تتصاعد وتيرة الانتهاكات الجسدية والمعنوية بحق مئات السجناء داخل السجون المصرية، حيث يعاني المحتجزون من تدهور بالغ في شروط الإقامة والسلامة الشخصية التي تقوض الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية المقررة بالمعاهدات الدولية.

 

وتستقبل عنابر ليمان المنيا دفعات التغريب القادمة من سجن العاشر من رمضان بإجراءات قمعية متسارعة، يقودها الضابط محمد الليثي لفرض طوق خانق من العزلة والتنكيل البدني والنفسي بحق المحتجزين الجدد دون هوادة.

 

 

تجريد قسري وزنازين تأديب متجمدة

 

إذ توثق تقارير منظمات حقوقية تعريض الوافدين فور ترحيلهم لعمليات عزل فورية داخل زنازين التأديب الانفرادية والجماعية، في بيئة هندسية صممت خصيصا لتجريد السجين من أي إحساس بالأمان وتجريده من متطلبات البقاء الأساسية.

 

كما تجبر إدارة السجن المعتقلين على التخلي التام عن أرديتهم الشتوية الصوفية ومقتنياتهم الشخصية، حيث يتركون بملابسهم الداخلية الرقيقة فقط لمواجهة طقس قارس الصعوبة يسود صعيد مصر خلال أشهر يناير وفبراير القارسة.

 

وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة عايدة سيف الدولة، أستاذة الطب النفسي ومديرة مركز تأهيل ضحايا العنف، أن حرمان السجين من كسوته يمثل شكلا متقدما من التعذيب الأبيض الهادف إلى سحق التوازن العصبي.

 

وتوضح أستاذة الطب النفسي أن الصدمات الحرارية الناجمة عن البرد تعطل الوظائف الإدراكية للمحتجز وتدفعه نحو انهيارات ذهنية حادة، خصوصا مع انعدام الأغطية والافتراش الإجباري للأرضيات الإسمنتية الرطبة التي تمتص حرارة الأجساد النحيلة.

 

فضلًا عن ذلك، تحذر الأوساط الطبية الميدانية من أن التعرض المديد للصقيع يهدد بحدوث هبوط مفاجئ في الدورة الدموية والإصابة بالتهابات رئوية جرثومية مميتة، تظل عصية على العلاج في ظل شلل الرعاية الصحية.

 

وبالتوازي مع ذلك، يتفاقم الهلع بين ذوي المحتجزين نتيجة الحظر الشامل لدخول الملابس الشتوية المصنوعة منزليا أو المستلزمات الطبية الوقائية خلال الزيارات النادرة، ما يترك أبناءهم يواجهون شتاء المنيا دون ستر يذكر.

 

وعلاوة على هذا، تفرض الغرف التأديبية الضيقة ظلاما دامسا وحرمانا حسيا تاما يمنع المسجونين من التمييز بين ساعات النهار والليل، ما يحيل بقاءهم في ليمان المنيا إلى معايشة يومية دائمة للموت البطيء.

 

ومن هذا المنطلق، تتطابق هذه الممارسات المفروضة على المنقولين من سجن العاشر من رمضان مع آليات تطويع إرادة السجناء بالقوة القاهرة، لعزلهم ذهنيا وإخضاعهم الكامل لسلطة السجان دون أي قدرة على الاحتجاج.

 

 

سياسات التجويع وسحق الأجساد المنظم

 

من جانب آخر، تطبق إدارة المرفق العقابي نمطا غذائيا ينحدر إلى حدود الإبادة الجسدية البطيئة، عبر تقليص الحصص التموينية اليومية المقررة لكل محتجز إلى مستويات تعجز تماما عن إبقاء الأجهزة الحيوية قيد العمل.

 

حيث تدنت الوجبات لتقتصر فقط على نصف رغيف خبز جاف وقطعة واحدة من الحلاوة الطحينية طوال 24 ساعة، وهو مخصص يفتقر كليا للعناصر البروتينية والفيتامينات والمعادن الضرورية للحفاظ على وظائف أعضاء الجسم الطبيعية.

 

وفي هذا الشأن، يؤكد الدكتور أحمد حسين، استشاري الطب الباطني والباحث في الصحة العامة، أن استهلاك نصف رغيف وقطعة واحدة يمنح الجسم أقل من 350 سعرة حرارية، مقابل حاجة بيولوجية دنيا تتجاوز 2000 سعرة.

 

ويشير استشاري الطب الباطني إلى أن العجز الغذائي المستمر يقود حتما إلى انهيار الكتلة العضلية وضمور المناعة الذاتية، مما يحول المحتجز إلى فريسة سهلة للأمراض البكتيرية المزمنة والتناقص الحاد في معدلات سكر الدم.

 

بناء على ذلك، يواجه النزلاء نقصا هائلا في مياه الشرب المعقمة، حيث يضطرون للاعتماد على صنابير صدئة غير صالحة للاستهلاك الآدمي، ما يصيب الجهاز الهضمي بنزلات معوية متكررة وأمراض كلوية حادة تهدد استقرارهم الصحي.

 

تزامنا مع هذا، تعطل إدارة السجن منافذ الشراء الداخلية المعروفة بالتعيين والكانتين، مانعة المعتقلين من شراء السلع التكميلية بأموالهم الخاصة، لتكرس سياسة التجويع كأداة ردع جماعي تستهدف تحطيم صمود المحتجزين ودفعهم نحو الرضوخ.

 

وفي منحى متصل، ترغم العائلات على الانتظار لساعات طويلة أمام البوابات الخارجية دون السماح بتمرير الأطعمة الطازجة أو الفواكه، حيث تصادر الحزم الغذائية بقرارات فورية صادرة عن ضباط المباحث المشرفين على حركة الزيارة.

 

ونتيجة لهذا الواقع، تصف منظمات حقوقية مستقلة هذا التقليص بأنه تجويع منهجي محكم، يوظف الحرمان البيولوجي لانتزاع الامتثال القسري من المبعدين، وتفريغ أي محاولة للاعتراض على قرارات التغريب القاسية المفروضة عليهم مؤخرا.

 

 

مخالفات جسيمة لقواعد العدالة الجنائية

 

على صعيد مواز، تمثل ممارسات التغريب القسري نقلا تعسفيا يخالف نصوص قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956، الذي يلزم السلطات بإيداع المحتجز في أقرب مؤسسة عقابية لمحل إقامة ذويه لتيسير الزيارات الإنسانية.

 

وفي هذا الإطار، يؤكد المحامي بالنقض جمال عيد، المدير التنفيذي للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، أن التجريد من الملابس وعزل النزلاء انفراديا دون تحقيقات قضائية يمثل اعتداء صريحا على الضمانات الدستورية الأساسية.

 

ويوضح الخبير الحقوقي أن ما يرتكبه الضابط محمد الليثي داخل ليمان المنيا يندرج ضمن المسؤولية الجنائية الفردية للموظف العام، حيث لا تسقط جرائم إساءة استعمال السلطة وإهدار كرامة السجناء بالتقادم وفقا لأحكام الدستور.

 

استنادا إلى ذلك، تشكل هذه الإجراءات انتهاكا صارخا لقواعد نيلسون مانديلا الصادرة عن الأمم المتحدة عام 2015، والتي تجرم بصورة قاطعة استخدام البرد الشديد والتجويع المتعمد كتدابير انضباطية أو عقابية داخل أماكن الاحتجاز.

 

من هذا المنظور، يؤدي تغييب الرقابة القضائية الدورية على سجون الصعيد إلى توسيع دائرة الانفلات الإداري، ما يعطل تطبيق المادة 56 من الدستور التي تقضي بأن السجون دور إصلاح وتأهيل تخضع للإشراف القضائي.

 

وبناء عليه، تطالب منظمات حقوقية محلية ودولية بفتح تحقيقات قضائية مستقلة وعاجلة، ترسل بموجبها لجان تقصي حقائق محايدة من النيابة العامة لمعاينة زنازين التأديب وتوثيق الآثار الجسدية المترتبة على التجويع والبرد داخل السجن.

 

وإلى جانب هذا، يدعو حقوقيون إلى الوقف الفوري لسياسة التغريب الجغرافي التعسفي، وإعادة المحتجزين المنقولين إلى سجن العاشر من رمضان لضمان تواصلهم المنتظم مع محاميهم وأسرهم وتجنيبهم مشقات السفر في صعيد مصر.

 

وفي هذا التوقيت، يستمر التوتر داخل عنابر ليمان المنيا مع تدهور الحالة الصحية لعشرات المعتقلين المنقولين في شهر أكتوبر الجاري، وسط مخاوف جدية من سقوط ضحايا جدد بسبب الإهمال الطبي وسياسة التجويع المتواصلة.

 

وختاما لهذا المسار، تبقى بيئة الاحتجاز في ليمان المنيا شاهدا حيا على إهدار سيادة القانون، حيث تحل الإجراءات الانتقامية القاسية محل نصوص اللائحة الداخلية للسجون ومواثيق العدالة الدولية الملزمة للجهات التنفيذية.