أطلقت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية صندوقا لدعم الاستثمار في أفريقيا، بعدما أعلنت حشد نحو 50 مليون دولار، وسط حديث عن استهداف 150 مليونا، لتفتح مواجهة بشأن أولويات التمويل والعائد المنتظر للاقتصاد المصري.
وتواجه المبادرة مساءلة برلمانية تطالب بإجابات تتجاوز احتفالات منتدى أفريقيا والعلمين، إذ تقدم النائب أحمد ناصر بطلب إحاطة يسأل عن مبررات توجيه موارد للخارج، بينما تحتاج الصناعة المحلية إلى التمويل والتكنولوجيا والتوسع.
الصناعة المحلية تواجه اختبار الأولويات
ففي جوهر الاعتراض، يطالب ناصر، عضو مجلس النواب عن حزب العدل ولجنة الصناعة، بأن تتجه الاستثمارات إلى زيادة الإنتاج وفرص العمل والصادرات، بدلا من اعتبار تأسيس صندوق جديد دليلا على نجاح اقتصادي.
ولذلك، لا تمنح لافتة التوسع الأفريقي الحكومة حصانة من المساءلة، فالمطلوب تفسير يثبت لماذا اختير الاستثمار بالخارج، وما الذي يجعله أفضل من تمويل مصانع ومشروعات إنتاجية داخل البلاد في الوقت الراهن.
وفي هذا السياق، شدد الدكتور مدحت نافع، خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل، يوم 28 سبتمبر، على قياس نجاح السياسة الصناعية بالقيمة المضافة والإنتاجية والصادرات، وتجنب استنزاف موارد تحتاجها استخدامات أعلى عائدا.
وبناء على هذا المعيار، يواجه الصندوق سؤالا أكبر من حجمه المعلن، يتعلق بإنتاجية الأموال ومنفعتها للاقتصاد المحلي، لأن اتساع خريطة الاستثمارات لا يعوض غياب حساب يوضح ما يعود إلى الداخل منها.
ومن جهة أخرى، تشمل القطاعات المستهدفة الخدمات المالية والصحة والسياحة والنقل واللوجستيات والتعليم والموارد والطاقة، وهي قائمة تستدعي بيان كيفية اختيار المشروعات، وتحديد صلتها بالإنتاج المصري ومزايا الشركات التي ستنفذها في الخارج.
ومع ذلك، لا يمثل الاستثمار خارج مصر ضررا تلقائيا، وإنما تقع مسؤولية الحكومة في إثبات جدواه، فالتوسع الذي يدعم الصادرات يختلف عن توظيف أموال لا تظهر فائدتها إلا في خطاب الحكومة.
وعليه، فإن احتياجات الصناعة تجعل المقارنة بين الداخل والخارج واجبا، ولا تسمح بتحويل الطموح الإقليمي إلى إجابة جاهزة تغلق النقاش حول استخدام الموارد وأثر القرار على الإنتاج وفرص العمل.
مصادر الأموال وحدود المسؤولية العامة
أما السؤال الأكثر حساسية، فيتعلق بمصدر الخمسين مليون دولار المعلنة، إذ طالب ناصر بتوضيح طبيعتها، وما إذا كانت تعهدات استثمارية أم أموالا دفعت بالفعل، وهي نقطة تغير تقييم المبادرة ومخاطرها جذريا.
كذلك، طالب النائب بإعلان حجم المشاركة الأجنبية، وتحديد أي مساهمات لصندوق مصر السيادي أو الشركات المملوكة للدولة، إلى جانب الضمانات والالتزامات المحتملة على الجهات العامة، حتى تتضح حدود المسؤولية عن الأموال والمخاطر.
وفي المقابل، يطرح الدكتور زياد بهاء الدين، المتخصص في القانون الاقتصادي، بمقاله المنشور أول أكتوبر عن تنظيم السوق العقارية، ضرورة الإفصاح عن القوائم المالية والملاءة والسيولة، وتحديد جهة رقابية للنشاط.
ومن هنا، يبرز الإفصاح بوصفه معيارا لازما لتقييم المبادرة، فحشد التمويل لا يجيب وحده عن هوية المساهمين، ولا يحدد من يتحمل الخسائر، أو كيف تراجع القرارات وتراقب النتائج وتحمى المصالح المرتبطة بالأموال العامة.
فضلا عن ذلك، يختلف تنفيذ شركة مصرية عقدا بالخارج عن امتلاك أصول هناك، كما أوضح ناصر، لأن الاستثمار المباشر يضيف مخاطر العملات والأسواق وتحويل الأرباح واسترداد رأس المال، بما يستلزم ضوابط معلنة ودراسات.
وبالتالي، لا يكفي الحديث عن دعم الحضور المصري في القارة لتجاوز المخاطر، بل تحتاج الوزارة إلى شرح ترتيبات الحماية، وآليات التخارج، وكيفية التعامل مع التعثر، دون تحميل الجهات العامة التزامات لا تتضح مسبقا.
وبالمثل، إذا كان التمويل أجنبيا، يجب إعلان ذلك وتفسير المنفعة المصرية، أما إذا شاركت شركات الدولة، فالسؤال يصبح ملحا بشأن أسباب اختيار الاستثمار الخارجي، والعائد المتوقع مقارنة بتوجيه مساهماتها إلى الصناعة والإنتاج محليا.
العائد المحلي قبل احتفالات التوسع
وفي موازاة ذلك، حذر هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، يوم 20 سبتمبر، من ارتباط توسع الاقتراض الاستهلاكي بتراجع الادخار المحلي، مشيرا إلى احتمال استخدام القروض لتغطية احتياجات المعيشة، بما يبرز ضغطا على موارد الأسر.
وإلى جانب هذه الضغوط، يصبح ترتيب أولويات الاستثمار قضية تمس قدرة الاقتصاد على توليد الدخل، فلا يجوز الاكتفاء بتسويق التوسع الخارجي دون إثبات أثره في الإنتاج والتوظيف وتدفقات العملة الأجنبية للداخل.
ومن هذا المنطلق، طرح ناصر أسئلة محددة عن زيادة الصادرات، وفرص العمل داخل مصر، وصافي التدفقات الدولارية وتوقيت عودتها، وهي أسئلة تنقل المبادرة من مساحة الدعاية إلى اختبار اقتصادي يمكن قياس نتائجه ومحاسبة المسؤولين.
وفي الوقت نفسه، التقى وزير الاستثمار محمد فريد صالح، أدماسو تاديسي، المسؤول عن مجموعة بنك التجارة والتنمية الأفريقي، لبحث تمويل التجارة والاستثمار ومساندة الشركات المصرية المصدرة الراغبة في التوسع، على هامش فعاليات المنتدى بالعلمين.
كما تناولت المباحثات أدوات تمويلية لدعم الشركات وشركات التمويل غير المصرفي، والتواصل مع مجتمع الأعمال والمجالس التصديرية، لكن البحث في فرص التعاون يظل مختلفا عن إعلان نتائج محققة يمكن احتسابها ضمن عائد الصندوق.
ثم إن المستهدف البالغ 150 مليون دولار لا يمثل أموالا تحققت بالضرورة، كما أن الحشد الأولي لا يثبت استثمار المبلغ بالكامل، ولذلك يصبح التمييز بين المستهدف والتعهدات والمدفوعات شرطا لمنع تضخيم الإعلان أمام الجمهور.
وأخيرا، لا تقاس جدية الحكومة بعدد الصناديق أو اتساع قائمة القطاعات، وإنما بقدرتها على تقديم منفعة محلية موثقة، وإجابة صريحة عن مصادر التمويل والمخاطر، بدلا من استبدال الحساب الاقتصادي بعناوين براقة عن الحضور الإقليمي.
وبذلك، يضع طلب الإحاطة الوزارة أمام التزام واضح، إعلان الجدوى والمساهمات والضمانات والعائد المنتظر وآليات المساءلة، لأن الاقتصاد المصري يحتاج نتائج إنتاجية تعود بالنفع على الناس، لا مشروعا تسبق احتفالاته القدرة على تقييمه بالأرقام.

