في صباحٍ اعتيادي، خرجت نجوى عبد المحسن، الموظفة الخمسينية بهيئة الأبنية التعليمية، من منزلها بمدينة نصر متجهة إلى مستشفى التأمين الصحي، كما تفعل منذ أكثر من 14 عامًا، لصرف دواء الضغط الشهري الذي تعتمد عليه للبقاء بصحة مستقرة.

 

لم تكن تعلم أن هذه الزيارة ستكون بداية مواجهة قاسية مع واقع جديد، حيث أخبرها الصيدلي بجملة مقتضبة: «الدواء غير متوافر». حاولت البحث عن البديل المحلي بدل المستورد، لكن الإجابة كانت أكثر إحباطًا: «مش موجود برضه».

 

قصة نجوى ليست استثناءً، بل نموذج متكرر لأزمة آخذة في الاتساع داخل منظومة التأمين الصحي، التي يعتمد عليها ملايين المصريين، خصوصًا مرضى الأمراض المزمنة مثل السكر والضغط والقلب والكُلى.

 

ملايين تحت المظلة.. وأدوية خارج المتناول

 

بحسب بيانات رسمية، بلغ عدد المستفيدين من منظومة التأمين الصحي في عام 2024 نحو 57 مليون مواطن، من بينهم موظفون، وأصحاب معاشات، وطلاب، ونساء معيلات. هؤلاء يعتمدون بشكل شبه كامل على صرف الأدوية المدعمة شهريًا من مستشفيات التأمين الصحي، لعدم قدرتهم على تحمّل أسعار السوق الحر.

 

إلا أن الواقع الحالي يكشف عن نقص حاد في أدوية أساسية داخل مستشفيات التأمين، نتيجة أزمة تمويل واضحة، انعكست بشكل مباشر على حياة المرضى، وأجبرتهم على خيارات قاسية: إما شراء الدواء بأسعار تفوق طاقتهم، أو التوقف عن العلاج ومواجهة مضاعفات صحية خطيرة.

 

شهادات من المحافظات: المرض واحد والأزمة واحدة

 

المنوفية: أنسولين مفقود ونوبات إغماء

 

من مركز بركة السبع بمحافظة المنوفية، يقول أحمد سمير (37 عامًا) إن الأزمة مستمرة منذ أربعة أشهر، مع اختفاء أدوية السكر مثل الأنسولين وجلوكوفاج وسيدوفاج. ويؤكد أن خاله، مريض السكر، يتعرض لنوبات إغماء متكررة بسبب عدم انتظام العلاج، في ظل عجز الأسرة عن شراء الدواء من الخارج. ورغم تقديم شكاوى رسمية، لم يتلقَ أي استجابة.

 

السويس: دواء الضغط أغلى من المعاش

 

في السويس، تحكي منى فؤاد (62 عامًا)، أرملة، عن معاناتها المستمرة منذ شهرين في البحث عن دواء الضغط «كونكور 5». لم تجده لا في مستشفى التأمين الصحي ولا في الصيدليات، وإن وُجد، كان بسعر يفوق قدرتها على التحمل، ما أدى إلى تدهور حالتها الصحية واضطرار ابنها لتحمّل التكلفة رغم ظروفه المعيشية الصعبة.

 

أسيوط: دعامة بالقلب بلا علاج

 

أما في قرية النخيلة بمحافظة أسيوط، يواجه ياسر عبد العزيز (45 عامًا) خطرًا حقيقيًا بعد اختفاء دواء «بلافيكس» الضروري لحالته عقب تركيب دعامة بالقلب. يقول إن توقف الدواء قد يهدد حياته، لكنه لم يجد أي بديل داخل مستشفى التأمين الصحي.

 

الشرقية: وصفات بلدية بدل الدواء

 

في مركز فاقوس بمحافظة الشرقية، تروي المعلمة هالة عطية (29 عامًا) أنها لم تعد تجد دواء «كولوفيرين د» لعلاج التهاب القولون المزمن. وتشير إلى أن الأطباء أخبروها باختفاء معظم أدوية الجهاز الهضمي، ما اضطرها لاستخدام وصفات شعبية كحل مؤقت.

 

القاهرة: مريض كُلى يعاني احتباس السوائل

 

وفي حي المطرية بالقاهرة، يعاني فتحي عمران (54 عامًا)، مريض كُلى، من نقص دواء «لازيكس»، ما تسبب له في احتباس السوائل وتورم القدمين، في ظل زيارات متكررة للمستشفى دون جدوى.

 

أزمة تمويل ومديونيات تتجاوز 43 مليار جنيه

 

يرجع خبراء الأزمة إلى مديونيات ضخمة متراكمة على الجهات الحكومية لصالح شركات الأدوية والمستلزمات الطبية.

 

ويؤكد محمد إسماعيل عبده، رئيس شعبة المستلزمات الطبية بغرفة القاهرة التجارية، أن إجمالي المديونيات تجاوز 43 مليار جنيه، منها نحو 20 مليار جنيه مستحقة لشركات المستلزمات الطبية، و23 مليار جنيه لشركات الأدوية.

 

وأوضح أن هذه المديونيات أدت إلى:

 

- توقف بعض خطوط الإنتاج بسبب نقص السيولة

 

- تعثر شركات في سداد التزاماتها البنكية

 

- خفض توريد الأدوية بنسبة تصل إلى 50%، خاصة أدوية الضغط والسكر والأعصاب

 

وزادت الأزمة حدة بعد تحرير سعر الصرف في مارس 2024، الذي ضاعف تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي.

 

تعهدات لم تُنفذ وأرباح مُعلنة

 

كانت هيئة الشراء الموحد قد عقدت اجتماعًا مع الشركات في أغسطس الماضي، وتعهدت بسداد 25% من المستحقات فورًا، وتقسيط الباقي خلال العام المالي الجاري، مع التزام وزارة المالية بتغطية 60% من تكلفة العلاج المجاني.

 

لكن حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم يُنفذ أي من هذه الوعود.

 

المفارقة، أن بيانات وزارة المالية تشير إلى أن هيئة الشراء الموحد حققت أرباحًا بلغت 3.5 مليار جنيه خلال الفترة من 2020/2021 إلى 2024/2025، ما يثير تساؤلات حول أولويات الإنفاق وإدارة الأزمة.

 

هيئة التأمين: تأخر المالية هو السبب

 

مصدر مسؤول بهيئة التأمين الصحي أكد أن تأخر وزارة المالية في سداد حصتها من تكلفة العلاج المجاني (60%) هو السبب الرئيسي للأزمة، ما عطّل سداد مستحقات هيئة الشراء الموحد وأثر مباشرة على التوريد.

 

وأضاف أن سياسة «إحلال المثيل المحلي»، التي بدأ تطبيقها منذ سبعة أشهر لتقليل الاستيراد، ساهمت في تفاقم الأزمة، بسبب غياب بدائل محلية لبعض الأدوية بجودة مماثلة، باستثناء أدوية الأورام التي ما زالت تُستورد.

 

نقابة الصيادلة: الأزمة مستمرة والتصريحات لا تعكس الواقع

 

واصلت نقابة الصيادلة تحذيراتها من استمرار أزمة نواقص الأدوية، مؤكدة أن ما يُعلن عن انتهاء الأزمة لا يتطابق مع الواقع في المستشفيات والصيدليات.

 

وأشارت النقابة إلى:

 

- استمرار نقص أدوية حيوية مثل فلاجيل وأمريزول

 

- نقص أدوية القلب والضغط مثل إسبرين بروتكت ونبليت

 

- غياب أدوية القولون والهضم مثل سبازمو ديجستين

 

- نقص أدوية وهن العظام والعضلات مثل بيستينون

 

وأكدت أن بعض الشركات قامت بتخزين الدواء قبل قرارات التسعير، ما فاقم الأزمة، وأن دورة الإنتاج تستغرق ثلاثة أشهر على الأقل، ما يعني أن الحل ليس وشيكًا.