حلمي الأسمر

كاتب وصحافي أردني

 

لم يعد الأمر مجرد تدين شخصي لنائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس، ولا مجرد اقتباس ديني في خطاب وزير الحرب بيت هيغسيث؛ نحن أمام مفردات تدخل إلى قلب السلطة الأمريكية نفسها: المسيح الدجال، ونهاية الأزمنة، و"عمل الرب"، ونداء "أرسلني" الذي استدعاه هيغسيث من سفر إشعياء أمام جنوده، قبل أن يروي تاريخ الحروب الأمريكية بوصفه سلسلة من النداءات: أرسلني لمحاربة البريطانيين، أرسلني لمحاربة الشيوعيين، أرسلني لمحاربة الإسلاميين.

 

هنا ينبغي أن نتوقف؛ فانس، نائب رئيس الولايات المتحدة، يقول إنه لا يستبعد أن يكون الدجال "يمشي بيننا"، ولا يستبعد أن تكون نهاية الأزمنة قريبة، بل يقول إنه لا يرى مشكلة في أن يقوده "عمل الرب" إلى تلك النهاية. وهيغسيث، وزير الحرب، يستدعي الكتاب المقدس أمام المؤسسة العسكرية ويضع "الإسلاميين" في سلسلة الأعداء الذين نادت أمريكا جنودها لمحاربتهم.

 

لا يعني ذلك أن أمريكا أصبحت دولة دينية، ولا أن حروبها تُدار حرفيًا وفق النبوءات، لكن المسألة الأخطر هي أن لغة الدين بدأت تظهر داخل اللغة التي تصف بها السلطة الحرب والعدو والتاريخ والمهمة الأمريكية.

 

وهنا تنفجر المفارقة، فحين يستند سياسي أو جماعة في العالم الإسلامي إلى مرجعية دينية، تبدأ ماكينة التصنيف الغربية في العمل: إسلام سياسي، تطرف، أصولية، راديكالية، إرهاب. تُفتش الكلمات، وتُحلل الخطب، وتُسأل الجماعة عن علاقتها بالدين، وعن تصورها للعدو، وعن احتمال تحول العقيدة إلى مشروع عنف!

 

فماذا يحدث عندما يدخل الدين نفسه إلى خطاب السلطة الأمريكية؟ إذا كان المسلم الذي يقول "أتحرك وفق عقيدتي" يحتاج إلى تفسير عقيدته أمام العالم، فلماذا لا تُطرح الأسئلة نفسها على مسؤول أمريكي يقف أمام الجنود ويقول "أرسلني" ثم يربط الخدمة العسكرية بـ"الرب والوطن"؟

 

وإذا كانت المرجعية الإسلامية في السياسة تُعامل باعتبارها علامة تستوجب الشك، فلماذا تصبح المرجعية المسيحية، حين تصدر عن نائب الرئيس أو وزير الحرب، مجرد تعبير عن الإيمان الشخصي؟

 

المشكلة هنا ليست في الدين، بل في ازدواجية معيار قراءة الدين عندما يدخل السياسة والقوة. والأمر يصبح أكثر خطورة حين نضع هذه اللغة داخل التاريخ الأمريكي نفسه، فجزء مؤثر من اليمين الإنجيلي الأمريكي بنى منذ عقود تصورًا دينيًا للتاريخ يرتبط بالقدس وعودة اليهود إلى فلسطين ونهاية الأزمنة. ولذلك لم يكن دعم الكيان الصهيوني عند قطاعات من الإنجيليين مجرد تحالف استراتيجي؛ كان، بالنسبة إلى بعضهم، جزءًا من قصة دينية أكبر عن الأرض والقدس والنهاية.

 

وهكذا يجد الفلسطيني نفسه داخل قصة لم يكتبها، وحرب لا تُقرأ دائمًا باعتبارها صراعًا على الأرض والحقوق، وإنما باعتبارها جزءًا من مسرح ديني كوني!

 

ثم يأتي هيغسيث ليقول: البريطانيون، الشيوعيون، الإسلاميون.. سلسلة من الأعداء تتغير، بينما تبقى القصة نفسها: هناك خطر، وهناك مهمة، وهناك من يرسل، وهناك من يقول: أرسلني!

 

وهنا السؤال الذي يستحق أن يهزّ واشنطن: ماذا يحدث عندما يصبح العدو جزءًا من قصة الرسالة نفسها؟ ماذا يحدث إذا لم يعد العدو مجرد تهديد للمصالح الأمريكية، بل عنصرًا في رواية تاريخية وأخلاقية ودينية عن الخير والشر والمواجهة والخلاص؟

 

العالم العربي يجب أن ينتبه إلى هذه النقطة تحديدًا، فالأخطر ليس فقط عدد حاملات الطائرات الأمريكية، ولا عدد الصواريخ والقواعد فقط، بل اللغة التي يُصنع بها العدو قبل أن تُصنع الحرب! فالعدو يولد أولًا في الخطاب، ثم يتحول الخطاب إلى سياسة، والسياسة إلى ميزانية، والميزانية إلى سلاح، ثم يصبح السلاح واقعًا يصعب التراجع عنه.

 

لهذا فالسؤال ليس: هل يعتقد فانس أن الدجال بيننا؟ ولا: هل يخوض هيغسيث حربًا دينية؟ السؤال الأخطر هو: ماذا يحدث عندما تدخل مفردات النبوءة والرسالة والخلاص إلى عقل الدولة التي تملك أقوى آلة عسكرية في العالم؟ وماذا يحدث عندما يُطلب من المسلم أن يبرر كل كلمة دينية في خطابه السياسي، بينما يستطيع وزير حرب أمريكي أن يقف أمام جنوده، يستدعي النص المقدس، ويضع حرب بلاده داخل سردية "أرسلني"؟

 

ربما لا تكون المشكلة أن أمريكا تؤمن بمن تسميه "الرب"، المشكلة تبدأ عندما تقتنع القوة بأنها تحمل رسالة من هذا "الرب"؛ لأن أخطر لحظة في التاريخ ليست عندما يؤمن الحاكم بنبوءة، بل عندما يبدأ بالاعتقاد أن القوة التي بين يديه تستطيع أن تساعد النبوءة على أن تتحقق!

 

ومع كل هذا، في النهاية نقول: أردتموها حربا دينية..؟ فلتكن، بل هي كانت ولم تزل كذلك، وكل من يقول غير هذا، فهو كمن يغمس خارج الصحن!