رفض البرلمان البريطاني الكشف عن تقرير سري يتناول علاقات المملكة المتحدة بالحكومات التي وصلت إلى السلطة في مصر وتونس وليبيا عقب انتفاضات الربيع العربي، وأصر على إبقاء الوثيقة طي الكتمان حتى عام 2046، وفقًا لما كشفه أمير سلطان في تقرير حصري نشره موقع «العربي الجديد».


ورفض مجلس العموم البريطاني طلبًا تقدم به موقع «العربي الجديد» بموجب قانون حرية المعلومات، للاطلاع على نتائج تحقيق برلماني تناول السياسة الخارجية البريطانية تجاه الدول الثلاث.


وأعدت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم التقرير، الذي يحمل عنوان «السياسة الخارجية البريطانية و«الربيع العربي»»، عقب سلسلة من جلسات الاستماع، عُقد بعضها خلف أبواب مغلقة، وزيارات إلى مصر وتونس خلال عام 2015.


والتقى أعضاء اللجنة، خلال الزيارتين، قادة البلدين وكبار المسؤولين فيهما، لمناقشة أوضاع حقوق الإنسان والتطورات السياسية والعلاقات مع الحكومتين. ولم تشمل الزيارات ليبيا، بسبب المخاوف الأمنية وإغلاق السفارة البريطانية هناك عام 2014.


ورغم نشر اللجنة ملخصًا موجزًا لنتائجها في مارس 2015، ظل التقرير الكامل سريًا لأكثر من عقد. وأكد مجلس العموم، في رده على «العربي الجديد»، أن الوثيقة لن تُنشر قبل الأول من يناير 2046، أي بعد أكثر من 30 عامًا على إعدادها.


وجاء في الرد: «قررت لجنة مجلس العموم الإبقاء على حجب التقرير حتى الأول من يناير 2046».


وأوضحت اللجنة أنها اتخذت قرارًا رسميًا بمواصلة فرض القيود على السجلات البرلمانية المؤرشفة، ولن تتيح الاطلاع عليها قبل مواعيد الإفصاح المحددة. واستندت كذلك إلى الامتياز البرلماني، الذي يمنح كل مجلس في البرلمان البريطاني الحق الحصري في تحديد ما إذا كان سيكشف المعلومات المشمولة بهذا الامتياز، ومتى يفعل ذلك.


وتتولى لجنة مجلس العموم الإشراف على الشؤون الإدارية للمجلس، ويرأسها رئيسه، وتضم زعيم المجلس ونائبًا يرشحه زعيم المعارضة وثلاثة نواب آخرين يختارهم المجلس.

 


رفض الاحتجاج بالمصلحة العامة


دفع «العربي الجديد» بأن الكشف عن التقرير يخدم المصلحة العامة، نظرًا إلى تناوله السياسة البريطانية تجاه دول شهدت تحولات سياسية كبرى خلال الربيع العربي. لكن اللجنة رفضت هذا الاحتجاج، مستندة إلى المادة 34 من قانون حرية المعلومات، التي تحمي المعلومات المشمولة بالامتياز البرلماني.


وتتيح هذه المادة للسلطات البرلمانية حجب المعلومات المتعلقة بالإجراءات البرلمانية المحمية، دون الحاجة إلى إجراء موازنة بين المصلحة العامة ومبررات حجب المعلومات.


وتختص لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم بمراقبة أداء وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية والهيئات العامة التابعة لها.


وخلال فبراير ومارس 2015، أجرت اللجنة تحقيقًا تكميليًا بشأن السياسة الخارجية البريطانية والربيع العربي، استكمالًا لبحثها السابق في الانتفاضات التي اجتاحت الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ أواخر عام 2010.


وزار أعضاء اللجنة مصر وتونس، ثم استمعوا إلى إفادات شفوية من توبياس إلوود، وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني آنذاك، إلى جانب سفراء ومسؤولين آخرين وخبراء في شؤون المنطقة.


ونشرت اللجنة تقريرًا موجزًا في 24 مارس 2015، قبل أن ترفع الوثيقة النهائية المفصلة إلى السلطات المختصة في مجلس العموم.

 


انتقادات للدعم البريطاني للحكومات السلطوية في مصر


أثار الملخص المنشور تساؤلات بشأن علاقة بريطانيا بمصر عقب عودة الجيش إلى السلطة في عهد رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي. وأشارت اللجنة إلى أن المناقشات التي أجرتها في مصر، إلى جانب لقاءاتها مع مسؤولي وزارة الخارجية البريطانية، ركزت بوجه خاص على «التعاون الأمني والتجارة» باعتبارهما محورين أساسيين في العلاقات الثنائية.


وقارنت اللجنة علاقة بريطانيا بحكومة السيسي بعلاقاتها السابقة مع مصر في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، الذي أطاحت به انتفاضة عام 2011.


وأقرت اللجنة بأن التصورات القائلة بدعم بريطانيا للحكومات السلطوية ألحقت ضررًا بسمعتها، مشيرة إلى أن دولًا غربية، من بينها المملكة المتحدة، واجهت انتقادات بسبب العودة إلى سياسات تعطي الأولوية للاستقرار والقيادة القوية على حساب دعم الديمقراطيات الناشئة، ولا سيما في مصر.


وزادت التقارير التي تحدثت عن تدهور خطير في أوضاع حقوق الإنسان بمصر من حدة هذه المخاوف. وذكر الملخص أن أشخاصًا التقاهم الوفد البرلماني أكدوا تعرض حقوق الإنسان والمدافعين عنها لضغوط شديدة.


والتقى أعضاء اللجنة السيسي ورئيس الوزراء المصري آنذاك، والمرشح الرئاسي السابق عبد المنعم أبو الفتوح، الذي يقبع في السجن حاليًا، واللواء محمد العصار، الذي كان يشغل منصب مساعد وزير الدفاع آنذاك. كما أجروا مباحثات مع ممثلين عن أحزاب سياسية.

 


تفاؤل حذر في تونس ومخاوف أمنية في ليبيا


جاء تقييم اللجنة للأوضاع في تونس أكثر تفاؤلًا، انعكاسًا للتحول السياسي الذي اعتُبر ناجحًا نسبيًا عقب الانتفاضة التي اندلعت أواخر عام 2010 وأطلقت موجة الربيع العربي في المنطقة.


ورصد الملخص نظرة إيجابية عامة لدى الأشخاص الذين التقاهم الوفد، رغم استياء أعضاء اللجنة من استجابة الاتحاد الأوروبي للانتفاضات. كما أعربوا عن إحباطهم إزاء عدم تقدير الجهود البريطانية الرامية إلى دعم الإصلاحات السياسية والاقتصادية على نطاق واسع.


وسلطت اللجنة الضوء على مشروعات نفذتها مؤسسات بريطانية، من بينها المجلس الثقافي البريطاني ومؤسسة «بي بي سي ميديا أكشن» في ليبيا، ووصفت بعض أعمالها بأنها مثيرة للإعجاب على نحو خاص. غير أن الملخص لم يتناول أوضاع حقوق الإنسان في تونس.


والتقى النواب، خلال زيارتهم تونس، الرئيس الباجي قائد السبسي ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان آنذاك، إلى جانب راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة الذي يقبع في السجن حاليًا. كما أجروا مباحثات مع ممثلين عن المجتمع المدني وبرلمانيين.


وفي المقابل، رسمت اللجنة صورة أكثر قتامة للأوضاع في ليبيا، مشيرة إلى أن الظروف عام 2015 كانت أقل تفاؤلًا بكثير مما بدت عليه عام 2012.


وأبرزت نتائجها مخاوف بشأن الهجرة غير النظامية عبر ليبيا، واحتمال استغلال مسارات الهجرة من جانب مسلحين للوصول إلى أوروبا وتنفيذ هجمات.


ورغم عدم سفر الوفد إلى ليبيا، التقى خلال زيارته تونس سفراء بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي لدى ليبيا، إلى جانب مسؤولين بريطانيين معنيين بالشأن الليبي.


ومن المتوقع أن يتضمن التقرير المحجوب تفاصيل أوسع عن نتائج تحقيق اللجنة، بما في ذلك مناقشاتها مع قادة الدول المتأثرة بالربيع العربي وتقييمها للاستجابة البريطانية للانتفاضات، غير أن إبقاء الوثيقة سرية حتى عام 2046 يحول دون الاطلاع على هذه التفاصيل في الوقت الراهن.

 

https://www.newarab.com/news/exclusive-uk-parliament-refuses-release-arab-spring-report