أثار الارتفاع الحاد في أسعار الأراضي المطروحة للاستثمار السياحي غضبًا واسعًا في مجتمع الأعمال، بعدما قفز سعر المتر في أراضي الهيئة العامة للتنمية السياحية من نحو دولار واحد فقط عام 1993 إلى ما بين 80 و210 دولارًا حاليًا، في وقت تتحدث فيه حكومة الانقلاب عن استهداف 30 مليون سائح سنويًا بحلول 2031، وإضافة 25 ألف غرفة فندقية في 2026، و340 ألف غرفة بنهاية الخطة.

 

المستثمرون يصفون الأسعار بـ«المبالغ فيها»، ويحذرون من أن هذه السياسة لا تعني سوى شيء واحد: خنق التوسع الفندقي الحقيقي، وتحويل الأرض الصحراوية إلى سلعة مضارَبة دولارية، بدل أن تكون رافعة لاستثمارات إنتاجية طويلة الأجل توفّر عملة صعبة وفرص عمل.

 

من دولار إلى 210 دولارات للمتر: أرض صحراء تُسعَّر كأنها «مانهاتن»

 

الهيئة العامة للتنمية السياحية، التابعة لحكومة الانقلاب، تطرح الأراضي اليوم بأسعار تتراوح بين 80 و210 دولارًا للمتر، بينما كان السعر قبل ثلاثة عقود لا يتجاوز دولارًا واحدًا. هذه القفزة الخيالية لا تترافق مع أن الدولة تتحمل تكلفة البنية التحتية، بل العكس تمامًا؛ فالمستثمر هو الذي يدفع ثمن الأرض نقدًا أو على أقساط، ثم يتحمّل فوق ذلك تكلفة توصيل المرافق والطرق الداخلية وتجهيز الموقع، ورسوم التراخيص من جهات متعددة، في بيئة بيروقراطية خانقة.

 

رجل الأعمال حامد الشيتي، رئيس مجلس إدارة مجموعة «ترافكو» وأحد أكبر المستثمرين السياحيين، يلخص المأساة بقوله إنه يتفاوض مع الحكومة لخفض الأسعار لأنها «مبالغ فيها»، مؤكدًا أنه «ليس من المنطقي أن يكون سعر متر الأرض الصحراوية 6500 جنيه» في حين أن المستثمر يتكفّل بكل شيء تقريبًا بعد الشراء.

 

الشيتي يشير أيضًا إلى أن شركته تواجه صعوبة في التوسع الفندقي بسبب عدم امتلاكها أراضٍ غير مستغلة، وأن كل الأراضي المملوكة يجري البناء عليها خوفًا من سحبها بسبب شروط الجداول الزمنية. النتيجة أن المستثمر محشور بين خيارين أحلاهما مرّ: إما أن يدخل في استثمار بكلفة أرض مبالغ فيها ومخاطر تمويلية عالية، أو يفقد الأرض تمامًا لصالح الدولة التي تعيد بيعها بسعر أعلى لمستثمر آخر أكثر استعدادًا للمغامرة.

 

بهذه السياسة، تتحول الأرض الصحراوية من عنصر جذب للاستثمار إلى مصيدة تستنزف رأس المال قبل أن يدخل فعليًا في بناء الغرف والمنشآت الفندقية، ما يعني أن الدولة تأخذ «حصتها» مقدّمًا وتترك المخاطر كاملة للقطاع الخاص.

 

طاقة فندقية تحت الحصار: أسعار الأراضي تخنق التوسع وتُربك مستهدفات السياحة

 

حكومة الانقلاب ترفع شعار «30 مليون سائح» و«340 ألف غرفة جديدة»، لكنها في المقابل تضع رِجلاً على أنبوب الأوكسجين الذي تحتاجه هذه المستهدفات: الأرض المتاحة بسعر معقول وحوافز جاذبة.
إبراهيم المسيري، الرئيس التنفيذي لمجموعة «سوما باي»، يؤكد أن الأسعار الحالية «تعوق خطط المستثمرين لزيادة الطاقة الفندقية» لمواكبة التوسع في عدد السياح، وأن خفض أسعار الأراضي يمكن أن يشجع على ضخ استثمارات جديدة تدعم مضاعفة الطاقة الفندقية بدل خنقها.

 

مستثمر سياحي في مرسى علم، فضّل عدم ذكر اسمه، يذهب أبعد من ذلك، مطالبًا بأن تراعي الحكومة عند تسعير الأراضي حجم التزامات المستثمر وتكاليف البناء والتجهيز، خاصة في ظل «الارتفاع غير المسبوق» في أسعار مواد البناء والأثاث والتجهيزات الفندقية المستوردة، فضلًا عن تكلفة التمويل المرتفعة مع أسعار الفائدة الحالية.

 

ويذكّر بأن دولًا مجاورة منافسة على نفس السائح – في الخليج والبحر الأحمر والمتوسط – تمنح الأراضي مجانًا أو بأسعار رمزية، وتربط الحوافز بحجم الاستثمار وعدد الغرف وفرص العمل، لأنها تدرك أن العائد الحقيقي يأتي لاحقًا من إنفاق السائح وإيرادات التشغيل والضرائب والرسوم المرتبطة به، لا من بيع «أرض رمل» بسعر خيالي.

 

في المقابل، تتصرّف حكومة الانقلاب بمنطق مختلف تمامًا: تريد أن تحقّق «ضربة خزينة» سريعة من بيع الأرض بالدولار أو بما يعادله، حتى لو كان الثمن هو تعثّر التوسع الفندقي، وتأجيل أو إلغاء مشروعات كانت ستخلق آلاف الوظائف وتزيد من تدفق العملة الصعبة لسنوات طويلة. هكذا يتبدّد شعار «دعم السياحة» أمام واقع سياسات تقول العكس.

 

عقلية المضارب العقاري لا تُبني بها صناعة سياحة

 

أخطر ما في المشهد هو توحيد العقلية التي تتعامل بها الدولة مع الأرض، سواء كانت مخصصة للسكن أو الاستثمار العقاري أو السياحي أو الفندقي.

 

المطور السياحي راضي حسين، رئيس مجلس إدارة شركة «كانيون للسياحة»، يصف توحيد أسعار الأراضي بين الاستثمار الفندقي والسياحي والعقاري بأنه «خطأ كبير»، موضحًا أن المطور العقاري يسترد أمواله سريعًا من بيع الوحدات السكنية على المخطط، بينما يحتاج الفندق إلى نحو 4 سنوات للإنشاء والتجهيز قبل أن يبدأ في تحقيق عائد، مع مخاطر تمويلية وتشغيلية عالية، وموسمية الطلب، وتقلبات سياسية واقتصادية لا تخفى على أحد.

 

تسعير متر الأرض الفندقية بنفس منطق «الكومبوند السكني» يعني ببساطة أن الدولة تفضّل المضارب العقاري على المستثمر السياحي؛ فالأول يدرّ عليها ضرائب ورسومًا وأرباحًا سريعة من بيع الشقق، بينما الثاني يحتاج إلى وقت وصبر وحوافز حقيقية قبل أن يبدأ في جلب السائحين.

 

هذه العقلية لا ترى في السياحة صناعة متكاملة قائمة على التشغيل الدائم وتوليد الوظائف وتدوير الاقتصاد المحلي، بل تراها مجرد ذريعة لبيع أراضٍ صحراوية بأعلى سعر ممكن، ثم ترك السوق يحترق لاحقًا مع ارتفاع تكاليف التشغيل وانكماش الطلب العالمي أو الإقليمي.

 

النتيجة المنطقية أن المستثمر الجاد الذي يفكر في فندق أو منتجع طويل الأجل يعيد حساباته، بينما يتقدّم إلى المشهد من لديه استعداد للتعامل مع الأرض كسلعة للمضاربة، لا كقاعدة لصناعة سياحة وطنية. وعندها لا يعود مستهدف «30 مليون سائح» سوى شعار جميل لعرضه في المؤتمرات، بينما الواقع يقول إن السياسات على الأرض تدفع في الاتجاه المعاكس تمامًا: طرد الاستثمار الجاد، ومكافأة منطق «اضرب وخد فلوسك وامشِ»، في بلد يحتاج – أكثر من أي وقت مضى – إلى كل دولار إنتاجي حقيقي، لا إلى فواتير بيع رمل في الصحراء تُحصَّل اليوم، ثم تُدفَع كلفة خسائرها غدًا من مستقبل السياحة والاقتصاد والمجتمع.