تواجه الأسر المصرية موجات غلاء متلاحقة تعصف بقدرتها الشرائية وتفرض عليها تقشفاً قسرياً في تدبير احتياجاتها اليومية، بينما تقف الأجهزة التنفيذية عاجزة عن كبح جماح الأسواق أو لجم الممارسات الاحتكارية المتصاعدة.
​
​
وتتفاقم هذه الأزمة المعيشية مع استمرار تراجع قيمة العملة المحلية ووصول مستويات تداول الدولار إلى نحو 57 جنيهاً، مما يضاعف تكلفة استيراد المخزون الاستراتيجي ويعمق جراح المواطنين الباحثين عن الأمن الغذائي المفقود، وفي حين تعلن حكومة الإنقلاب عن أرقام مرتفعة لنمو قطاعات الإقتصاد المصري دون أن يمتد تأثير هذا النمو إلى مستوى معيشة المواطنين .
​
​
فشل حكومي في ضبط الأسواق
​
​
وفي هذا السياق، تتحرك النائبة أميرة صابر داخل مجلس الشيوخ لمواجهة الانفلات السعري عبر المطالبة بحلول تكنولوجية استباقية، مؤكدة أن نجاح السياسات الحكومية يقاس بحماية القوة الشرائية للأسر وليس بإطلاق الوعود والشعارات الرنانة.
​
​
علاوة على ذلك، تفرض التقلبات الحادة في أسعار الصرف ضغوطاً متسارعة على أسعار السلع الأساسية، وهو واقع يحتم الانتقال الفوري من سياسات رد الفعل البطيئة إلى بناء منظومة إدارة رقابية مسبقة وفعالة.
​
​
ولتحقيق هذا الهدف، يبرز مقترح بناء نظام إنذار مبكر يربط قواعد البيانات الرسمية المتعلقة بمعدلات الإنتاج المحلي وحجم المخزون الفعلي بالمستودعات، إلى جانب رصد حركة الواردات عبر الموانئ المصرية بدقة لحظية.
​
​
كما يدمج هذا النظام المقترح تكاليف النقل الداخلي وأسعار الطاقة والظروف المناخية المتغيرة لتوقع أي نقص محتمل في المعروض، مما يتيح ضخ السلع مبكراً قبل تفاقم الأزمات وحدوث طفرات سعرية غير مبررة.
​
​
وبالتوازي مع ذلك، تتصاعد المطالب بإطلاق مؤشر أسبوعي رسمي يرصد هوامش تداول السلع الأساسية، ليوضح الفجوة السعرية بين المنتجين والمزارعين وتجار الجملة والتجزئة، ويكشف الفروق السعرية للسلعة الواحدة بين مختلف المحافظات.
​
​
ومن شأن هذا المؤشر فضح الحلقات الوسيطة وسلاسل التوزيع التي تصنع قفزات سعرية مفتعلة، ليوفر للمواطن سعراً استرشادياً عادلاً يمنع التلاعب، في وقت تتجاهل فيه الحكومة توظيف الذكاء الاصطناعي لتحقيق الحوكمة الاقتصادية.
​
​
ومن جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور زهدي الشامي أن غياب الرقابة المسبقة يترك المواطن فريسة لشبكات الاحتكار، مشيراً إلى أن السياسات النقدية الحالية تغذي التضخم وتدمر القوة الشرائية للأسر دون وجود مظلة حماية حقيقية.
​
​
ركود يضرب قطاع الأغذية المصنعة
​
​
وعلى صعيد متصل، تشهد سوق الأغذية المصنعة في مصر حالة ركود خانقة نتيجة الضغوط الاقتصادية المتلاحقة وقفزات تكاليف الإنتاج، مما دفع المستهلكين إلى إعادة صياغة أولوياتهم الاستهلاكية والاستغناء قسراً عن السلع غير الأساسية.
​
​
ورغم ذلك، تبدو الأرقام الإجمالية لمبيعات شركات المواد الغذائية في نمو مستمر عند تقييمها بالمبالغ المالية، غير أن هذه القفزة الدفترية تخفي وراءها تراجعاً حقيقياً ومستمراً في حجم السلع والكميات الفعلية المشتراة.
​
​
ويأتي هذا الانكماش الاستهلاكي بعد إقدام شركات الأغذية الكبرى على رفع أسعار منتجاتها بنسب تتراوح بين 15% و 25%، مدفوعة بارتفاع أسعار الخامات العالمية وتكاليف الشحن والتوترات الجيوسياسية الضاغطة على سلاسل الإمداد.
​
​
ونتيجة لتلك الزيادات، خرجت منتجات أساسية مثل الألبان والجبن المعبأ واللحوم المصنعة والمقرمشات من نطاق القدرة الشرائية للطبقتين المتوسطة ومحدودة الدخل، مما أصاب حركة البيع بالتجزئة في الأسواق والسوبرماركت بشلل واضح.
​
​
وإزاء هذا الواقع، اضطرت العائلات المصرية إلى العودة مجدداً إلى المطبخ التقليدي كآلية دفاعية لمواجهة الغلاء، حيث أجبرت الميزانيات المرهقة الأمهات على إحياء تجهيز المأكولات منزلياً واستبدال الأطعمة السريعة ببدائل طبيعية أقل تكلفة.
​
​
وفي المقابل، تكشف ميزانيات شركات الأغذية المدرجة في البورصة المصرية نمواً في إيراداتها يتجاوز 20%، وهو نمو وهمي يرجع بالكامل إلى رفع الأسعار لمواكبة التضخم، بينما تتراجع كميات الوحدات المباعة فعلياً بالسوق المحلي.
​
​
وفي هذا الصدد، يوضح خبير الاقتصاد الزراعي الدكتور عبدالتواب بركات أن تراجع الكميات المستهلكة يعكس إفقاراً ممنهجاً للطبقة المتوسطة، مبيناً أن الشركات تعوض خسائرها برفع الأسعار بينما تتخلى الدولة عن دورها في ضبط الأسواق.
​
​
نزيف الهدر ومفارقة التصدير للخارج
​
​
ومن زاوية أخرى، تتكشف أرقام صادمة تستند إلى تقديرات منظمة الأغذية والزراعة الفاو، حيث يبلغ متوسط هدر الطعام للفرد في مصر نحو 50 كيلوجراماً سنوياً، ويرتفع إلى 91 كيلوجراماً عبر سلسلة الغذاء بأكملها.
​
​
ويستلزم هذا النزيف معالجة تشريعية صارمة وتوسعاً عاجلاً في إنشاء مراكز الفرز والتعبئة والتخزين المبرد قرب مناطق الإنتاج الزراعي، لحماية محاصيل تستهلك في زراعتها كميات ضخمة من المياه والطاقة والأسمدة المهدرة.

 

وفي غضون ذلك، تلاحق الأسواق أزمات إضافية مع وجود 400 طلب لزيادة أسعار الأدوية، وسط نفي هيئة الدواء رفع أسعار 40 صنفاً في شهر يناير المقبل، بالتزامن مع اعتبار الحكومة 7 سلع منتجات استراتيجية.
​
​
وللتغلب على ركود السوق المحلي وتراجع القوة الشرائية، اندفعت شركات الصناعات الغذائية نحو الأسواق الخارجية مستفيدة من انهيار سعر الصرف، لتسجل الصادرات قفزة تاريخية بلغت 5.821 مليار دولار بمعدل نمو وصل إلى 12.6%.
​
​
وبذلك، نجحت 2848 شركة مصدرة في توجيه فوائض إنتاجها التي عجز المواطن المصري عن شرائها إلى أكثر من 180 سوقاً دولياً، بهف توفير السيولة النقدية بالعملة الصعبة ومواجهة تكاليف التشغيل المرتفعة بالداخل.
​
​
وتعليقاً على هذه المفارقة، يشير الخبير في اقتصاديات التمويل الدكتور ممدوح الولي إلى أن طفرة الصادرات الغذائية تعكس عجز المواطن المحلي عن شراء غذائه، مؤكداً أن غياب البنية التحتية للتخزين يضاعف خسائر الاقتصاد الوطني.