قد تتحول جزيرة بريم اليمنية إلى عبء سياسي على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعدما وصل إليها الحوثيون وعززوا قدرتهم على تهديد باب المندب، في توقيت تتصاعد فيه أسعار الطاقة قبل انتخابات نوفمبر.
فالمعركة حول الجزيرة تتجاوز السيطرة على أرض صغيرة؛ إذ يمكن لتعطيل الملاحة أن يرفع كلفة الوقود والمعيشة، ويضع الجمهوريين أمام غضب انتخابي محتمل، بينما تواجه واشنطن خيارات عسكرية ودبلوماسية مكلفة.
جزيرة صغيرة تضاعف الضغط على النفط
ونقلت «رويترز» عن أربعة مصادر حكومية يمنية وصول مقاتلي الحوثي إلى بريم، المعروفة أيضًا باسم ميون، بعد انسحاب القوات الحكومية، في تقدم يوسع نفوذ الجماعة عند أحد أهم الممرات البحرية.
وبحسب الروايات المنشورة، وصلت قوارب المقاتلين إلى الجزيرة الجمعة 11 سبتمبر، بعدما غادرتها القوات الحكومية الخميس، بالتزامن مع تقدم الحوثيين في ذوباب ومواقع ساحلية أخرى على الجانب اليمني من المضيق.
وسبق ذلك سقوط مدينة المخا وجزيرة زقر، بما يعكس اتساع التراجع الحكومي على الساحل الغربي، ويمنح الحوثيين مواقع إضافية للضغط على حركة السفن العابرة بين البحر الأحمر وخليج عدن.
وتقع بريم عند نقطة بالغة الحساسية داخل باب المندب، وتقسمه إلى ممرين ملاحيين؛ ولذلك تتجاوز أهميتها مساحتها ومواردها، وترتبط بموقعها قرب السفن التي تربط أسواق آسيا بأوروبا عبر البحر الأحمر.
لكن السيطرة على الجزيرة لا تعني تلقائيًا إغلاق المضيق بالكامل؛ فذلك يتوقف على القدرات المستخدمة وحركة السفن والتدخلات المقابلة، بينما يكفي تصاعد الخطر لدفع شركات إلى إعادة تقييم المرور.
وكان طارق صالح، نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، حذر في مقابلة مع «سي أن أن» من أن إخراج الحوثيين من بريم، إذا سيطروا عليها، قد يستلزم قوة دولية كبيرة.
كما حذر مسؤول الإعلام العسكري بالقوات التابعة له، الناصر المملوح، من احتمال استخدام الألغام لتهديد المضيق، وهو تحذير من سيناريو محتمل، وليس إثباتًا بأن الجزيرة شهدت بالفعل تنفيذ تلك الخطوة.
وتضاعفت حساسية باب المندب مع تعطل جانب كبير من الملاحة في هرمز؛ فالسعودية وسعت اعتمادها على منافذ البحر الأحمر، وبات تهديد الطريق الجنوبي يضغط على أحد بدائل تصدير النفط.
من باب المندب إلى جيب الناخب
مع ذلك، لا تمر جميع صادرات السعودية من البحر الأحمر عبر باب المندب؛ إذ تستطيع الشحنات المتجهة شمالًا استخدام قناة السويس، بينما تتعرض الرحلات المتجهة جنوبًا لضغط مباشر من تهديد المضيق.
وتساعد هذه الحقيقة على فهم حجم الخطر دون مبالغة: بريم لا تمنح الحوثيين مفتاح إيقاف النفط السعودي كله، لكنها قد تجعل بعض طرق نقله أطول وأغلى وأكثر تعرضًا للتعطيل.
وتأتي المخاوف بينما تجاوز النفط مئة دولار للبرميل خلال الأسبوع، وسط تصاعد المواجهة الإقليمية؛ ولذلك لا يصح نسبة الارتفاع كله إلى سقوط بريم، الذي يضيف عامل ضغط إلى أزمة قائمة.
وأظهرت الأرقام السعودية المنشورة عبر «أوبك» انخفاض إنتاج المملكة من نحو 8.14 مليون برميل يوميًا في يوليو إلى نحو 6.24 مليون في أغسطس، بما يعكس تراجعًا كبيرًا سبق السيطرة على الجزيرة.
وهذا التسلسل الزمني مهم؛ فبريم تهدد بتفاقم أزمة الإمدادات ولا تفسر وحدها تراجع الشهر الماضي، كما يجب التمييز بين إنتاج النفط والكميات المطروحة في السوق التي قد تشمل السحب من المخزونات.
وتبدأ الصلة بالناخب الأميركي من سوق الطاقة العالمية؛ فالبنزين والديزل يتأثران بالتجارة والأسعار الدولية، ولا تعزل زيادة الإنتاج المحلي المستهلك الأميركي تلقائيًا عن صدمات الإمدادات أو اضطراب حركة الشحن.
وإذا استمر ارتفاع الوقود، قد تنتقل آثاره إلى تكلفة نقل البضائع وتشغيل المزارع والرحلات الجوية، فتتجاوز الفاتورة محطات البنزين إلى إنفاق الأسر والشركات، بحسب شدة الزيادة ومدتها وقدرة الأسواق على التكيف.
ولا يحتاج التأثير إلى توقف كل السفن؛ فالخوف من الاستهداف قد يرفع كلفة التأمين أو يدفع لتغيير المسارات، بما يضيف مصروفات وتأخيرات قبل تحقق أسوأ سيناريوهات تعطيل الممر البحري.
سياسيًا، قد تمنح هذه الضغوط خصوم ترامب حجة لربط الحرب بغلاء المعيشة، وتضع مرشحي حزبه أمام سؤال مباشر عن نتائج السياسة الخارجية على ميزانيات الأسر، بدل الاكتفاء بخطاب القوة العسكرية.
ترامب بين كلفة التصعيد وثمن التراجع
انتخابات نوفمبر المقبلة هي انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وليست اقتراعًا على منصب الرئيس؛ ولذلك يتمثل الخطر المباشر على ترامب في إضعاف موقع حزبه وقدرته على تمرير أجندته خلال بقية ولايته.
وإذا خسر الجمهوريون السيطرة على أحد المجلسين، فقد تواجه الإدارة رقابة أشد وصعوبات تشريعية أكبر، لكن هذه نتيجة محتملة للانتخابات، ولا توجد في الوقائع المعروضة أدلة تكفي للجزم بحدوثها.
وتدخل حسابات الناخبين عوامل عديدة، بينها الوظائف والدخل والهجرة والمرشحون المحليون؛ لذا يمكن لصدمة النفط أن تزيد الضغط على الجمهوريين، دون أن تصبح الجزيرة وحدها تفسيرًا شاملًا لاتجاه التصويت.
أما المعضلة أمام ترامب، فتبدأ بكلفة توسيع التدخل العسكري لحماية الملاحة أو دعم استعادة المواقع؛ إذ قد يطيل التصعيد المواجهة ويضاعف الالتزامات، من دون ضمان استعادة الثقة التجارية بسرعة.
وفي المقابل، قد يتيح تجنب التدخل المباشر استمرار الضغط الحوثي على الملاحة، ويمنح خصوم الإدارة فرصة التشكيك في قدرتها على حماية طرق التجارة، خصوصًا إذا بقيت الأسعار مرتفعة حتى الاقتراع.
ويبقى المسار الدبلوماسي خيارًا لتخفيف المخاطر، لكنه قد يتطلب تفاهمات وتنازلات يصعب تسويقها سياسيًا بعد التصعيد؛ ولذلك يرتبط القرار بحسابات الأمن والتفاوض والوقت المتاح قبل وصول الناخبين إلى صناديق الانتخابات.
وتستفيد إيران سياسيًا من زيادة الضغط الذي يمارسه حلفاؤها على الممرات البحرية، لكن دعمها للحوثيين لا يثبت أن كل تحرك ميداني يصدر بأمر مباشر منها أو يستهدف الانتخابات الأميركية تحديدًا.
وتنبع قوة الورقة من أثرها المحتمل: كلما طال اضطراب الملاحة واستمر الغلاء، ارتفعت كلفة الأزمة على الإدارة، فيما قد يؤدي تأمين المرور أو تقدم التفاوض إلى احتواء الضرر قبل نوفمبر.
ولذلك، يتوقف الوزن السياسي لبريم على ما سيحدث بعد السيطرة عليها: هل تستمر السفن بالعبور، وهل تتصاعد الهجمات، وهل تنخفض الأسعار أم تستقر مرتفعة خلال الأسابيع السابقة للتصويت الأميركي المقبل؟
بهذا المعنى، قد تؤثر الجزيرة في مستقبل ترامب السياسي عبر فاتورة يدفعها الأميركيون يوميًا، لا عبر مساحتها؛ فاختبار الرئيس سيكون قدرته على منع تحول مكسب حوثي إلى خسارة اقتصادية وانتخابية داخل الولايات المتحدة.

