تعهّد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بالتنحي عن منصبه بحلول العام 2030 خلال كلمة ألقاها في أكاديميتي القوات المسلحة والشرطة منتصف شهر أكتوبر، معلنًا عدم نيته تمديد فترته الرئاسية الحالية التي ينص الدستور على كونها ولايته الأخيرة.
ومع ذلك، يطرح الباحث يزيد الصايغ تساؤلات مشروعة حول مصداقية هذا الإعلان المفاجئ، مستندا إلى تاريخ الرجل في التراجع عن وعوده السابقة، وسعيه المستمر لإعادة هندسة المشهد السياسي والعسكري لضمان بقائه أو التحكم في هوية خليفته المستقبلي.
وعود التنحي وآلية إعداد المرشحين الجدد
وفي هذا السياق، يستحضر الباحث يزيد الصايغ التعديلات الدستورية التي أُدخلت في العام 2019، والتي سمحت بتمديد مدة الولاية الرئاسية والترشح لولاية ثالثة إضافية، ما يجعل التصريحات الحالية بشأن عدم السعي لتعديل دستوري ينتهي في العام 2036 محل شك.
علاوة على ذلك، لم يشهد هذا البلد قط تنحي حاكم طواعية، خاصة أن قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي صرح سابقًا بأنه لن يترشح للرئاسة ثم تراجع في العام 2014، كما نقض وعده بعدم تغيير الحد الأقصى للولايات الرئاسية.
وبناء عليه، مكنه ذلك التعديل من بدء ولاية ثالثة في العام 2024، بينما صممت الأجهزة الأمنية الانتخابات البرلمانية في شهر نوفمبر 2025 لتكوين مجلس يضفي شرعية شكلية على أي تعديل دستوري مستقبلي يمنحه ولاية إضافية متى قرر ذلك.
ومن ناحية أخرى، برز الاقتراح الأكثر إثارة للدهشة في يوم 17 أكتوبر، والمتمثل في طرح آلية مبتكرة لاختيار المرشحين الرئاسيين وإعدادهم لإدارة شؤون الدولة عبر إخضاع مئات المتقدمين لاختبارات دقيقة أمام لجنة خاصة يتم تشكيلها لهذا الغرض.
إضافة إلى ذلك، يستهدف هذا البرنامج أصحاب الخبرة في منتصف مسيرتهم المهنية خلال عقد الأربعينيات من أعمارهم، والذين يحملون درجة الدكتوراه أو ما يعادلها في الخدمة الحكومية، ليلتحقوا بتدريب مكثف يستمر 30 شهرا داخل مقر الأكاديمية العسكرية.
وبالتالي، لن يقتصر الميدان الانتخابي رسميا على هذه المجموعة، لكن يُتوقع بوضوح توجيه الناخبين لاختيار قادتهم منهم، في نهج يمثل قطيعة مع الممارسات السابقة، ويشبه شبكات المحسوبية البيروقراطية شديدة المركزية والمنظمات الشبابية التي سادت الأنظمة الشيوعية سابقا.
صدمة الأجهزة السيادية وتهميش المجلس العسكري
وعلى صعيد متصل، يشير يزيد الصايغ إلى أن ردود الفعل الأولية للمسؤولين والهيئات الحكومية أظهرت مفاجأتهم التامة بهذه الإعلانات قبل مسارعتهم لتقديم المديح المعتاد، بل إن الأجهزة السيادية المتمثلة في القوات المسلحة والمخابرات بدت مصدومة تماما من الخطوة.
ووفقا لما ذكرته منصة مدى مصر الاستقصائية، فقد استمعت مصادر مطلعة لتفاصيل خارطة الطريق للمرة الأولى، ما دفع القيادات لعقد اجتماعات طارئة مساء اليوم ذاته، وهو ما يؤكد وجود مناورة سياسية لتجاوز الأجهزة التي تحتجز النظام كرهينة.
وفضلا عن ذلك، ظلت السياسة منظمة بدقة منذ العام 2014، حيث تُناقش خلافة الحاكم داخليا مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة وتطرحها المخابرات عبر الإعلام والبرلمان، حتى لو كان الهدف إضفاء مظهر تكنوقراطي على الحكم العسكري الدائم.
وبدلا من ذلك، أعلن قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي آلية جديدة تشكلت من ممثلي الحكومة المدنية لاختيار المرشحين، في محاولة واضحة لتقليص دور المجلس الأعلى للقوات المسلحة وتخفيف سلطة النقض التي يتمتع بها الجنرالات على عملية اختيار الرئيس.
ويعزز هذا الاستنتاج امتناعه الملحوظ على مدى السنوات السبع الماضية عن تعيين نائب له، رغم أن المادة 150 مكررا من دستور العام 2019 منحته هذه الصلاحية التي استخدمها سلفاه العسكريان جمال عبد الناصر وأنور السادات لتعيين جنرالات بالقوات المسلحة.
مستقبل الوصاية العسكرية وأزمة العقد الاجتماعي
وفي ضوء هذه التطورات، يطرح يزيد الصايغ تساؤلا حول طبيعة الخلاف مع المجلس العسكري والمخابرات، وما إذا كان يتمحور حول تمديد الرئاسة لما بعد العام 2030، أم يتعلق بطريقة إدامة الإشراف العسكري وتغيير شكل الحكم لتوازن قوى منقح مع المدنيين.
ورغم صعوبة إيجاد إجابات داخل الصندوق الأسود للنظام، فإن التأكيد العلني يوم 17 أكتوبر على المادة 200 من دستور العام 2019 يكرس الوصاية العسكرية الدائمة لصون الدستور، لكن المطالبة بقوانين لتنظيمها يعكس جهدا للحد من الاستقلالية المطلقة للجيش.
ومن جهة أخرى، يتجنب قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي تسليم السلطة مباشرة لجنرال آخر، ورغم آمال الحقوقي معتز الفجيري بحدوث انتقال نحو سياسة تشاركية، فإن البرنامج التدريبي يهدف غالبا لشرعنة الوصاية العسكرية محليا وغربيا دون انفتاح سياسي حقيقي.
جدير بالذكر أن هذا التحرك يأتي في بلد صنفتها أحدث بيانات مشروع العدالة العالمي في المرتبة الأخيرة ضمن 143 دولة حول العالم في مجال المشاركة المدنية وحرية الرأي والتعبير والتجمع، ما يستبعد نية النظام تحقيق تحول ديمقراطي فعلي.
ومع ذلك، يورد يزيد الصايغ حجة المحلل أحمد أبو دوح بأن النظام أدرك حاجة البلاد لعقد اجتماعي جديد لتجنب اضطرابات اجتماعية تغذيها الأزمة الاقتصادية، بالتزامن مع مواجهته لعواقب ترويجه لدور الجيش كرأس حربة لرأسمالية الدولة منذ العام 2014.
ونتيجة لتلك السياسات، اكتسبت المؤسسة العسكرية مصالح هائلة في المالية العامة والاقتصاد جعلتها فاعلا سياسيا مستقلا، مما دفع قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي لنقل هيئة مستقبل مصر للتنمية المستدامة لسيطرته المباشرة واستحواذها على أصول هيئات عسكرية لإعادة التوازن.
وفي نهاية المطاف، يرى يزيد الصايغ احتمالية انقلاب الرجل على موقفه مع اقتراب العام 2030 لتمديد حكمه إذا كانت مبادرته مسرحية لتخفيف مسؤوليته عن الأزمة الاقتصادية، لكنه سيواجه معضلة تهميشه للقوى المجتمعية التي يحتاجها كحلفاء لهندسة أي انتقال.

