مباشر للوزير بأن وجوده مرهون برضا الرئيس لا بالكفاءة أو المؤسسية.

 

•  إشارة للرأي العام بأن أي فشل في ملفات حساسة – غزة، السودان، التفاوض مع أوروبا وصندوق النقد – يمكن تحميله للخارجية لا للرئاسة.

 

بدر عبد العاطي – القادم من عمق الجهاز الدبلوماسي، والذي تسلّم حقيبة الخارجية في يوليو 2024 – يُدير ملفات شديدة الاشتعال: الحرب على غزة، أزمة البحر الأحمر، التمويل الأوروبي، الملف السوداني… إلخ.

 

حين يضعه السيسي في كادر الخطاب بهذه الطريقة، فهو يفعل أمرين في آن واحد:

 

1.  يُلوِّح له ولغيره بأن «المحاسبة» قد تعني الإقالة عند أول هزة كبيرة، خاصة في لحظة يتعرض فيها النظام لضغوط اقتصادية ودبلوماسية بسبب غزة وقناة السويس والأزمة المالية.

 

2.  ويُقدّم نفسه كضحية لا كمتهم عبر جملة: «أنا مليش ذنب.. أنا حاولت وبحاول في مؤسساتنا»، فينقل اللوم من قمة هرم السلطة إلى الوزراء والأجهزة، وكأنهم هم الذين أفشلوا «رؤية القائد».

 

بمعنى مباشر: إذا احتاج النظام إلى تغيير حكومي أو التضحية بوزير كبير لامتصاص غضب داخلي أو خارجي، فقد تم تجهيز الرأي العام مسبقًا: «ألم أقل لكم إن كل مسؤول هيتحاسب على فريقه؟»

 

أسامة الأزهري ووزارة الأوقاف: من لافتات السيدة زينب إلى «النقد الذاتي»

 

ذكر السيسي بوضوح أنه «ليس حاقدًا على الأزهر» ولا – ضمنًا – على وزارة الأوقاف. للوهلة الأولى تبدو جملة مطمئنة، لكنها تأتي في توقيت شديد الحساسية:

 

•  الوزير د. أسامة الأزهري – وزير الأوقاف الحالي والمقرّب من السيسي – وجد نفسه في قلب عاصفة غضب شعبي بعد تعليق لافتات ضخمة تحمل صورته على واجهة مسجد السيدة زينب، مع عبارة: «تحت رعاية معالي الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري…».

 

•  الصور أثارت موجة انتقادات واسعة، وصلت لاعتبار الأمر «استباحة للمساجد» و«توظيف بيوت الله للدعاية لشخص الوزير»، ما أجبر الوزارة لاحقًا على تبرير الخطوة، ثم توجيه أوامر بإزالة الصور استجابة للضغوط.

 

في هذا السياق، حين يتحدث السيسي عن «خطاب ديني واعٍ يحمي الأوطان» ويدعو المؤسسات الدينية لنقد ذاتي، ثم يضيف مازحًا أنه «ليس حاقدًا على الأزهر» أو الأوقاف، فإن الرسالة تفهم كالتالي:

 

•  هو يبعث بإشارة واضحة لأسامة الأزهري:

 

o  أنت مَدين لي بمنصبك وبنفوذك الديني، لكن أي خطأ أو فضيحة – مثل صور السيدة زينب – لن أحميك إلى الأبد.

 

•  ويُطمئن في الوقت ذاته قطاعًا من الجمهور الغاضب من تديين السياسة وتسييس المساجد بأن «الرئيس فوق هذه الممارسات»، وأن الوزراء هم من يسيئون التصرف.

 

هل لصور الأزهري على مسجد السيدة زينب علاقة مباشرة بما قاله السيسي في خطابه؟

 

لا توجد معلومة رسمية تربط بين الأمرين، لكن:

 

•  توقيت العاصفة الإعلامية حول الصور.

 

•  ثم حديث الرئيس بعد أيام قليلة عن «عدم الحقد على الأزهر والأوقاف» مع التشديد على «النقد الذاتي»…

 

يجعل الربط السياسي منطقيًّا: الرجل يرسل تحذيرًا ناعمًا لوزيره الأقرب، ويُمهّد لوضع المؤسسة الدينية تحت مجهر المساءلة، إذا اقتضت الحاجة التضحية بأحد.

 

الشرطة تحت الغطاء الديني: حماية الدولة أم حماية النظام؟

 

رسم السيسي في خطابه صورة وردية للشرطة، مؤكدًا أنها «لا تحمي النظام أو شخصًا بعينه، بل تحمي الدولة والشعب»، ودعا – نظريًّا – كل مؤسسة لممارسة نقد ذاتي شجاع.

 

لكن الواقع على الأرض يقول شيئًا آخر:

 

•  وزارة الداخلية بقيادة اللواء محمود توفيق هي الذراع الأمنية الأولى للنظام؛ جهاز أمني خرج من رحم مباحث أمن الدولة ثم الأمن الوطني، يقود ملف السجون، القمع، الملاحقات، وقضايا «الإرهاب» المسيسة.

 

•  كل ذلك يجعل الحديث عن «شرطة تحمي الدولة لا النظام» جزءًا من إعادة تسويق المؤسسة، لا مراجعة حقيقية لدورها بعد رابعة وسيناء والسجون.

 

حين يدمج السيسي بين:

 

•  خطاب ديني مفعم بالحلفان والكلام عن «لقاء ربنا»،

 

•  ورسائل مبطنة لوزراء الخارجية والأوقاف والداخلية،

 

•  وادعاء بأنه «حاول وبحاول» وأن الذنب على المؤسسات…

 

فهو عمليًّا يرسم مشهدًا جديدًا:

 

1.  السيسي كواعظ فوق الجميع

 

يتحدث بلغة الدين، يوزّع النصائح، ويعلن أنه غير حاقد على أحد؛ وكأنه ليس صاحب القرار النهائي في التعيين والإقالة والقمع.

 

2.  الوزراء والمؤسسات كمتهمين محتملين

 

بدر عبد العاطي، أسامة الأزهري، محمود توفيق… جميعهم الآن في «كادر الاتهام المؤجل»:

 

o  إذا اشتعلت ملفات الخارج (غزة، السودان، أوروبا)، فالخارجية جاهزة لدور كبش الفداء.

 

o  إذا انفجر الغضب من تسييس المساجد أو الفضائح الدينية، فالأوقاف جاهزة.

 

o  وإذا تصاعد الحديث عن التعذيب والاعتقالات والقمع، فالشرطة جاهزة.

 

3.  تحميل المستقبل لهم، وتبرئة الماضي لنفسه

 

جملة «أنا مليش ذنب، أنا حاولت وبحاول» ليست بريئة؛ هي تأسيس مبكر لخط دفاع سياسي وتاريخي:

 

o  لو انهار النظام اقتصاديًّا أو سياسيًّا، سيتم تقديم الوزراء والمؤسسات كمسؤولين عن الفشل والفساد، بينما يُرسم الرئيس في صورة «القائد الصالح الذي لم يُطَع».

 

الخلاصة:

 

ذكر بدر وأسامة والشرطة بهذه الطريقة، وفي هذا التوقيت بالذات، ليس «مزحة بروتوكولية»، بل جزء من إعادة توزيع مسبق للّوم والمسؤولية.

 

قد لا يكون هناك قرار فوري بإقالة وزير أو تفكيك مؤسسة، لكن الخطاب يفتح الباب لكل السيناريوهات:

 

•  تغيير حكومي قريب،

 

•  تضحية بوزير أو أكثر تحت شعار «النقد الذاتي»،

 

•  أو على الأقل، تذكير لكل من حول السيسي بأن السفينة تغرق… ومن لا يقف في الصف كما يريد القائد، يمكن أن يُرمى في البحر في أي لحظة، على مرأى ومسمع من الجميع.