وضع سؤال برلماني الحكومة أمام حصيلة مخجلة في ملف التصالح بمخالفات البناء، بعدما أكد النائب إيهاب منصور أن المنجز لا يتجاوز 20% من الطلبات، رغم مرور نحو سبع سنوات على بدء المنظومة.

 

لم تعد الأزمة مجرد أوراق متأخرة داخل أدراج المحليات، بل اختبارًا لقدرة الحكومة على إدارة ملف يمس استقرار المواطنين، بعدما بات الإعلان عن التيسيرات مطالبًا بإثبات جديته عبر قرارات نهائية، لا تصريحات جديدة.

 

 

سبع سنوات تكشف فشل الإدارة

 

وجّه منصور سؤاله إلى رئيس الوزراء وخمس حقائب وزارية هي الري، والتنمية المحلية والبيئة، والإسكان، والأوقاف، والنقل، مطالبًا ببيانات تفصيلية تكشف مصير طلبات تجاوز عددها المليونين على مستوى الجمهورية.

 

وتخص السنوات السبع مسار التصالح الذي بدأ بقانون 2019، وليس عمر قانون 187 لسنة 2023 وحده، وهو تمييز يجعل الأزمة تراكمًا ممتدًا في إدارة الملف، لا مجرد تعثر عابر لتشريع حديث.

 

وفي تشخيص نشرته صحيفة الجمهورية، يرى الدكتور الحسين حسان، خبير التطوير الحضاري والتنمية المستدامة، أن الأزمة تنفيذية بالأساس، وأن تعديل القوانين لن يحقق أهدافه دون جهاز مؤهل، ورقابة فعالة، ومساءلة تضمن الانضباط.

 

وبناءً على هذا التشخيص، يصبح الاكتفاء بتغيير النصوص هروبًا من إصلاح المؤسسة التي تطبقها؛ فالقانون لا يفحص الطلبات بنفسه، ولا يعوض غياب الكفاءة، ولا يحاسب المسؤول عن تعطيل مصالح الناس.

 

وطالب السؤال بكشف أعداد الطلبات المرفوضة وأسباب رفضها، والملفات التي حصلت على نموذجي 8 و10، مع توزيع البيانات على الأحياء ومراكز المدن، بدل الاكتفاء بنسبة إجمالية تخفي الفروق بين الجهات.

 

ولا تسمح نسبة الإنجاز وحدها باعتبار جميع الملفات الأخرى مرفوضة، لكنها تفرض سؤالًا أكثر إحراجًا: أين تقف بقية الطلبات، وما أسباب توقف كل فئة، ومن يتحمل مسؤولية بقاء أصحابها بلا حسم؟

 

فالمعيار الجاد ليس عدد الاجتماعات أو التعديلات المقترحة، وإنما الزمن الذي يستغرقه الطلب حتى القرار، ونسبة الملفات المستوفاة التي أُنجزت، ومدى قدرة المواطن على معرفة المسؤول المباشر عن تأخير معاملته.

 

وما لم تتحول هذه المؤشرات إلى بيانات معلنة، ستظل محاسبة الأداء أسيرة التصريحات المتبادلة، ولن يستطيع المواطن التمييز بين عقبة قانونية حقيقية وقرار إداري متعسف أو تقصير يمكن تحديد صاحبه ومساءلته.

 

 

بيروقراطية المحليات تحاصر أصحاب العقارات

 

ويحمّل الدكتور علاء الناظر، أستاذ الإدارة العامة والمحلية، في تصريحات منشورة بالجمهورية، البيروقراطية ومعوقات تحديد الأحوزة العمرانية جانبًا أساسيًا من مسؤولية التعثر، معتبرًا أن التعديلات المتكررة لم تُنتج إنجازًا حقيقيًا.

 

وتعكس مطالب منصور اتساع الملفات المطلوب توضيح موقفها، من الجراجات وقيود الارتفاعات إلى التصالح الفردي على الشقق، والمباني خارج الأحوزة العمرانية، والطلبات المتوقفة على موافقة اتحاد الشاغلين أو استكمال أعمال البناء.

 

وشملت المطالب حصر ملفات المتناثرات والمتخللات والإحلال والتجديد، وتحديد المحافظات التي لم تعتمد أحوزتها العمرانية الجديدة، بما يسمح بمعرفة مواضع التعطيل بدل التعامل مع الحالات المختلفة باعتبارها كتلة واحدة مجهولة التفاصيل.

 

ورصدت لجنة الإدارة المحلية، وفق تقرير منشور باليوم السابع، تأخر تسليم نماذج التصالح رغم السداد، وتفاوت التقديرات، وتعطل المنظومة الإلكترونية، وتأخر نقل الطلبات القديمة، وهي مشكلات تتجاوز اختزال الأزمة في تقاعس المواطنين.

 

ليس مقبولًا أن يتحول صاحب الطلب إلى منسق بين الوزارات والجهات الفنية؛ فالتنسيق مسؤولية الإدارة، وأي منظومة تشترط على المواطن معالجة تضاربها بنفسه تنقل تكلفة فشلها إلى الطرف الأضعف فيها.

 

وفي المقابل، أعلنت الحكومة خلال اجتماع 14 مايو 2026 وجود نحو 950 ألف ملف لا تضم سوى الطلب وصورة بطاقة الهوية، وقالت إن أصحابها لم يستجيبوا لمراسلات استكمال المستندات المطلوبة.

 

لكن نقص المستندات لا يمنح الحكومة صك براءة شاملًا؛ فالتقييم المنصف يقتضي التمييز بين الامتناع عن استكمال الملف، والعجز عن استخراج وثيقة، والانتظار بسبب جهة حكومية لم تُنهِ إجراءً مطلوبًا.

 

كما ينبغي بيان ما إذا كانت الإخطارات توضح النواقص بدقة، وتحدد طرق استيفائها وتكلفتها؛ إذ لا يكفي إرسال مطالبة عامة ثم اعتبار غياب الاستجابة دليلًا نهائيًا على أن المواطن وحده يعطل التسوية.

 

المطلوب مسار واضح لكل حالة، يحدد المستند الناقص والجهة المسؤولة عنه وموعد الرد، مع نافذة تظلم فعالة؛ فلا يجوز أن يصبح تعدد الجهات ذريعة لإطالة الانتظار أو تبديد المسؤولية بينها.

 

 

المساءلة الغائبة تعطل حقوق الجميع

 

وقدّر منصور الأموال التي تعطل تحصيلها بنحو 200 مليار جنيه، مطالبًا بإعلان الحصيلة الفعلية بخلاف رسوم الفحص؛ وهو تقدير برلماني لعوائد محتملة، وليس دليلًا على اختفاء أموال محصلة أو ثبوت اختلاسها.

 

والشفافية المالية المطلوبة تبدأ بإعلان ما حُصل بالفعل، وما يستحق وفق الملفات المقبولة، وما يظل تقديرًا مرهونًا بالتسوية؛ فلا يجوز خلط الإيرادات الفعلية بالتوقعات لتضخيم الإنجاز أو تسويق حجم الخسارة.

 

ويؤكد الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، في تصريحات للجمهورية، أن التصالح لا ينبغي اختزاله في تحصيل الأموال، منتقدًا ضعف التنسيق وتفاوت الأداء، وداعيًا لربط تقييم القيادات بمعدلات الإنجاز وجودة الخدمات.

 

والمأزق أن تنشغل الإدارة بالعائد المتوقع قبل ضمان القدرة على تقديم الخدمة؛ فلا يستقيم الحديث عن حقوق الخزانة دون مساءلة التعطيل الذي يمنع المواطن من إنهاء موقفه وتسوية التزاماته.

 

وكان مجلس الوزراء قد أعلن في 21 يونيو 2026 توجيهًا بالإسراع في صياغة التعديلات المقترحة وإحالتها إلى البرلمان، مع تقديم تيسيرات ومحفزات لاستكمال الملفات، بما يعكس إقرارًا رسميًا بوجود معوقات للتطبيق.

 

وبحسب تقرير منشور في 12 سبتمبر 2026، ما زالت تعديلات جديدة منتظرة للمناقشة خلال دور الانعقاد الذي يبدأ في أكتوبر؛ ولذلك لا يصح تقديم المقترحات باعتبارها حقوقًا نافذة أو إنجازات مكتملة.

 

اختبار الحكومة ليس إعلان جولة جديدة من الوعود، بل تحديد جدول قابل للمراجعة لإنهاء الطلبات المستوفاة، ونشر أسباب الرفض، وحسم التظلمات، وإظهار أثر التيسيرات في أرقام يستطيع المواطن والبرلمان التحقق منها.

 

ولا تعني سرعة الحسم تمرير مبانٍ غير آمنة أو إهدار حقوق الجيران؛ المطلوب إجراءات تفرق بين المخاطر الحقيقية والتعقيدات القابلة للإزالة، وتجمع حماية الأرواح مع منع البيروقراطية من التحول إلى عقوبة جماعية.

 

بعد نحو سبع سنوات، لا تحتاج الحكومة إلى تجميل نسبة 20%، بل إلى تفسيرها وتحمل مسؤوليتها؛ فالمواطن لا يطلب مؤتمرًا جديدًا عن التصالح، وإنما قرارًا واضحًا ينهي الانتظار ويحدد حقوقه والتزاماته.