منذ يناير 2014، يعيش المحامي أشرف رأفت فيصل على شحاته، عضو حزب الدستور، في غياب تام وغموض كامل بعد اختفائه القسري، بينما تعيش أسرته على أمل ضعيف في ظهور حقيقة ما جرى له، أو على الأقل اعتراف رسمي بمصيره.
زوجته تتهم جهات أمنية مصرية بالقبض عليه وإخفائه، وتشير إلى تهديدات سبقت اختفاءه من أحد المسؤولين السابقين في نظام مبارك، في حين يزيد حذف اسمه من قائمة رسمية للمختفين قسراً، بعد إدراجه فيها، من شبهات التلاعب والتستر.
ومع كل هذه الملابسات، يظل سؤال واحد يتردد بإلحاح: لماذا لا يتحدث محمد البرادعي، مؤسس حزب الدستور المقيم في أمان في فيينا، عن مأساة أحد أعضاء حزبه السابقين؟
اختفاء منذ يناير 2014.. أسرة بلا إجابة واتهامات مباشرة للأمن
تعود بداية القصة إلى يناير 2014، حين اختفى المحامي أشرف رأفت فيصل على شحاته بشكل مفاجئ، دون قرار ضبط معلن أو أمر نيابة ظاهر أو حتى إشارة إلى مكان احتجازه.
الأسرة، وعلى رأسها زوجته، تؤكد أن ما حدث لم يكن غيابًا عاديًا أو سفرًا مجهولًا، بل عملية اعتقال منسقة أعقبها إخفاء قسري، على حد وصفها.
وتقول زوجته إن زوجها تلقى قبل اختفائه تهديدات صريحة من أحد المسؤولين السابقين في نظام حسني مبارك، بسبب نشاطه السياسي بوصفه عضوًا في حزب الدستور، وإنها ترى رابطًا مباشرًا بين تلك التهديدات وبين لحظة اختفائه.
وتصرّ على أن "الأمن المصري هو من قام باعتقاله ثم أخفاه قسرياً"، وترى أن صمت المؤسسات الرسمية وغياب أي رد قانوني واضح خلال سنوات طويلة يعزز هذه الرواية.
منذ ذلك الحين، تحوّلت حياة الأسرة إلى رحلة بحث متواصلة بين أقسام الشرطة، ومقار الأمن، والنيابات، والسجون، دون أن تحصل على إجابة رسمية واحدة تنفي أو تؤكد وجوده في أي مكان احتجاز، أو توضح ما إذا كان على قيد الحياة أم لا.
هذا الفراغ المعلوماتي يضع الدولة أمام اتهام مباشر بخرق الدستور والقانون الذي يُلزم السلطات بالكشف عن أماكن الاحتجاز وعدم إخفاء أي مواطن عن ذويه.
أين #محمد_البرادعي مؤسس حزب الدستور المقيم في أمان فيينا من مأساة المحامي أشرف رأفت فيصل على شحاته، عضو حزب الدستور، الذي اختفى تماماً منذ 12 سنة كاملة من يوم 13 يناير 2014؟ شحاته اختفى بعد تهديدات تلقاها من أحد المسؤولين السابقين بنظام مبارك، وأصرت زوجته أن الأمن المصري هو من… pic.twitter.com/GM2Sm6baEa
— المجلس الثوري المصري (@ERC_egy) January 13, 2026
إدراج في قائمة "المختفين قسرًا" ثم حذف مفاجئ من المجلس القومي لحقوق الإنسان
أحد أهم المؤشرات التي دعمت رواية الأسرة حول الإخفاء القسري، هو ظهور اسم أشرف رأفت ضمن قائمة أسماء المختفين قسرًا التي أعلنها المجلس القومي لحقوق الإنسان عام 2016.
إدراج الاسم في قائمة رسمية تصدر عن جهة شبه حكومية يُعد اعترافًا ضمنيًا بوجود حالة اختفاء قسري تستحق المتابعة، ويوحي بأن المجلس تلقى معلومات أو شكاوى موثقة عن اختفائه.
لكن المفاجأة الكبرى جاءت – بحسب ما تؤكده الأسرة – حين تم حذف اسم أشرف رأفت من القائمة بعد فترة قصيرة من نشرها، دون توضيح الأسباب، أو إصدار بيان يشرح ما إذا كان قد ظهر، أو تم التحقق من وضعه، أو تبين وجود معلومة جديدة بشأنه.
هذا الحذف السريع من قائمة رسمية يعمّق الشكوك بدل أن يبددها، ويطرح أسئلة حادة حول مدى استقلالية المجلس، وحول الضغوط التي قد تكون مورست لتعديل القائمة أو إعادة صياغتها بما يتوافق مع رواية رسمية تنفي وجود مختفين قسريًا.
من الناحية الحقوقية، يشكل هذا السلوك – إدراج ثم حذف دون تفسير – نموذجًا لما يصفه نشطاء حقوق الإنسان بأنه "إدارة شكلية" لملف المختفين قسرًا، حيث تُستخدم القوائم لإظهار أن هناك تفاعلًا مع الشكاوى، ثم تُنسف المصداقية عند أول احتكاك سياسي أو أمني بالملف.
وفي حالة أشرف رأفت تحديدًا، يبدو أن حذف اسمه من القائمة لم يرافقه أي ظهور له أو أي تواصل مع أسرته، ما يجعل الحذف مجرد محو للاسم من الورق، لا حلًا حقيقيًا للقضية.
صمت حزب الدستور والبرادعي… غياب التضامن مع عضو اختفى في قلب العاصفة
إلى جانب مسؤولية الدولة المباشرة، يبرز وجه آخر من أوجه التقصير في هذه القضية، يتعلق بموقف حزب الدستور نفسه، الذي كان أشرف رأفت أحد أعضائه، وبموقف مؤسسه محمد البرادعي، المقيم خارج مصر.
السؤال الذي طرحه النص الأصلي للقصة بصيغة مباشرة:
"ألا يتحدث محمد البرادعي مؤسس حزب الدستور القابع في أمان في فيينا عن مأساته؟"، ليس مجرد استنكار عابر، بل تعبير عن شعور عميق بالخذلان لدى الأسرة ودوائر واسعة من المتابعين.
فعلى مدار سنوات اختفاء أشرف، لم يظهر في الفضاء العام أي تحرك ملحوظ لحزب الدستور يتبنى قضيته بشكل واضح، أو يضعها على جدول أولوياته، أو حتى يدفع ببيان دوري يطالب بالكشف عن مصيره، على الرغم من أن القضية تمس أحد أعضائه، وترتبط مباشرة بمناخ القمع السياسي الذي طاله وطال غيره من النشطاء والمعارضين.
وإذا صحّ أن الحزب التزم الصمت أو التناول الخافت في حدود البيانات العابرة، فإن ذلك يطرح سؤالًا قاسيًا عن معنى الانتماء الحزبي ودور التنظيم السياسي في حماية أعضائه.
أما فيما يتعلق بالبرادعي، الذي يُنظر إليه كرمز معارض سابق، ومؤسس للحزب الذي كان أشرف عضوًا فيه، فإن صمته عن هذه القصة تحديدًا يبدو مستفزًا لكثيرين؛ فهو يعيش في أمان نسبي في فيينا، بينما أحد أعضاء حزبه مفقود منذ يناير 2014 دون أثر.
المطالبة هنا ليست بأن يمتلك البرادعي عصًا سحرية لحل الملف، بل بأن يذكر الاسم، وأن يحمّل السلطات مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية، وأن يضع قضية أشرف رأفت ضمن روايته عن التحولات التي شهدتها مصر بعد 2013.
في النهاية، تبقى مأساة المحامي أشرف رأفت فيصل على شحاته نموذجًا صارخًا لثلاث دوائر من الفشل: سلطة متهمة بالإخفاء القسري والتستر، ومجلس حقوق إنسان رسمي يدرج اسمه في قائمة ثم يحذفه دون تفسير، وحزب سياسي ومؤسس تاريخي لم يظهرا حتى الآن الحد الأدنى من التضامن العلني مع إنسان اختفى وهو في صفوفهما.
وبين هذه الدوائر، تعيش أسرة مكلومة لا تطلب أكثر من حق بسيط: أن تعرف أين اختفى عائلها، وماذا فعلت به يد السلطة.

