تكشف رحلة الفلاح المصري، من السخرة إلى «كارت الفلاح»، عن معاناة لم تنتهِ بتغير الأنظمة، وإنما تبدلت صورها من قهر الملكية إلى أعباء الإنتاج والرقمنة.
وبينما تحتفل الأوساط الرسمية بـ«عيد الفلاح» وتستعرض إنجازات التحول الرقمي، يواجه المزارع مشكلات متراكمة، كان آخرها تعطل المنظومة الإلكترونية التي يفترض أن تسهل حياته.
السخرة كانت البداية
وبدأت معاناة الفلاح المصري قبل ثورة يوليو 1952، حين كان يعمل في أرض لا يملكها، ويعيش أجيراً تحت سيطرة كبار الملاك.
كما أن السخرة كانت إحدى أبرز المحطات القاسية في تاريخ الريف، قبل أن يغير الإصلاح الزراعي شكل العلاقة بين الفلاح والأرض.
وبعد ثورة يوليو، جاء قانون الإصلاح الزراعي في سبتمبر 1952، لينقل الفلاح من العمل بالأجر إلى امتلاك الأرض، ويمنحه قدراً أكبر من الاستقرار.
وبالتالي، أصبحت الأرض رمزاً للكرامة والحرية، بعدما ظل الفلاح لسنوات يعمل فيها دون أن يمتلكها، أو يملك القرار الكامل بشأن مستقبله.
وعلاوة على ذلك، تأسست الجمعيات التعاونية لتوفير البذور والأسمدة، وأصبح هناك إطار أكثر تنظيماً لتوفير مستلزمات الإنتاج الزراعي.
غير أن امتلاك الأرض لم ينهِ المعاناة، وإنما نقلها إلى شكل آخر، إذ ظل العمل الزراعي شاقاً، وسط غياب الميكنة الحديثة.
كما عانى الفلاح من الجهد البدني الكبير، وأمراض المهنة التي كانت تنهش أجساد العاملين، في ظل اعتماد واسع على الأدوات التقليدية.
وبالتالي، ظل المزارع مطالباً ببذل مجهود هائل لإنجاز أعمال الزراعة والري والحصاد، بينما كانت الإمكانات المتاحة محدودة مقارنة بحجم العمل.
السد العالي والميكنة
ومع بناء السد العالي، دخل الريف مرحلة مختلفة، بعدما انتقلت الزراعة من «ري الحياض» الموسمي إلى نظام الري الدائم.
وبالتالي، أتاح انتظام المياه زراعة الأرض أكثر من مرة خلال العام، وفتح المجال أمام زيادة الإنتاج والاستفادة بصورة أكبر من المساحات الزراعية.
كما بدأت الجرارات الزراعية وماكينات الري تحل تدريجياً محل الماشية، لتخفيف الجهد البدني الذي ظل ملازماً للفلاح لآلاف السنين.
ولذلك، استبشر الفلاحون بدخول الآلات الزراعية، أملاً في إنهاء جانب من المعاناة اليومية المرتبطة بالعمل اليدوي الشاق داخل الحقول.
غير أن الفرحة لم تكتمل، بعدما تحولت الميكنة نفسها إلى عبء مالي، بسبب ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف الصيانة الدورية للمعدات.
كما وجد كثير من المزارعين أن تشغيل الجرار أو ماكينة الري يحتاج إلى نفقات كبيرة، لا تتناسب دائماً مع قدرتهم المالية.
ومن ثم، اضطر بعض الفلاحين للعودة إلى الأدوات التقليدية، في محاولة لتوفير النفقات، رغم أن ذلك يعني عودة جزء من المجهود البدني السابق.
تحرير السوق يزيد الأعباء
وفي بداية التسعينيات، دخل الفلاح مرحلة جديدة مع تحرير التجارة والاعتماد على الذات، بعدما تراجعت بعض أشكال الدعم المباشر للمحاصيل.
وبالتالي، وجد المزارع نفسه أمام آليات السوق المفتوحة، بعدما تغيرت القواعد التي تحكم الإنتاج، وأصبح أكثر تعرضاً لتقلبات الأسعار.
كما أدى القانون رقم 96 لسنة 1992 إلى تحرير العلاقة الإيجارية بين المالك والمستأجر، وهو تحول ترك تأثيراً كبيراً داخل الريف.
ومن ثم، تغيرت منظومة الدورة الزراعية الإلزامية، وأصبح الفلاح أكثر حرية في اختيار المحاصيل التي يريد زراعتها وفقاً لظروف السوق.
غير أن هذه الحرية لم تعنِ انتهاء المعاناة، إذ تراجع دور الدولة في الدعم والتسويق، وأصبح الفلاح يواجه تقلبات الأسعار بصورة أكبر.
وعلاوة على ذلك، أصبح المزارع يتحمل مخاطر اختيار المحصول، في وقت تتغير فيه الأسعار، وترتفع فيه تكاليف الزراعة والمستلزمات المختلفة.
وبالتالي، لم تعد المشكلة مرتبطة بالعمل داخل الحقل فقط، وإنما امتدت إلى ما قبل الزراعة وبعدها، من اختيار المحصول حتى تسويقه.
الرقمنة.. المعاناة الأحدث
ومع دخول الألفية الثالثة، بدأت الدولة تطبيق منظومة «كارت الفلاح الذكي»، لتتحول الحيازة من الورق إلى النظام الإلكتروني.
كما استهدف الكارت القضاء على الفساد، وتنظيم بيانات الحيازات، وضمان وصول الدعم إلى المزارعين، خصوصاً في ملف الأسمدة المدعمة.
غير أن التطبيق على الأرض كشف عن معاناة جديدة للفلاح، بعدما تحولت المشكلة من روتين موظف الجمعية إلى أعطال النظام الإلكتروني.
وبالتالي، أصبح «سقوط السيستم» أزمة حقيقية للمزارع، لأنه قد يجد نفسه عاجزاً عن الحصول على حصته المدعمة من الأسمدة.
كما أن توقيت الحصول على الأسمدة يمثل أهمية كبيرة للمحصول، وبالتالي فإن تعطل المنظومة قد يضع الفلاح أمام خطر تأخر احتياجاته الأساسية.
ومن ثم، يجد المزارع نفسه مضطراً أحياناً للبحث عن الأسمدة في السوق الحرة، لإنقاذ محصوله من البوار عندما تتعطل المنظومة.
وعلاوة على ذلك، تظهر قسوة الأزمة في الفارق الكبير بين السعر المدعم والسعر خارج المنظومة، وهو فارق يضاعف العبء على الفلاح.
ففي حين يبلغ سعر شيكارة اليوريا المدعمة 290 جنيهاً وفق السعر الرسمي الوارد بالمادة، يصل سعرها خارج المنظومة إلى نحو 1300 جنيه.
وبالتالي، يتحول العطل الإلكتروني من مشكلة تقنية إلى خسارة مالية مباشرة، لأن المزارع الذي لا يحصل على الدعم يضطر لدفع أضعاف السعر.
كما أن اتساع الاعتماد على المنظومة الرقمية جعل تعطلها أكثر خطورة، بعدما أصبحت جزءاً أساسياً من عملية الحصول على الأسمدة.
وتشير الأرقام الواردة بالمادة إلى توزيع نحو 4.4 مليون كارت ذكي، مع تزويد أكثر من 5800 جمعية زراعية بماكينات الدفع الإلكتروني.
غير أن اتساع المنظومة لا يحل المشكلة وحده، فكلما زاد الاعتماد عليها، أصبح تعطلها أكثر تأثيراً على المزارعين واحتياجاتهم اليومية.
ولذلك، أصبح الفلاح أمام مفارقة واضحة؛ فالنظام الذي جاء لتسهيل حصوله على الدعم قد يتحول عند تعطله إلى سبب مباشر لمعاناته.
كما أن الانتقال من الحيازة الورقية إلى الرقمنة لم يلغِ شكوى الفلاح، وإنما غيّر شكلها من التعامل مع الموظف إلى مواجهة «السيستم».
وبناءً على ذلك، تكشف رحلة الفلاح أن الأزمات لم تختفِ مع مرور الزمن، وإنما تغيرت أدواتها، من السخرة والملكية إلى الميكنة والأسعار والرقمنة.
ومن ثم، تبقى معاناة الفلاح مستمرة، رغم اختلاف المحطات، لأن كل مرحلة حملت معها عبئاً جديداً يضاف إلى ما سبقه.
وفي النهاية، تبدو أزمة «كارت الفلاح» الأكثر ارتباطاً بالحاضر، لأن تعطل المنظومة قد يمنع المزارع من دعم يحتاجه لإنقاذ محصوله.
وبالتالي، فإن نجاح الرقمنة لا يقاس بعدد الكروت الموزعة أو الجمعيات المجهزة، وإنما بقدرة الفلاح على استخدامها دون تعطيل أو خسارة.
كما أن التكنولوجيا التي يفترض أن تخفف المعاناة لا يمكن أن تنجح إذا تحولت أعطالها إلى باب يدفع المزارع للشراء من السوق بأسعار مضاعفة.
وعلاوة على ذلك، تظل قصة الفلاح المصري ممتدة بين محطات متعددة، تغيرت خلالها الأدوات والأنظمة، بينما بقيت المعاناة حاضرة بأشكال مختلفة.
ومن ثم، فإن الاحتفال بـ«عيد الفلاح» يظل ناقصاً إذا لم تنعكس التحولات الجديدة على حياته اليومية، وتخفف فعلياً الأعباء التي يتحملها داخل أرضه.

