يُهدد شبح الانهيار المفاجئ آلاف الأسر السكندرية بعدما عرى ميل عقار منطقة أمبروزو عمق الفجوة المتسعة بين التدخل الهندسي الطارئ والالتزامات المعطلة، محولاً ملف الإخلاء والترميم إلى ساحة مواجهة مفتوحة على الخطر الحقيقي اليومي.

 

وبناءً على ذلك، يضع تصدع الواقع الميداني مصداقية الخطط المعلنة أمام اختبار عسير، مع تعثر تلبية الاستحقاقات العاجلة للسكان العالقين بين جدران متصدعة، وقرارات حبيسة الأدراج لا تجد طريقها للتطبيق العملي على الأرض.

 

 

تصدعات هندسية تعري وعود الحكومة السكنية

 

وفي هذا السياق، استدعى الميل الخطير في العقار رقم 21 الواقع بشارع بدر الجمال في نطاق حي وسط إخلاءً جبرياً للسكان، عقب تشكيل لجنة فنية لمعاينة البرج المكون من دور أرضي و12 طابقاً علوياً.

 

وعلى إثر ذلك، قررت اللجنة الهندسية لجامعة الإسكندرية الشروع فوراً في إزالة 5 أدوار علوية لتخفيف الأحمال الهيكلية، لكون استمرار العقار بهذا الارتفاع يمثل تهديداً داهماً للمباني المجاورة وحياة قاطني الشارع الضيق.

 

ومن جانبه، يؤكد الدكتور شريف حسني، أستاذ هندسة المنشآت والخرسانة المسلحة بجامعة الإسكندرية، أن الاكتفاء بتقليص الارتفاعات حل مسكن يفتقر لمعالجة تخلخل الأساسات، ويعكس غياب رؤية استباقية تفحص متانة الهياكل المشيدة بصورة مخالفة.

 

وارتباطاً بتلك الرؤية، يوضح الأكاديمي المتخصص أن تجاهل طبيعة التربة الساحلية واشتراطات الصب الخرساني يضاعف احتمالات الكوارث، مشيراً إلى أن الحلول الجزئية ترحل المخاطر وتصطدم بعجز الإجراءات الوقائية عن مجابهة التدهور الإنشائي المتسارع.

 

وبالتوازي مع ذلك، تبرز التعهدات التي قطعتها الحكومة في شهر يوليو 2025 لتوفير نحو 55,000 إلى 60,000 وحدة سكنية كوعود مؤجلة تفتقر إلى الجداول الزمنية الشفافة وآليات الإتاحة الميدانية العاجلة للأسر المتضررة.

 

وفي هذا الإطار، طالب الدكتور باسل عادل، مؤسس حزب الوعي وعضو مجلس الشيوخ، ديوان مجلس الوزراء بتقديم بيان رسمي معلن يوضح مصير تلك الوحدات البديلة، ومصادر تمويلها بعد انقضاء أكثر من عام كامل.

 

علاوة على ذلك، شدد البرلماني على أن صمت الجهات التنفيذية حيال معدلات التسليم الفعلي يضاعف ارتباك المواطنين، ويحول برامج الإسكان البديل من مظلة حماية اجتماعية إلى مجرد شعارات تتراجع أمام الانهيارات المتلاحقة.

 

 

ركام الأرقام يحاصر أحياء عروس المتوسط

 

ومن هذا المنطلق، تتدفق البيانات الرسمية لتسجل رقماً مفزعاً يتجاوز 24,108 عقاراً مهدداً بالسقوط في محافظة الإسكندرية وحدها، مما يبرهن على اتساع رقعة الخلل في التعامل مع المنظومة البنائية لعقود متواصلة.

 

في غضون ذلك، تقف الأجهزة المحلية عاجزة أمام تنفيذ ما بين 7,500 إلى 8,000 قرار إزالة صادر بالفعل، حيث تظل المباني المتهالكة مأهولة بالسكان وسط تباطؤ مريب في تنفيذ التدخلات الجبرية المقررة قانوناً.

 

استناداً إلى الواقع، تبين الدكتورة مروة سليم، استشارية التخطيط العمراني وتطوير المناطق غير الآمنة، أن تكديس آلاف القرارات الإدارية دون تنفيذ يعكس شللاً تنظيمياً وغياباً للتنسيق بين الأجهزة التنفيذية ولجان الحصر المختصة.

 

ومن زاوية متصلة، توضح الخبيرة الحضرية أن سياسات الإخلاء الحالية تفتقر للمنظومة الشاملة، حيث يُترك قاطنو الأحياء القديمة كالجمرك وكرموز ووسط لمواجهة مصيرهم بمفردهم فور وقوع الحوادث بدلاً من توفير بدائل مستدامة مسبقة.

 

بالنظر إلى هذه الأرقام، تتمدد الأزمة لتشمل 120,000 عقاراً آيلاً للسقوط على مستوى الجمهورية، مما يحيل الملف إلى معضلة هيكلية تتجاوز النطاق المحلي وتفرض تدخلاً جذرياً من أجهزة الإدارة المحلية والوزارات المعنية.

 

تأسيساً على هذا، وجه عضو مجلس الشيوخ باسل عادل حزمة تساؤلات حاسمة إلى وزيرة التنمية المحلية، مطالباً بتوضيح أسباب التقاعس عن تفعيل لجان المنشآت الآيلة للسقوط وغياب الميزانيات المخصصة لدعم أعمال الهدم والتدعيم.

 

تبعاً لذلك، شددت المساءلة البرلمانية على ضرورة الإفصاح عن عدد القرارات المنفذة فعلياً، وحجم الدعم المالي واللوجستي المقدم للأحياء المأزومة، لوقف نزيف الأرواح وتفادي انهيارات متزامنة تفوق طاقة فرق الإنقاذ السكندرية.

 

نتيجة لذلك، يرى نواب المحافظة أن استمرار التعامل بالمسكنات الإدارية يحول دون معالجة الكارثة، معتبرين أن تأخير إزالة المباني الخطرة يمثل اشتراكاً ضمنياً في تعريض الآلاف لكوارث مفاجئة تحت أنقاض منازلهم المتداعية.

 

 

غياب الإخلاء الآمن يهدد أرواح المواطنين

 

وفي ضوء ذلك، يشدد الدكتور هشام والي، خبير ميكانيكا التربة وهندسة الأساسات وسلامة المباني، على أن هبوط المنشآت لا ينتظر وعوداً حكومية، محذراً من أن غياب الفحص الدوري التراكمي يجرد التدخلات الهندسية من فعاليتها.

 

استكمالاً لهذا الطرح، يؤكد المتخصص في سلامة التربة أن صدور قرارات إزالة ورقية دون إيجاد مأوى مؤقت أو دائم يدفع العائلات للتمسك بمساكنهم المهددة، مفضلين خطر الموت تحت الأسقف على التشرد في الشوارع.

 

انطلاقاً من تلك الوقائع، تتجلى خطورة الفجوة المعيشية الناتجة عن إخلاء العقارات دون توفير بدائل فورية لائقة، مما يحول إجراءات السلامة الوقائية الإجبارية إلى أزمة إنسانية تلقي بأعباء مالية ثقيلة فوق كواهل الأسر البسيطة.

 

من جهة أخرى، يرى حزب الوعي أن الحق الدستوري في السكن الآمن يفرض على الحكومة الكف عن تسويق الوعود دون جداول ملزمة، والبدء الفوري في صرف تعويضات عادلة تضمن كرامة المواطن واستقراره.

 

وعلى صعيد متصل، تزداد المطالب المجتمعية بإلزام حكومة مصطفى مدبولي بجدول زمني محدد لتمويل مشروعات الإحلال، مع تحديد المسؤوليات الجنائية والإدارية عن أي تأخير غير مبرر يهدد استقرار مئات الآلاف من قاطني المدينة.

 

إزاء هذا الوضع، بات لزاماً تدشين خريطة جغرافية رقمية تصنف درجات الخطورة الإنشائية بشفافية تامة، وتلزم مسؤولي المحافظة بالتدخل العاجل لإنقاذ الأرواح قبل أن تتحول تصدعات الجدران إلى فواجع جماعية جديدة تفجع المجتمع.

 

تزامناً مع تلك التطورات، يطالب ممثلو المجتمع المدني بمحاسبة قيادات الأحياء الذين تساهلوا مع مخالفات البناء وتجاهلوا قرارات الإزالة الصادرة بحق الأبراج المخالفة، مما تسبب في تراكم أزمة لا تجدي معها الحلول المرتجلة.

 

وفقاً لتلك المؤشرات، ينبغي الانتقال من إدارة الأزمة بردود الأفعال إلى خطة وقائية ملزمة تنقذ الثروة العقارية، وتضع حداً لسياسات الانتظار التي تستنزف الأرواح وتترك قاطني الإسكندرية تحت رحمة التصدعات المهددة بالانهيار.

 

ختاماً وتأكيداً على ذلك، يظل مصير آلاف الأسر معلقاً بإرادة حكومية جادة تتجاوز حدود البيانات الخطابية، وتترجم وعود السكن البديل إلى مبانٍ واقعية تقي المواطنين ويلات الانهيارات المفاجئة في مقبل الأيام.