في أقل من شهرين، تحوّل ما روّجته شركات الحديد الكبرى كـ«حوافز تجارية» لصالح الوكلاء والعملاء إلى مجرّد فخّ مؤقت، انتهى بإلغاء الحوافز ورفع الأسعار بشكل صادم، وسط صمت مريب من حكومة الانقلاب، وارتباك حاد في السوق، ووقف شبه كامل لحركة البيع لدى المصانع الاستثمارية.
إلغاء «حديد عز» للحافز التجاري الذي أقرّته في منتصف نوفمبر، بالتزامن مع زيادات ضخمة في الأسعار الرسمية لدى شركات كبرى أخرى، كشف مرة أخرى أن السوق لا تحكمه قواعد المنافسة أو تكلفة الإنتاج بقدر ما تحكمه هيمنة عدد محدود من اللاعبين يقررون من يدفع الفاتورة ومتى. كالعادة: المقاول، ثم المواطن في شقة تحت الإنشاء أو بيت يجري ترميمه، هم آخر من يعلم وأول من يحترق.
«عز» تلغي الحافز وتخلط أوراق السوق: مكسب سريع وخسارة عامة
المشهد بدأ حين أبلغت شركة حديد عز كبار وكلائها بإلغاء الحافز التجاري المؤقت الذي أقرّته من 16 إلى 30 نوفمبر بقيمة 4 آلاف جنيه للطن، ومدّدته أكثر من مرة حتى الأمس فقط. خلال تلك الفترة كان سعر الطن الفعلي من أرض المصنع يدور حول 34.2 ألف جنيه، بينما السعر الرسمي المعلن على الورق 38.2 ألف جنيه تسليم أرض المصنع، مع أسعار استرشادية لتجار الجملة والتجزئة تقارب 39–39.5 ألف جنيه للطن من أرض المخزن.
الآن، وبعد إلغاء الحافز، أعلنت الشركة خفضًا شكليًا في السعر الرسمي قدره 1200 جنيه ليصبح 37 ألف جنيه من أرض المصنع، لكن الحقيقة أن ما جرى هو سحب امتياز مؤقت كان يمنح الوكلاء قدرة على البيع بسعر أقل، ثم رفع الكلفة الفعلية عليهم في لحظة واحدة.
النتيجة المباشرة:
- وكلاء اشتروا كميات على أساس توقع استمرار الحافز أو مزيد من الخفض فوجئوا بانتهائه.
- أسعار البيع للمستهلك تتجه للصعود مرة أخرى، في سوق يعيش على التوقعات والشائعات أكثر مما يعيش على وضوح في السياسات التسعيرية.
بهذا السلوك، تبدو «الحوافز» مجرد أداة لتحريك السوق لوقت قصير وتصريف مخزون معيّن، ثم قلب الطاولة سريعًا، بما يصب في صالح الشركات الكبرى لا في صالح السوق أو المستهلك.
موجة زيادات جماعية.. كارتل حديد لا يعرف إلا اتجاهًا واحدًا: لأعلى
في الوقت الذي ألغت فيه «عز» حافزها، كانت شركات أخرى تتحرك في الاتجاه نفسه ولكن بصيغة أكثر خشونة: رفع مباشر في الأسعار الرسمية:
- السويس للصلب: زيادة 2800 جنيه للطن، من 33.7 ألفًا إلى 36.5 ألف جنيه من أرض المصنع.
- حديد المصريين: زيادة 2300 جنيه، من 33.7 ألفًا إلى 36 ألف جنيه من أرض المصنع.
- الجيوشي للصلب: زيادة 3000 جنيه، من 31.5 ألفًا إلى 34.5 ألف جنيه من أرض المصنع.
في المقابل، اختارت أغلب المصانع الاستثمارية تعليق البيع بالكامل «لحين إعادة التسعير»، بحسب ما أكده وكلاؤها، أي أن السوق دخل فعليًا في حالة شلل متعمد، ينتظر إعادة ضبط الأسعار على موجة الصعود الجديدة التي قادتها المصانع الكبرى.
التبرير الجاهز:
- ارتفاع خام البليت المحلي بنحو 3000 جنيه للطن ليصل إلى 30 ألفًا بدلًا من 27 ألفًا.
- تكلفة درفلة تصل في المتوسط إلى 3500 جنيه للطن، ما يجعل البيع بسعر 31 ألفًا غير منطقي من الناحية الحسابية.
لكن الأرقام العالمية التي تُذكر في الخلفية لا تبرر وحدها هذا الجنون؛ فأسعار الخردة في بورصة لندن ارتفعت من 356 إلى 371 دولارًا للطن (حوالي 4.2%)، وارتفع خام مكورات الحديد «تركيز 62%» من 104 إلى 109 دولارات للطن (حوالي 4.8%)، بينما استقر خام البليت المستورد بين 430 و445 دولارًا للطن دون قفزات موازية.
بمعنى آخر: الزيادة العالمية تدور في نطاق 5% تقريبًا، بينما الزيادات المحلية في بعض الأصناف اقتربت من 10% وأكثر في ضربة واحدة، وهو فارق لا يفسَّر إلا برغبة في تضخيم هامش الربح واستغلال حالة الفوضى وتوقعات التعويم وارتفاع الدولار.
سوق مرتبكة ومشروعات مهددة.. حين يتحول الحديد إلى أداة ابتزاز اقتصادي
رئيس شركة «إخوان صلاح» لتجارة الحديد، سامح جلال، لخّص تأثير ما حدث بقوله إن الزيادات جاءت «مفاجئة ومخالفة للتوقعات»، وإنها أحدثت ارتباكًا واسعًا في السوق وأثرت سلبًا على المبيعات. فالوكلاء والتجار كانوا قد أبطأوا حركة الشراء في نوفمبر بسبب حوافز الشركات وتوقعات مزيد من الخفض، ثم فوجئوا اليوم بعكس كامل في الاتجاه.
النتيجة على الأرض لا تتوقف عند تجار الحديد:
- مقاولون أبرموا عقودًا على أسعار أقل سيجدون أنفسهم محشورين بين خسارة جزء كبير من هامشهم أو تعطيل مشروعاتهم.
- شركات مقاولات صغيرة ومتوسطة قد تتوقف عن استلام كميات جديدة، ما يعني تعطّل مواقع البناء والتسليم، خصوصًا في مشروعات الإسكان الخاصة والكمبوندات.
- أفراد يبنون شقة فوق بيت العائلة أو يشطّبون وحدة سكنية سيكتشفون أن تكلفة الحديد وحدها قفزت آلاف الجنيهات في أيام.
هذا كله يحدث في اقتصاد يعاني أصلًا من:
- تضخم مرتفع يلتهم الأجور.
- تراجع القدرة الشرائية للمواطن.
- ركود في سوق العقار الحقيقي لصالح المضاربات والأبراج الفاخرة ومشروعات العاصمة الإدارية.
بدلًا من أن تتدخل حكومة الانقلاب لضبط السوق ووضع معادلة عادلة تربط الأسعار المحلية بتكلفة الإنتاج الفعلية وحركة الأسعار العالمية، تترك الحبل على الغارب لـ كارتل حديد يعرف جيدًا أن لا بديل أمام السوق المحلي:
- لا استيراد واسع حقيقي بسبب أزمة الدولار والرسوم.
- لا منافسة حقيقية مع مصانع صغيرة محاصرة بتكلفة تمويل وطاقة ونقل باهظة.
هكذا يتحول الحديد – وهو أهم مدخل في البناء والتشييد – إلى أداة ابتزاز اقتصادي، تصب أرباحها في جيوب قلة، بينما تُسدَّد الفاتورة من عرق العامل الذي يتقاضى يومية، والشاب الذي يحلم بسقف يستره، ومواطن عادي اكتشف أن حلم بيت العمر بات أسير قرار تسعير في مكتب شركة كبرى لا يراقبها أحد ولا يحاسبها أحد.
في النهاية، ما يجري في سوق الحديد ليس مجرد «تعديل أسعار»، بل نموذج مكثّف لكيف تُدار الأسواق في ظل غياب دولة حقيقية، وحضور سلطة لا ترى في المواطن سوى رقمًا في خانة التحصيل، ولا ترى في الحديد والأسمنت إلا بقرة حلوب تطعم خزائنها وخزائن حلفائها، ولو احترق معها ما تبقّى من قدرة هذا المجتمع على البناء والسكن والحياة.

