تتصاعد في تونس موجة احتجاجات اجتماعية جديدة امتدت خلال سبتمبر إلى عدد واسع من المحافظات، يقودها خصوصاً خريجو الجامعات الذين طالت بطالتهم، فيما انضم إليهم أهالٍ يطالبون بالتنمية وفرص العمل وتحسين الخدمات والعيش الكريم.

 

تعيد هذه التحركات إلى الواجهة شعارات ارتبطت بثورة 2011، مثل الشغل والحرية والكرامة، لكنها تأتي هذه المرة وسط أزمة معيشية متراكمة وخلاف سياسي حاد حول أداء السلطة ومساحة الحوار مع القوى الاجتماعية والنقابية.

 

 

البطالة تعيد الشارع إلى الاحتجاج

 

شهدت مدينة منزل بوزيان في سيدي بوزيد تحركاً شعبياً واسعاً، أعقبه احتجاج جديد للعاطلين من أصحاب الشهادات، قبل أن تمتد الدعوات إلى محافظات أخرى من الشمال إلى الجنوب خلال أيام متقاربة.

 

وفي القصرين خرج خريجون عاطلون مع أفراد من عائلاتهم للمطالبة بتفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025، وهو القانون المخصص للانتداب الاستثنائي لخريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم في القطاع العام والوظيفة العمومية.

 

وأقر القانون في ديسمبر 2025، وينص على معالجة أوضاع خريجي التعليم العالي الذين طال أمد بطالتهم عبر انتدابات استثنائية، على دفعات تمتد لفترة لا تتجاوز ثلاث سنوات من تاريخ صدوره.

 

وتحول تأخر التطبيق إلى محور أساسي للاحتجاجات، إذ يطالب المحتجون بإصدار الإجراءات التنفيذية اللازمة وفتح المسار الفعلي للانتداب، بعدما مضت أشهر على دخول القانون حيز التنفيذ دون نتائج يلمسونها على الأرض.

 

وكان وزير التشغيل قد أعلن في إبريل أن الدولة ملتزمة بتطبيق القانون، موضحاً أن التنفيذ يرتبط بتطوير منصة رقمية واستكمال نصوص وإجراءات تسمح بالتحقق من شروط المستفيدين وترتيب الملفات.

 

لكن مرور الوقت أبقى فجوة واضحة بين النص القانوني وانتظارات العاطلين، خصوصاً في المناطق الداخلية التي تحمل منذ سنوات معدلات مرتفعة من البطالة وشعوراً مستمراً بعدم المساواة في فرص التنمية والاستثمار.

 

وفي 17 سبتمبر شهدت 17 ولاية من أصل 24 تحركات احتجاجية لخريجين عاطلين، رفعت شعارات تطالب بالتشغيل وتفعيل القانون، ما عكس اتساعاً جغرافياً ملحوظاً في موجة الغضب الحالية.

 

وتكتسب سيدي بوزيد رمزية خاصة داخل المشهد التونسي، بوصفها المنطقة التي ارتبط اسمها ببداية احتجاجات الثورة، وهو ما يمنح أي حراك واسع فيها بعداً يتجاوز المطالب المحلية إلى أسئلة وطنية أوسع.

 

 

السياسة تتقاطع مع الغضب الاجتماعي

 

يرى المتحدث باسم الحزب الجمهوري وسام الصغير أن المطالب الاجتماعية والاقتصادية لا تنفصل تماماً عن المسألة السياسية، لأن البطالة والخدمات والحريات تلتقي جميعاً، بحسب تقديره، في أزمة أوسع تتصل بطريقة إدارة الدولة.

 

ويعتبر الصغير أن استمرار الاحتجاجات القطاعية قد يدفعها إلى التقاطع مع تحركات سياسية ومدنية، خصوصاً إذا شعرت الفئات المحتجة بأن قنوات التفاوض التقليدية لم تعد قادرة على تحقيق تقدم ملموس في ملفاتها.

 

ودخل الاتحاد العام التونسي للشغل بقوة أكبر على خط الأزمة خلال سبتمبر، بعدما أعادت هياكله التأكيد على قرار الإضراب العام، في خطوة رفعت مستوى الضغط السياسي والاجتماعي على السلطات.

 

ولا يعني تحرك الاتحاد أن جميع القوى المحتجة تتحرك ضمن قيادة موحدة، لكن وجود أكبر منظمة نقابية في البلاد داخل المشهد يفتح المجال أمام تنسيق أوسع بين المطالب المهنية والقضايا العامة.

 

ويصف وزير الخارجية الأسبق والقيادي في حركة النهضة رفيق عبد السلام الاحتجاجات بأنها نتيجة تراكم مشكلات الشغل والخدمات والتهميش، ويرى أن اتساعها قد يقرب بين الحراك الاجتماعي والمعارضة السياسية.

 

وتبقى هذه القراءة موقفاً سياسياً للمعارضة، وليست حقيقة محسومة بشأن اتجاه الشارع، إذ تتحرك قطاعات واسعة أساساً حول مطالب وظيفية ومعيشية مباشرة، بينما تختلف مواقف المشاركين من الأحزاب والصراع السياسي القائم.

 

وفي المقابل تؤكد السلطات أنها تعمل على إدراج التشغيل والتوازن الجهوي ضمن خططها الاقتصادية، وتربط معالجة الملفات الاجتماعية بخيارات الدولة ومشروعاتها المالية، بينما يطالب المحتجون بآليات تنفيذ أسرع وأكثر وضوحاً.

 

وتكشف هذه الفجوة عن أزمة ثقة بقدر ما تكشف عن أزمة موارد، فالمشكلة بالنسبة إلى كثير من العاطلين لم تعد في غياب الوعود، بل في طول الانتظار وعدم تحويلها إلى وظائف فعلية.

 

 

القانون المؤجل يوسع دائرة الضغط

 

يقول الباحث في التحركات الاجتماعية رمضان بن عمر إن رقعة احتجاجات المعطلين تتسع داخل الجهات، مشيراً إلى تعدد التحركات المحلية في محافظات ومعتمديات مختلفة، بما يجعل الظاهرة أوسع من احتجاج مركزي واحد.

 

ويحذر بن عمر من أن عدم الاستجابة لمطالب العاطلين قد يدفع فئات أخرى إلى الالتحاق بالتحركات، خاصة إذا التقت ملفات البطالة مع أزمات الخدمات والأسعار والتفاوت التنموي بين الساحل والمناطق الداخلية.

 

وفي منزل بوزيان تقول الناشطة وئام العثماني إن المحتجين ينظمون تحركاتهم بصورة سلمية، وإن التأخر في تفعيل القانون فاقم الغضب لدى خريجين انتظر بعضهم سنوات طويلة للحصول على فرصة عمل.

 

وتشير شهادتها إلى أن مشاركة الأهالي لم تعد مجرد مساندة لأبنائهم، بل تعبير عن إحساس أوسع بأن الأزمة تمس الأسر كلها، لأن البطالة الطويلة تتحول إلى عبء اقتصادي واجتماعي ممتد.

 

وتظهر طبيعة الاحتجاجات الحالية أن القضية لم تعد محصورة في أرقام التوظيف، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بمدى قدرة الدولة على استعادة الثقة في المؤسسات والقوانين التي تصدرها وتعلن التزامها بتنفيذها.

 

وتزيد دعوات الإضراب العام والتحركات الجهوية من حساسية المرحلة، لأن دخول النقابات على خط الاحتجاج قد ينقل الأزمة من ساحات محلية متفرقة إلى مواجهة اجتماعية أوسع تتطلب تفاوضاً سياسياً ومؤسسياً.

 

وفي الوقت نفسه لا تزال مآلات الحراك مفتوحة، إذ يمكن أن يبقى ضمن سقف المطالب الاجتماعية المحددة، كما يمكن أن تتوسع شعاراته إذا استمرت حالة التعطل وازدادت القناعة بأن الحلول الإدارية لا تتقدم.

 

وتحاول السلطة إظهار أن خططها الاقتصادية المقبلة ستمنح أولوية للتشغيل والتوازن بين الجهات، غير أن المحتجين يقيسون تلك الوعود بما يتحقق فعلياً، لا بما يعلن في الاجتماعات أو البيانات الرسمية.

 

ويضع القانون عدد 18 السلطة أمام اختبار مباشر، لأنه قانون نافذ يتضمن مساراً واضحاً للانتداب الاستثنائي، بينما ينتظر آلاف الخريجين أن تتحول مواده إلى منصة وإجراءات ودفعات توظيف محددة.

 

ومع انتشار التحركات في 17 ولاية، يصبح من الصعب التعامل مع الملف باعتباره أزمة محلية عابرة، إذ بات يعكس ضغطاً اجتماعياً واسعاً يتغذى من البطالة وتأخر التنفيذ وشعور بالتهميش.

 

وتدخل تونس بذلك مرحلة اجتماعية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها مطالب الشغل والكرامة مع نقاش أوسع حول الحوار والحريات ودور النقابات، بينما سيحدد تجاوب المؤسسات مقدار اتساع الاحتجاجات أو تراجعها خلال الفترة المقبلة.