تضرب موجة غلاء جديدة سوق الهواتف المحمولة في مصر، بعدما سجلت الأسعار زيادات تراوحت بين 30% و78%، لتبتعد أجهزة كثيرة عن قدرة المستهلكين وتدخل السوق في حالة ركود متزايدة.

 

وتدفع الارتفاعات المتلاحقة المصريين إلى الاحتفاظ بأجهزتهم القديمة وصيانتها بدل شراء هواتف جديدة، بعدما تراجعت المبيعات بنحو 25%، بينما امتدت الزيادات من الفئات الاقتصادية إلى المتوسطة والعالية بلا استثناء.

 

 

زيادات تضرب كل الشرائح السعرية

 

وفي مقدمة العلامات الأكثر تأثرًا، جاءت سامسونج بعد رفع وكلائها أسعار عدد من الهواتف منذ بداية أكتوبر، بنسبة وصلت إلى 12% في بعض الفئات، لتدخل الأجهزة الشعبية موجة غلاء جديدة.

 

وبحسب القوائم الجديدة، ارتفع سعر هاتف جلاكسي A07 إلى نحو 9400 جنيه بعدما كان 8400 جنيه، بزيادة ألف جنيه كاملة على جهاز ينتمي إلى الفئة الاقتصادية الموجهة لشرائح واسعة.

 

كما صعد سعر جلاكسي A17 إلى نحو 11 ألفًا و420 جنيهًا، بينما وصل جلاكسي A37 إلى نحو 24.2 ألف جنيه مقابل 22.1 ألف جنيه سابقًا، بزيادة تقارب 2100 جنيه.

 

وفي الوقت نفسه، لم تقتصر الزيادات على سامسونج، إذ ارتفعت أسعار هواتف أوبو بنحو 28.5% للفئة الاقتصادية، واقتربت من 40% في الفئة المتوسطة خلال موجة الغلاء نفسها.

 

كذلك سجلت هواتف ريلمي زيادة بنحو 23.7% في فئتها الاقتصادية و38% في الفئة المتوسطة، بينما ارتفعت هواتف شاومي الموجهة للفئات الشعبية والاقتصادية بنحو 30% تقريبًا.

 

ومن ثم، لم تعد الزيادة مرتبطة بهاتف بعينه أو علامة تجارية واحدة، بل تحولت إلى موجة عامة أعادت رسم الحدود السعرية للسوق ورفعت تكلفة امتلاك هاتف جديد.

 

وفوق ذلك، طالت الارتفاعات الشرائح التي كانت تمثل الملاذ الأرخص للأسر، فأصبحت الأجهزة الاقتصادية نفسها تقترب من مستويات سعرية كانت قبل سنوات تخص الفئات الأعلى.

 

وبالتالي، فقدت السوق جزءًا مهمًا من قدرتها على جذب المستهلك الذي يبحث عن هاتف بسعر متوسط، خاصة مع تراجع الدخول الحقيقية أمام زيادات متسارعة في أسعار الأجهزة.

 

 

التصنيع المحلي لم يوقف الغلاء

 

وفي مفارقة لافتة، جاءت القفزات السعرية رغم نجاح مصر خلال عامي 2025 و2026 في جذب أكثر من 15 علامة تجارية عالمية للتصنيع داخل البلاد بطاقات إنتاجية كبيرة.

 

ومع ذلك، واصلت الفئة الاقتصادية ارتفاعها حتى تجاوزت الزيادة 63%، فيما اقتربت الزيادة في الفئة المتوسطة من 78%، وهو ما بدد توقعات بأن ينعكس التصنيع المحلي سريعًا على الأسعار.

 

وبحسب ما يورده محللون اقتصاديون، تتصدر أزمة الرقائق الإلكترونية ووحدات الذاكرة العشوائية قائمة أسباب ارتفاع التكلفة عالميًا، بعدما رفعت المصانع الدولية أسعار مكونات أساسية تدخل في تصنيع الهواتف.

 

وإلى جانب ذلك، ساهمت تحركات سعر صرف الدولار أمام الجنيه في زيادة تكلفة استيراد الأجهزة الكاملة أو مكونات الإنتاج، بما حمل السوق المحلي ضغوطًا إضافية لم يمنعها التجميع داخل مصر.

 

كما لعب ارتفاع تكاليف الشحن والخدمات اللوجستية دورًا في دفع الأسعار لأعلى، إذ لم تعد التكلفة مرتبطة بعملية التصنيع وحدها، وإنما بسلسلة طويلة من المكونات والنقل والاستيراد.

 

وفي المقابل، يظل المستهلك أمام نتيجة واحدة مهما اختلفت أسباب الشركات والموزعين، وهي أن الهاتف الذي كان متاحًا قبل سنوات أصبح يحتاج إلى جزء أكبر من دخل الأسرة.

 

ومن ناحية تاريخية، كان سوق المحمول خلال 2021 و2022 أكثر استقرارًا مع وفرة المعروض وتناسب الأسعار نسبيًا مع شريحة كبيرة من المستهلكين، ما دعم مبيعات تجاوزت 16 مليون جهاز سنويًا.

 

ثم تغير المشهد خلال 2023 و2024 مع تراجعات الجنيه والقيود على الاستيراد، لتصعد الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة وتدخل السوق في حالة ركود استمرت آثارها لاحقًا.

 

ولهذا، لم تنجح زيادة خطوط التصنيع المحلي وحدها في إعادة الأسعار إلى مستوياتها القديمة، لأن جزءًا كبيرًا من التكلفة ظل مرتبطًا بالدولار والمكونات المستوردة والخدمات الخارجية.

 

 

المستهلك يهرب إلى الصيانة

 

وفي مواجهة هذه القفزات، لجأ عدد متزايد من المستهلكين إلى إصلاح هواتفهم القديمة وتمديد عمر استخدامها، بدل الدخول في تكلفة شراء جهاز جديد بأسعار أصبحت خارج حسابات كثيرين.

 

وبحسب بيانات السوق الواردة، تراجعت حركة المبيعات بنحو 25%، وهو رقم يعكس اتساع الفجوة بين الأسعار الجديدة وقدرة المشترين على تحملها في ظل الضغوط المعيشية المتزايدة.

 

كما يعني هذا التراجع أن السوق بدأت تدفع ثمن الزيادات نفسها، فرفع الأسعار قد يحسن قيمة البيع للوحدة الواحدة لكنه يقلص عدد المشترين ويطيل دورة استبدال الهواتف.

 

وفي الوقت ذاته، تتضرر محال التجزئة من بطء حركة الشراء، بينما يستفيد قطاع الصيانة من تحول المستهلك نحو إصلاح الشاشة أو البطارية أو المكونات بدل دفع آلاف الجنيهات في جهاز جديد.

 

ومن جهة أخرى، تزيد الأزمة صعوبة حصول محدودي الدخل والطلاب والعاملين على أجهزة حديثة، رغم أن الهاتف لم يعد سلعة ترفيهية فقط، بل أداة مرتبطة بالتعليم والعمل والخدمات اليومية.

 

وفوق ذلك، تجعل الزيادات السريعة التخطيط للشراء أكثر صعوبة، لأن السعر الذي يراه المستهلك اليوم قد يتغير خلال فترة قصيرة مع صدور قوائم جديدة من الوكلاء والموزعين.

 

وبالتالي، أصبح قرار شراء هاتف جديد أقرب إلى عبء مالي يحتاج إلى حسابات طويلة، خصوصًا في الفئات المتوسطة التي صعدت أسعارها بصورة حادة رغم اتساع الطلب عليها.

 

وفي نهاية المطاف، تعكس أزمة الهواتف فجوة واضحة بين توسع التصنيع المحلي وقدرة المستهلك على الاستفادة منه، لأن زيادة خطوط الإنتاج لم تتحول حتى الآن إلى انخفاض ملموس في الأسعار.

 

ولهذا، تبقى السوق أمام اختبار صعب بين استمرار القفزات السعرية وتراجع المبيعات، بينما يتحمل المستهلك النتيجة النهائية عبر جهاز أغلى أو سنوات أطول مع هاتف قديم يحتاج إلى صيانة متكررة.