تلقى قطاع حديد التسليح المصري ضربة قاسية بعد إعلان وزارة التجارة الأميركية توصلها مبدئيًا إلى أن منتجين ومصدّرين من مصر يحصلون على إعانات حكومية “قابلة للتعويض”، وفرضت بناءً على ذلك رسومًا تعويضية بنسبة 29.51% على الواردات الأميركية من المنتج المصري، على أن يبدأ سريان القرار في 13 يناير 2026.

التحقيق يغطي عامًا كاملًا من 1 يناير حتى 31 ديسمبر 2024، فيما قررت واشنطن تنسيق الحكم النهائي في الرسوم التعويضية مع تحقيق موازٍ بشأن البيع بأقل من القيمة العادلة، لإصدار القرارين معًا بحد أقصى 26 مايو 2026 ما لم يحدث تأجيل.

 

هذه ليست مجرد “نسبة رسوم” على ورق، بل إشارة حمراء لقطاع يُصدّر وسط تباطؤ عالمي وتقلبات في الطلب، بينما الخطاب الرسمي المحلي يحاول تصوير التعريفات كفرصة.

الفجوة بين السردية والواقع بدأت تتسع مع أول اختبار حقيقي في سوق شديد الحساسية مثل الولايات المتحدة.

 

قرار واشنطن: عقوبة اقتصادية تُدار بلغة “الإنفاذ والامتثال”

 

القرار الأميركي خرج من إدارة الإنفاذ والامتثال بوزارة التجارة، وهي الجهة التي تتعامل مع ملفات الإعانات والإغراق بوصفها أدوات حماية للسوق الأميركي.

ووفق النشر الرسمي في السجل الفيدرالي، فإن الخلاصة الأولية تعتبر أن هناك دعمًا حكوميًا منح ميزة غير عادلة لمصدّري حديد التسليح، بما يبرر فرض الرسوم التعويضية.

 

الاقتصادي المتخصص في سياسات “العلاجات التجارية” تشاد بي. باون (Chad P. Bown) يلفت في أعمال بحثية حول أدوات مكافحة الإعانات إلى أن الرسوم التعويضية تتحول عمليًا إلى حواجز جديدة حين تُصنَّف برامج الدعم كسبب مباشر للضرر الذي تدّعيه الصناعة المحلية، وهو منطق يُستخدم بكثرة في صناعات قليلة اللاعبين وتنافسيتها حساسة مثل الصلب.

 

بهذا المعنى، لا يكفي الاكتفاء ببيانات إنشائية عن “تعميق التصنيع” بينما ملف الدعم نفسه يوضع تحت مجهر أميركي تفصيلي قد يمتد إلى سجلات الطاقة والتمويل والحوافز والضرائب وأي مزايا تنظيمية، لأن تكلفة الخطأ هنا تتحول إلى رسوم تلتهم هامش الربح وتغلق بابًا تصديريًا كاملًا.

 

أرقام الصادرات تكشف هشاشة المسار: صعود شهري لا يُنقذ تراجعًا ممتدًا

 

البيانات التي استندت إليها تغطيات اقتصادية تشير إلى أن صادرات مصر من الحديد والصلب ارتفعت في سبتمبر 2025 بنسبة 42% لتسجل 190 مليون دولار مقابل 134 مليونًا في سبتمبر 2024، لكن الصورة الأكبر أقل إشراقًا، إذ تراجعت صادرات الصلب في أول 9 أشهر من 2025 إلى 1.4 مليار دولار مقابل 1.65 مليارًا في الفترة نفسها من 2024.

 

كما تظهر قائمة الأسواق الرئيسية اعتمادًا على حفنة وجهات، بينها الولايات المتحدة بقيمة 125 مليون دولار ضمن قائمة أكبر المستوردين، ما يجعل أي تضييق أميركي بمثابة قطع شريان لا مجرد “إزعاج تجاري”.

 

في هذا السياق، يرى أحمد حافظ رئيس المجلس التصديري لمواد البناء والحراريات والصناعات المعدنية أن الدفاع في قضايا التجارة الخارجية لا يبدأ بعد صدور الرسوم، بل قبلها عبر توثيق سلاسل التكلفة، والالتزام بمعايير الإفصاح، وبناء قدرة مؤسسية على التعامل مع التحقيقات الدولية بدل ترك الشركات تتصرف منفردة تحت الضغط.

 

حدة المأزق هنا أن القطاع يُطلب منه التوسع والتصدير، ثم يُترك وحيدًا أمام قضايا دولية قد تطيح بسمعته التسعيرية، وتدفعه لبيع “بخصم قسري” في أسواق بديلة لتعويض السوق الأميركي.

 

خطاب “الميزة النسبية” يتعرض للاهتزاز: من تعريفة 10% إلى قضية دعم وإغراق

 

على هامش دافوس 2026، تحدث وزير الاستثمار والتجارة الخارجية حسن الخطيب عن أن مصر تأثرت بدرجة أقل بالتعريفات الأميركية لأن النسبة المفروضة 10% هي الأقل في جدول التعريفات، معتبرًا ذلك فرصة لجذب استثمارات وتوطين صناعات.

 

لكن ملف حديد التسليح يسحب هذه الرواية إلى أرض مختلفة، أرض “الرسوم التعويضية” التي لا علاقة لها بتعريفة عامة، بل تُفرض فوق أي رسوم أخرى لأنها مبنية على اتهام محدد يتعلق بالإعانات.

وفي لحظة كهذه، يصبح التسويق لفكرة “فرصة أكثر من تهديد” أقرب لتخدير سياسي لا لإدارة أزمة.

 

الخبير الاقتصادي محمد أبو باشا رئيس التحليل الاقتصادي الكلي في EFG Hermes يحذر في سياق تقلبات الحرب التجارية من أن موجات التضخم والمخاطر العالمية يمكن أن تدفع الاستثمارات بعيدًا عن الأسواق الناشئة، وهو تحذير يكتسب وزنًا مضاعفًا عندما تُضاف إليه صدمات قرارات حمائية تستهدف صادرات بعينها.

 

الخلاصة القاسية أن الرسوم الأميركية بنسبة 29.51% لا تختبر تنافسية منتج واحد فقط، بل تختبر قدرة الدولة والقطاع على إدارة ملف دعم الطاقة والحوافز والتمويل بمعايير شفافة يمكن الدفاع عنها دوليًا.

ومع اقتراب موعد القرار النهائي في 26 مايو 2026، يصبح الطريق العملي واضحًا: ملف قانوني صلب أمام الجهات الأميركية، وتدقيق داخلي شفاف لبرامج الدعم المثيرة للجدل، وخطة تنويع أسواق تقلل الاعتماد على نافذة واحدة قابلة للإغلاق بقرار.