تحوّلت الفضة في السوق المصرية خلال ثلاث سنوات إلى نجم غير متوقّع في مشهد المعادن النفيسة، بعدما قفز سعر جرام الفضة الخام عيار 999 من نحو 19 جنيهًا بنهاية 2022 إلى ما يقرب من 137 جنيهًا حاليًا، بزيادة تقترب من 700%، مقابل نحو 370% فقط للذهب في الفترة نفسها، وفق بيانات شعبة الذهب باتحاد الغرف التجارية.

 

هذه القفزة التاريخية دفعت شرائح جديدة من المصريين، خصوصًا صغار المدخرين، إلى النظر للفضة كوعاء استثماري بديل أو مكمّل للذهب، لكن آراء كبار الصاغة تكشف صورة أكثر تعقيدًا: نعم، هناك مكاسب غير مسبوقة، لكن هناك أيضًا مخاطر عالية، وتحذيرات واضحة من الانجراف وراء «المكسب السريع» دون فهم لطبيعة هذا المعدن شديد التقلّب.

 

الفضة «الحصان الأسود».. سبائك صغيرة تجذب صغار المستثمرين

 

سامح عبد الحكيم، عضو شعبة الذهب باتحاد الغرف التجارية، يصف الفضة اليوم بأنها «الحصان الأسود» في سوق المعادن النفيسة، بعدما تفوقت مكاسبها على الذهب بفارق واضح خلال السنوات الأخيرة.

يؤكد عبد الحكيم أن جرام الفضة الخام عيار 999 قفز من حوالي 19 جنيهًا إلى 137 جنيهًا تقريبًا، بنسبة تقترب من 700%، وهو ما فتح الباب أمام دخول آلاف المدخرين الجدد إلى سوق الفضة، خاصة من لا تسمح ميزانياتهم بشراء الذهب.

 

يوضح عبد الحكيم أن الطفرة لم تكن في الأسعار فقط، بل في طبيعة المنتجات المتداولة؛ فالسوق شهد لأول مرة طلبًا واسعًا على سبائك فضة صغيرة الأوزان تبدأ من 2.5 جرام و5 جرامات، ما أتاح لمَن يملكون مبالغ محدودة الدخول إلى عالم المعادن النفيسة دون المرور عبر البنوك أو المنتجات المالية المعقدة.

 

في المقابل، يفرّق بوضوح بين الاستثمار في السبائك والمشغولات، مؤكّدًا أن الفضة لا تصلح كوعاء ادخاري إلا في صورة سبائك خالصة تقريبًا، لأن المشغولات تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها عند إعادة البيع بسبب المصنعية، بخلاف الذهب الذي يحتفظ بجزء معتبر من قيمته حتى في صورة حُلي.

 

مكاسب مغرية لكن خطرة.. تحذيرات إيهاب واصف وهاني ميلاد

 

على الجانب الآخر، يتبنّى إيهاب واصف، رئيس شعبة الذهب والمعادن الثمينة باتحاد الصناعات، موقفًا أكثر حذرًا.

 

فهو يعترف بأن عام 2025 كان من أفضل الأعوام لأداء أسعار الذهب والمعادن النفيسة منذ نهاية السبعينيات، وأن الفضة حققت ارتفاعات تجاوزت 120% في بعض الفترات، لكنه يحذّر في تصريحات أخرى من الانجراف وراء المكاسب السريعة بعد قفزات وصلت إلى أكثر من 100% في وقت قصير.

 

واصف يشدد على أن الفضة معدن شديد التذبذب، يرتبط بالطلب الصناعي والتقنيات الحديثة بقدر ارتباطه بالطلب الاستثماري، ما يجعل حركته أكثر عنفًا من الذهب صعودًا وهبوطًا.

 

هاني ميلاد، رئيس الشعبة العامة للذهب والمجوهرات باتحاد الغرف التجارية، يذكّر بدوره بأن الذهب سيظل الملاذ الآمن الأول للدول والأفراد، خاصة في أوقات الاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية، مشيرًا إلى أن الذهب يتمتع بسيولة أعلى عالميًا وإمكانية أسرع للتحويل إلى نقد في أي وقت مقارنة بالفضة.

 

يرى ميلاد أن صعود الفضة ظاهرة مهمّة تستحق المتابعة، لكنه لا يعتبرها بديلًا عن الذهب بقدر ما هي وعاء مكمّل أو مناسب لفئة معيّنة من المدخرين.

 

كما يلفت إلى أن التوقعات باستمرار صعود الذهب عالميًا – وربما تخطي الأوقية مستويات قياسية جديدة خلال 2026 – تعني أن مركز الذهب في المحافظ الادخارية سيظل قويًا، حتى مع تألق «الحصان الأسود» الفضّي.

 

بين الذهب والفضة.. كيف يوجّه الصاغة نصائحهم لصغار المدخرين؟

 

نادي نجيب، السكرتير العام السابق لشعبة الذهب باتحاد الغرف التجارية، يقدّم قراءة وسطًا بين الحماس الجمّ والتحذير المفرط. فهو يقرّ بأن ارتفاع أسعار الذهب دفع الكثيرين إلى التوجه نحو الفضة كبديل أرخص، خاصة أصحاب السيولة المحدودة، ويتوقع في تصريحات صحفية أن تتضاعف أسعار الفضة ربما ثلاث مرات في بعض السيناريوهات إذا استمر الزخم الحالي، لكنه يذكّر بأن الذهب يبقى الخيار الأفضل للاستثمارات طويلة الأجل، بفضل استقراره النسبي وسهولة تسييله.

 

وعند جمع آراء عبد الحكيم وواصف وميلاد ونجيب، تتشكل خريطة نصائح واضحة لصغار المدخرين في مصر:

 

  • من يفضّل المخاطرة الأعلى مقابل مكاسب محتملة أكبر يمكنه تخصيص جزء محدود من مدخراته لسبائك الفضة، خاصة الأوزان الصغيرة التي يسهل بيعها لاحقًا.
  • من يبحث عن حفظ القيمة على المدى الطويل يظل الذهب – خصوصًا الجنيهات والسبائك الصغيرة – الخيار الأكثر أمانًا وسيولة.
  • لا يُنصح، بحسب الصاغة، بالاعتماد على المشغولات الفضية كاستثمار، لأن المصنعية تلتهم جزءًا كبيرًا من القيمة عند إعادة البيع، بينما يمكن أن تحمل المشغولات الذهبية جانبًا ادخاريًا معقولًا إذا حُسن اختيارها من حيث الوزن والعيار.

 

في المحصلة، يوافق الخبراء الأربعة على أن سوق المعادن النفيسة في مصر يمرّ بـ«مرحلة تحوّل تاريخية»، مع دخول شرائح جديدة من المواطنين على خط الادخار في الذهب والفضة، لكنهم يختلفون في درجة الحماس تجاه الفضة.

 

فبينما يراها البعض «الحصان الأسود» القادر على تحقيق مكاسب تفوق الذهب، ينبه آخرون إلى ضرورة التعامل معها بعين المستثمر المحسوب لا بعقلية «ضربة الحظ».

 

وفي ظل استمرار التحديات الاقتصادية العالمية، يبدو أن سباق الذهب والفضة على جيوب المصريين لن يهدأ قريبًا، لكن كلمة السر ستظل كما يردد الصاغة قديمًا: ما خفّ وزنه وغلا ثمنه.. بشرط ألا يغيب عنه العقل والحساب.