فرضت ثلاث سنوات من الحرب على غزة واقعًا جديدًا تجاوز حجم الدمار الهائل الذي لحق بالقطاع، إلى اهتزاز عميق في الصورة التي بنتها إسرائيل لعقود باعتبارها قوة عسكرية قادرة على فرض إرادتها دون كلفة استراتيجية ممتدة.
وأظهرت الحرب أن التفوق الساحق في التسليح لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية، بعدما ظل قطاع غزة ساحة قتال واستنزاف، بينما تواجه إسرائيل أزمات داخل جيشها ومجتمعها واقتصادها وصورتها أمام العالم.
ولم تعد المسألة مرتبطة فقط بمصير غزة، إذ فتحت الحرب مواجهة أوسع مع المشروع الإسرائيلي نفسه، وحدود قدرته على التوسع واحتلال الأراضي وإخضاع السكان اعتمادًا على القوة العسكرية والدعم الأمريكي المفتوح.
مشروع التوسع يصطدم بالواقع
فبعد ثلاثة أعوام، تبدو فكرة التوسع الإسرائيلي أمام اختبار أكثر صعوبة، بعدما أثبتت الوقائع أن الدخول العسكري إلى أراض جديدة أسهل بكثير من الاحتفاظ بها والسيطرة الدائمة على سكان يرفضون الاحتلال.
ولذلك، فإن التوغلات الإسرائيلية في غزة أو جنوب لبنان وسوريا لا تعني بالضرورة نجاح مشروع توسع دائم، بل قد تتحول إلى ساحات استنزاف جديدة تستنزف الجنود والمعدات وتزيد أعباء الجيش الإسرائيلي.
وقد سبق أن اضطر الجيش الإسرائيلي إلى الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، كما أخلى مستوطناته وقواته من قطاع غزة عام 2005، وهي تجارب تكشف صعوبة تحويل الاحتلال العسكري إلى وجود مستقر طويل الأجل.
كما أن حجم إسرائيل الجغرافي والديموغرافي يضع سقفًا لقدرتها على السيطرة على مساحات واسعة مكتظة بالسكان، مهما امتلكت من تفوق جوي أو تقنيات مراقبة أو قدرات استخباراتية متقدمة.
وتزداد الأزمة وضوحًا مع النقص المتواصل في القوة البشرية داخل الجيش، والذي دفع السلطات الإسرائيلية إلى توسيع محاولات تجنيد اليهود المتدينين من الحريديم بعدما ظل إعفاؤهم من الخدمة لعقود قضية شديدة الحساسية.
وفي المقابل، أثبتت الحرب مرة أخرى أن الطائرات تستطيع تدمير المدن والمنشآت، لكنها لا تستطيع بمفردها إخضاع الأرض أو إنهاء المقاومة، بينما تتحول العمليات البرية الممتدة إلى عبء بشري واقتصادي وسياسي متزايد.
وإلى جانب ذلك، كشفت الحرب حجم الاعتماد الإسرائيلي على الولايات المتحدة، سواء في السلاح أو الذخائر أو التمويل أو المساندة السياسية والدبلوماسية، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة تل أبيب على مواصلة حروب طويلة منفردة.
الجيش يدفع ثمن الاستنزاف
وفي الداخل الإسرائيلي، لم تعد أزمة الجيش محصورة في خسائر الميدان، إذ امتدت إلى معنويات الجنود وحالات الانتحار والتهرب من الخدمة والاعتراض على استدعاءات الاحتياط، بما يعكس ضغوطًا متراكمة داخل المؤسسة العسكرية.
كما أعادت الحرب فتح النقاش حول العلاقة بين الجيش والمجتمع الإسرائيلي، بعدما ظل التجنيد لعقود جزءًا أساسيًا من تشكيل الشخصية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للدولة، ومصدرًا رئيسيًا لتطوير المهارات والقيادات.
غير أن حربًا طويلة بهذا الحجم قلبت المعادلة، إذ ترك آلاف جنود الاحتياط أعمالهم ومشروعاتهم لفترات ممتدة، بينما تعرضت قطاعات اقتصادية ومشروعات صغيرة لضغوط كبيرة نتيجة الغياب المتكرر للقوة العاملة وعدم الاستقرار.
كذلك اهتزت صورة الجيش باعتباره المؤسسة القادرة على حماية المجتمع الإسرائيلي، بعدما تمكن هجوم السابع من أكتوبر 2023 من اختراق الحدود والمنظومات الأمنية التي قدمتها تل أبيب طويلًا باعتبارها نموذجًا للتفوق الاستخباراتي والتكنولوجي.
وزادت الضربات الصاروخية التي تعرضت لها مدن إسرائيلية خلال جبهات الحرب المختلفة من هذا الشعور، بعدما وجد السكان أنفسهم أمام واقع يناقض سنوات طويلة من الخطاب القائم على نقل الحرب دائمًا إلى أراضي الخصوم.
وفي الوقت نفسه، تصاعد الجدل بشأن تعامل حكومة بنيامين نتنياهو مع الأسرى الإسرائيليين في غزة، وسط اتهامات داخلية لها بتقديم استمرار الحرب والأهداف السياسية والعسكرية على أولوية استعادتهم وإنقاذ حياتهم.
وتضرب هذه القضية واحدة من أكثر الأفكار رسوخًا في المجتمع الإسرائيلي، وهي أن الدولة ستبذل أقصى ما تستطيع لحماية مواطنيها وجنودها، وهي فكرة لعبت طويلًا دورًا مهمًا في دعم التماسك الداخلي والثقة بالمؤسسات.
كما تواجه إسرائيل مشكلة ديموغرافية متزايدة مع الحديث عن تراجع الهجرة الوافدة إليها مقابل تصاعد الهجرة العكسية، وهي معادلة خطرة بالنسبة إلى دولة اعتمد مشروعها منذ تأسيسها على جذب المزيد من السكان لتعزيز اقتصادها وجيشها.
صورة إسرائيل تنهار عالميًا
وعلى المستوى الخارجي، ربما تكون صورة إسرائيل واحدة من أكبر خسائر الحرب، بعدما خرجت مظاهرات واسعة في مدن غربية وارتفعت حدة الاعتراضات الأكاديمية والثقافية والسياسية على الحرب والانتهاكات بحق المدنيين الفلسطينيين.
ولم تعد الرواية الإسرائيلية قادرة على التحرك في المجال الدولي بالسهولة التي تمتعت بها سابقًا، خصوصًا مع انتشار صور الدمار والقتل والنزوح والجوع من قطاع غزة إلى ملايين المتابعين حول العالم بصورة يومية.
كما دفعت الحرب إسرائيل إلى تشديد الرقابة العسكرية على النشر والإعلام، في محاولة للسيطرة على المعلومات المتعلقة بالخسائر وتحركات الجيش وتأثير الحرب على الجبهة الداخلية، بما أضعف خطابها التقليدي عن الديمقراطية والشفافية.
وفوق ذلك، أصبحت رواية "جيش الدفاع" أكثر تعرضًا للتشكيك مع انتقال القوات الإسرائيلية إلى عمليات واسعة خارج حدودها، وتوسيع نطاق التوغلات والهجمات في غزة ولبنان وسوريا، إلى جانب المواجهة المباشرة مع إيران.
وأصبح الحديث عن الدفاع عن الحدود أقل قدرة على تفسير سياسة تقوم على توسيع العمليات العسكرية والاغتيالات والهجمات خارج الأراضي المحتلة، بينما يتزايد حضور الخطاب الديني والقومي المتطرف داخل الحكومة والمجتمع الإسرائيلي.
كذلك لم تعد سياسة الاغتيالات قادرة وحدها على حسم الصراع، فرغم مقتل عدد من قادة الفصائل والشخصيات السياسية والعسكرية، استمرت المقاومة ولم يتحقق هدف القضاء الكامل على قدرتها العسكرية والتنظيمية.
وفي غزة تحديدًا، دُمرت أحياء كاملة وسقط عشرات الآلاف بين قتيل وجريح، لكن سنوات الحرب لم تنته إلى إنهاء المقاومة بالكامل أو فرض استسلام شامل أو دفع جميع سكان القطاع إلى الرحيل كما طرحت أطراف إسرائيلية متطرفة.
ومن هنا، فإن الفارق بين القدرة على التدمير والقدرة على تحقيق نصر استراتيجي أصبح أكثر وضوحًا، فالدولة التي تستطيع إسقاط آلاف القنابل لا تضمن بالضرورة صناعة واقع سياسي مستقر يخدم أهدافها لعقود.
وبعد ثلاث سنوات من طوفان الأقصى، قد تبدو إسرائيل أكثر اندفاعًا عسكريًا واتساعًا في جبهاتها، لكنها في المقابل تواجه جيشًا مستنزفًا واقتصادًا مثقلًا ونقاشًا داخليًا حادًا وصورة دولية تعرضت لضرر غير مسبوق.
ولهذا فإن النتيجة الأبرز للحرب لا تقاس فقط بحجم الأرض التي دخلتها القوات الإسرائيلية، وإنما بقدرتها على الاحتفاظ بها وتحويل التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية دائمة، وهي معادلة لم تنجح تل أبيب حتى الآن في حسمها.
وبين غزة المدمرة وإسرائيل التي تلاحقها أزمات الداخل والخارج، تتبدد تدريجيًا أسطورة القوة القادرة على إخضاع المنطقة بلا ثمن، ويصبح مشروع "إسرائيل الكبرى" أمام سؤال ثقيل: كيف يمكن احتلال الأرض إذا تعذر إخضاع أصحابها؟

