عبد الناصر سلامة
رئيس تحرير صحيفة الأهرام الأسبق
أثارت زيارة رئيس حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، إلى دولة الإمارات العربية الأحد الماضي، ولقاء رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد، حالة غضب عربية شعبية عارمة، من المحيط إلى الخليج، في الوقت الذي أعقبت الكشف عنها تسريبات أكثر إثارة، تتعلق بوصول مسؤولين من عدة بلدان عربية أخرى للمشاركة في اللقاء، ما يفتح باب النقاش واسعًا حول حدود العلاقات العربية مع الكيان، بالتزامن مع حالة التوتر التي تعيشها المنطقة على أكثر من جبهة، خصوصًا جبهة الإبادة في قطاع غزة، وممارسات الكيان الدموية اليومية في الضفة الغربية وجنوب لبنان بشكل خاص.
في البداية، تجدر الإشارة، إلى أن الرئيس المصري الراحل أنور السادات، زار القدس المحتلة عام 1977، وألقى خطابه الشهير في الكنيسيت، كمقدمة لاتفاقية سلام عام 1979، إلا أن قدمه لم تطأ الكيان الصهيوني فيما بعد حتى اغتياله عام 1981 (على خلفية الزيارة والاتفاقية سالفتي الذكر)، ثم استمر الرئيس حسني مبارك بعد ذلك على رأس الحكم 30 عامًا، لم تطأ قدماه الكيان الصهيوني إلا مرة واحدة أيضًا، للمشاركة في جنازة رئيس حكومة الكيان إسحاق رابين، في الوقت الذي كان يصر على لقاء قادته في مدينة شرم الشيخ، حرصًا على عدم استقبالهم في القاهرة، لسبب أو آخر.
الآن في العام الثالث عشر من حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، لم يحدث أن توجه ذات يوم إلى الكيان، وليس واردًا أن يحدث ذلك، بل لم يحدث أن استقبل رئيس حكومة الكيان بنيامين نتانياهو في القاهرة علنًا، في الوقت الذي تحدثت فيه مصادر أمريكية وإسرائيلية عن استقباله سرًا مرة واحدة، عام 2018، لبحث الوضع في غزة، ووقف إطلاق النار.. ويحدث ذلك في الحالة المصرية، على الرغم من وجود تمثيل دبلوماسي على مستوى السفراء بين مصر والكيان، منذ عام 1980، أي على مدى 46 عامًا، شابتها توترات عديدة، بسبب الممارسات الإسرائيلية الهمجية تجاه الشعب الفلسطيني الشقيق بشكل خاص.
في الوقت نفسه، ظل التوجه الإسرائيلي للأراضي المصرية طوال تلك الأعوام، تحت عناوين السياحة أو التجارة، أو حتى الدبلوماسية، يشبه العار والشنار في تقديرات المصريين، ما جعل مثل هذه الأنشطة قد لا تتجاوز مدن شبه جزيرة سيناء، أو تجري سرًا في الداخل، بإجراءات أمنية مشددة، إلى غير ذلك من احتياطات، تجنبًا لاستفزاز المواطنين، الذين لم يستطيعوا حتى الآن تقبل مثل هذه الأوضاع، لعدم ثقتهم في الصهاينة من جهة، ومن جهة أخرى نتيجة ممارساتهم الفجة في المنطقة، واستمرار احتلالهم للأراضي العربية، ناهيك عن العامل النفسي، الذي يصعب تجاوزه، إدراكًا لحجم خطورة الصهاينة وأطماعهم كما هو واضح.
ويمكن التأكيد على أن الحالة المصرية، ليست نشازًا بين الشعوب العربية، إلا ما ندر، ممن يمكن اعتبارهم بمثابة "طابور خامس" في كل دولة على حدة، ما بين متأمركين، أو متصهينين، أو حتى فاقدي الهوية الوطنية، إلا أنها في حالة دولة الإمارات غريبة من نوعها، ذلك أنها ليست دولة مواجهة، بداعي التفاوض، كما هو حال مصر والأردن وسوريا ولبنان، كما ليست دولة متمردة على العروبة، أو خارجة عن الإسلام، بل هي دولة كاملة العضوية، في مجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، وغير ذلك من منظمات إقليمية، إلا أن الغريب في الأمر، أنه لم يصدر بشأنها أي إجراء من أي نوع، على هذه الخلفية، وليكن تعليق العضوية على أقل تقدير، وذلك خضوعًا لعوامل واضحة، تتعلق بالهيمنة الأمريكية.
الأمر الآخر، هو أن دور دولة الإمارات لم يتوقف عند هذا الحد، ذلك أنها اتجهت إلى تغيير العقيدة الدينية للمنطقة، نحو ما تسمى الديانة الإبراهيمية، وغير ذلك من عبث، كما بلغ الأمر تسيير نحو 160 رحلة طيران أسبوعيًا إلى تل أبيب، وتوقيع العشرات من مذكرات التفاهم، تتضمن التعاون في جميع المجالات، التي بلغت ذروتها بدعم غير محدود، خلال عامي حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني الشقيق في غزة، بل تعدت ذلك إلى التعاون في صراعات منطقة الخليج، واليمن وإيران والسودان والصومال وإثيوبيا، وحتى مصر وليبيا وسوريا وتركيا، وما خفي كان أعظم، حتى تم تتويج ذلك بتلك الزيارة الأخيرة، المريبة شكلًا وموضوعًا.
السؤال الذي يطرح نفسه بشدة هو: ماذا حدث للعرب، أو ما الذي تغير بين الأمس واليوم، حينما تمت مقاطعة مصر، وعُلقت عضويتها في الجامعة العربية، بمجرد أن توجه السادات للقدس المحتلة، بحثًا عن حل للصراع، بينما يتهافت بعض العرب الآن على الكيان، دعمًا له في مشروعه التوسعي الذي لا يتورع عن الإعلان عنه بين الحين والآخر، حتى أن مندوبي ثلاث دول عربية في الأمم المتحدة، لم يكونوا من بين عشرات الدول الأجنبية التي انسحبت من القاعة، حال صعود نتنياهو لإلقاء كلمته، بل إن المملكة المغربية -على سبيل المثال- أعلنت أخيرًا عن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، إلى مستوى السفراء، في الوقت الذي تتجه فيه عواصم عالمية كبرى إلى قطع علاقاتها، أو الحد من تعاونها مع الكيان.
أعتقد أن أمر العلاقات العربية مع الكيان الصهيوني، وتوسيعها بهذا الشكل الفج، خصوصًا في ظل الأوضاع التي تمر بها المنطقة، هو أمر غاية في الخطورة والعبث في آن واحد، لا يتوافق أبدًا مع متطلبات الأمن القومي العربي، ولا يتواءم مع مجريات الأحداث في الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل خاص، وسقوط الشهداء بشكل يومي، لا تمييز في ذلك بين رجل وامرأة، أو طفل وشاب، كما أن مساعدة هذا الكيان على إطلاق يده في المنطقة هو أمر أكثر خطورة، وذلك من خلال مكاتب استخباراتية، وتسهيلات عسكرية، وأنشطة سرية. حتى لو كان الهدف المعلن هو إيران أو اليمن أو ما شابه ذلك، فهو بمثابة لعب بالنار، سوف تحرق الجميع عاجلًا أو آجلًا، حال استمرار مثل هذه الممارسات.
أعتقد أن الوضع الحالي في حاجة إلى إعادة نظر خليجية وعربية جماعية، وقد تكون تلك الزيارة الشؤم المشار إليها بمثابة جرس إنذار، لا ينبغي تجاهله، نزولًا على رغبات الشعوب على أقل تقدير، أيًا كانت الضغوط الأمريكية في هذا الشأن، وأيًا كانت ضغوط الأحداث الجارية، ذلك أنه يجب التفريق بين الثوابت، ممثلة في كون كل دول المنطقة إما شقيقة أو صديقة، بما فيها إيران، والمتغيرات التي تنتج عن خلافات هنا أو مشاحنات هناك، لا يمكن لها أن تستمر بأي حال من الأحوال، مع الوضع في الاعتبار طوال الوقت أننا أمام كيان سرطاني خبيث، لم تسلم المنطقة من أذاه، منذ إنشائه وعلى مدى 78 عامًا، ولن تسلم من الدمار ما دام استمرّ بهذه الوتيرة الصهيونية الاحتلالية المجرمة.

