بينما تبتلع العاصمة الإدارية مليارات الخزانة العامة طل قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بفعاليات وبروباجندا صاخبة، بينما يسحق الغلاء كاهل ملايين الأسر المطحونة تحت وطأة الانهيار المالي المتواصل وتآكل القيمة الشرائية للمرتبات الهزيلة بفعل القرارات الاقتصادية المرتجلة وتراكم الالتزامات الخارجية غير المسبوقة.
وتتجاهل السلطة الحاكمة استغاثات الشارع اليومية من غلاء السلع الأساسية وتدهور الخدمات الطبية والتعليمية، مكرسة جهد أجهزتها لتنظيم احتفاليات معزولة تستهدف تزييف المؤشرات الواقعية وتبرير التدهور المستمر في شتى مناحي الحياة اليومية لعموم المصريين.
عاصمة الترف وتبديد موارد الدولة
إذ يُهدر النظام الحاكم أموال دافعي الضرائب على استعراضات شكلية داخل قاعات الفنادق الفاخرة، متجاهلاً أن تراجع سعر صرف العملة المحلية أمام الدولار من 8 جنيهات إلى نحو 55 جنيهاً دمر مدخرات الطبقة الوسطى تماماً.
بينما يؤكد أستاذ الاقتصاد السياسي هاني عبد المطلب أن توجيه التدفقات النقدية نحو مدن خرسانية مغلقة يمثل استنزافاً كارثياً للمال العام، بدلاً من دعم قطاعات التصنيع والزراعة القادرة وحدها على كبح جماح التضخم وتأمين الغذاء للشعب.
علاوة على ذلك فإن القفزة المخيفة في الدين الخارجي وتجاوزه عتبة 166 مليار دولار تلتهم الجزء الأكبر من الموازنة السنوية لخدمة الفوائد، مما يحرم المشروعات الإنتاجية من أي فرص حقيقية للنمو أو خلق فرص عمل.
ومن هذا المنطلق يدفع المواطن بمفرده الفاتورة الباهظة لعشرات المشروعات غير المجدية التي روّجت لها الإعلانات التلفزيونية، دون أن يلمس أثراً إيجابياً ينعكس على تكاليف معيشته اليومية أو يضمن له الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
في حين تثبت المؤشرات الاجتماعية اتساع رقعة الفقر وتجاوزها نسبة 33.5%، الأمر الذي يفضح الفجوة الساحقة بين الأرقام الوردية المعروضة على الشاشات وبين الواقع الجنائزي لجيوب المواطنين العاجزة عن تلبية متطلبات الحياة البدائية.
شهادات التهميش وتصفية صوت العقل
فضلاً عن إصرار الأجهزة التنفيذية على مصادرة الآراء المعارضة وتحويل جلسات الاستماع المزعومة إلى منابر مغلقة، يُمنع فيها أصحاب الاختصاص من تفنيد سياسات الجباية والاستدانة التي أودت بالاقتصاد الوطني إلى حافة الإفلاس والارتهان التام.
في هذا السياق يوضح العميد الأسبق لكلية التجارة بجامعة المنوفية الدكتور أمجد عمارة أن جلسات إدارة النقد الأجنبي جرى تفصيلها لعرض مونولوج حكومي مستمر لساعات، مع إقصاء تام للأكاديميين المستقلين وحرمانهم من مناقشة الكوارث التمويلية.
وعلى صعيد مماثل تعاملت الترتيبات البروتوكولية مع الخبراء والعلماء كديكور إعلامي باهت لتلميع القرارات الكارثية، مجبرة أساتذة الجامعات على تحمل تكاليف حضور جلسات لا تمنحهم سوى ثوانٍ معدودة قبل إسدال الستار وإعلان انتهاء النقاش.
بناءً على ذلك يتضح إصرار الفريق الوزاري على رفض أي مراجعة هيكلية لأخطاء إدارة الديون وأزمة السيولة الدولارية، مفضلاً تصدير مشهد صوري يفتقر للحد الأدنى من النزاهة العلمية والشفافية التي تقتضيها لحظات الانهيار المالي التاريخي.
نتيجة لذلك تفقد هذه التجمعات أي قيمة تطبيقية لمعالجة شح العملة الصعبة، وتتحول إلى مجرد جلسات دعائية مفرغة من المضمون تهدف إلى فرض الرواية البيروقراطية الفاشلة وتهميش كل صوت يسعى لوضع حلول إنقاذ واقعية ومستدامة.
ترميم المعنويات فوق أنقاض المعيشة
على النقيض من آلام الشارع يعلن قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي أن الهدف الأسمى للملتقيات يتمثل في رفع الروح المعنوية لوزرائه المرتجفين، مطالباً الشعب المنهك بتقديم المساندة والتصفيق لمن تسببوا في تفقيره وتدمير قوته الشرائية.
وبناءً على هذه الرؤية المتناقضة يرى أستاذ المالية العامة الدكتور حسن الصادي أن محاولة تحصين المسؤولين من تبعات الفشل عبر خطابات التهدئة يعكس انفصالاً تاماً عن بديهيات الإدارة المالية، وتجاهلاً لضرورة المحاسبة الفورية على الهدر الاقتصادي المستمر.
بالتوازي مع ذلك أعاد مشهد الاستجداء المعنوي للأذهان واقعة تبديد 8.2 مليارات دولار في تفريعة قناة السويس بذريعة رفع الثقة، وهي الخطوة التي عمقت الأزمة النقدية بدلاً من تدفق العوائد الخيالية الموعودة في حملات الترويج.
تأسيساً على هذا المسار يصبح المواطن محاصراً بقرارات رفع الدعم وزيادة أسعار الوقود والكهرباء، في وقت تطالبه فيه السلطة بمراعاة المشاعر الهشة للحكومة التي فرطت في ثروات الدولة وأغرقت مستقبل الأجيال في مستنقع القروض.
في الاتجاه ذاته يؤكد الخبراء أن الإنجاز الاقتصادي لا يُبنى بالتوسل ولا بالاستعراضات التلفزيونية الزائفة، بل عبر تحقيق معدلات إنتاج حقيقية ومصانع منتجة وسياسات مالية توقف نزيف الاقتراض المتوحش وتعيد الاعتبار لدخل الأسر المطحونة.
في نهاية المطاف يسقط الرهان على غسيل الفشل الحكومي بمؤتمرات العاصمة الإدارية المنعزلة، فالشعب الذي يكتوي بنيران الأسعار لن تخدعه الخطابات البلاغية ولن يتحمل دفع ثمن معنويات الوزراء الذين دمروا مقدرات مصر وحولوها إلى رهينة للديون.

