يشهد قطاع الطاقة في مصر إعادة تشكيل واسعة لملكية الأصول، بالتزامن مع تراجع إنتاج الغاز المحلي وارتفاع احتياجات السوق، وإعادة شركة «بي بي» ترتيب استثماراتها.

 

وفي المقابل، تتقدم شركات جديدة إلى المشهد، بينها «إنرجان» ذات الحضور القوي في سوق الغاز الإسرائيلي، وشركات إماراتية مرتبطة بـ«أدنوك»، و«ريشيو بتروليوم».

 

 

إنرجان.. توسع داخل مصر وحضور قوي في إسرائيل

 

أعلنت شركة «إنرجان» التزاماً استثمارياً أولياً يصل إلى 150 مليون دولار في مصر، على مدار أربع سنوات، لزيادة الإنتاج وتنفيذ أعمال التطوير والاستكشاف.

 

وتتحرك الشركة في وقت أصبحت فيه زيادة إنتاج الغاز المصري هدفاً رئيسياً، بعدما تراجع الإنتاج المحلي وارتفعت الفجوة بين المعروض والطلب.

 

وتكتسب تحركات «إنرجان» أهمية خاصة بسبب نشاطها الواسع في سوق الغاز الإسرائيلي، حيث تمتلك وتدير أصولاً بحرية رئيسية، أبرزها حقلا «كاريش» و«كاريش نورث».

 

وتضم محفظة الشركة الإسرائيلية كذلك أصولاً ومناطق استكشاف أخرى، بينها «تنين» و«كاتلان»، ما يجعلها لاعباً بارزاً في صناعة الغاز الإسرائيلية.

 

وتعود نقطة التحول الرئيسية في نشاط «إنرجان» داخل إسرائيل إلى استحواذها عام 2016 على حقوق حقلي «كاريش» و«تنين».

 

وبدأ حقل «كاريش» الإنتاج التجاري عام 2022، قبل دخول «كاريش نورث» مرحلة الإنتاج في 2024، ضمن خطة توسع كبيرة للشركة.

 

وخلال 2025، بلغ إنتاج «إنرجان» من الغاز في إسرائيل نحو 5.6 مليار متر مكعب، وفق البيانات الواردة في المادة، وهو رقم يعكس حجم وجودها هناك.

 

وتتزامن هذه المكانة مع تحرك الشركة نحو الاستحواذ على جزء من أصول «بي بي» في مصر، بعد دخولها في مفاوضات حصرية مع الشركة البريطانية.

 

وتشمل المفاوضات المحتملة حصص «بي بي» في أصول منتجة بمنطقة غرب دلتا النيل البحرية، إضافة إلى حصة تبلغ 50% في امتياز «التمساح» بالبحر المتوسط.

 

ولا تبدو الصفقة، إذا اكتملت، مجرد انتقال تجاري عادي، إذ تأتي وسط حساسية متزايدة تجاه ملكية أصول الغاز ومصادر الإمدادات في مصر.

 

ومع ذلك، لا تكفي هذه التطورات للقول بوجود توجيه سياسي خلف الصفقة، أو أن إسرائيل باتت تسيطر على قطاع الطاقة المصري.

 

والأدق أن المشهد يعكس توسع شركات لها حضور قوي في سوق الغاز الإسرائيلي داخل أصول مصرية، بالتزامن مع إعادة توزيع استثمارات الشركات الغربية الكبرى.

 

 

غاز إسرائيل.. ورقة متزايدة في احتياجات مصر

 

تزامن التوسع الاستثماري لشركات تنشط في إسرائيل مع ارتفاع اعتماد مصر على واردات الغاز لتغطية احتياجات السوق المحلية.

 

وأصبح الغاز الإسرائيلي أحد مصادر الإمدادات لمصر، وتوفر وارداته ما يتراوح بين 15% و20% من احتياجات السوق الشهرية، وفق البيانات الواردة في المادة.

 

وتزداد أهمية هذه الإمدادات مع تراجع الإنتاج المحلي، وارتفاع استهلاك الغاز في محطات الكهرباء والقطاعات الصناعية والأسمدة والنقل.

 

وتتجاوز أهمية الملف الحسابات التجارية المباشرة، لأن الغاز أصبح عنصراً مؤثراً في استقرار الكهرباء والإنتاج الصناعي وتوفير احتياجات السوق المصرية.

 

وفي هذا السياق، برزت اتفاقية الغاز مع شركاء حقل «ليفياثان»، التي تبلغ قيمتها المعلنة نحو 35 مليار دولار، باعتبارها واحدة من أكبر الصفقات المرتبطة بالسوق المصرية.

 

ويرى الباحث بالمعهد المصري للدراسات محمود جمال أن الاتفاقية تمضي قدماً، بعد إعلان شركة «نيو ميد إنرجي» استيفاء الشروط المسبقة للاتفاق.

 

ويعتبر جمال أن زيادة الاعتماد المصري على الغاز الإسرائيلي تحمل مخاطر سياسية واستراتيجية، خصوصاً مع ارتباط قطاع الطاقة باحتياجات أساسية داخل الدولة.

 

ويطرح هذا التقييم مسألة تنويع مصادر الإمدادات، في ظل وجود بدائل أخرى أمام مصر، وإن كانت بعض هذه البدائل أكثر تكلفة من الغاز الإسرائيلي.

 

وتتعلق القضية هنا بأمن الطاقة وليس فقط بسعر الغاز، لأن أي اضطراب محتمل في مصدر رئيسي للإمدادات قد ينعكس سريعاً على الكهرباء والصناعة.

 

ويزداد هذا القلق مع اتجاه شركات مرتبطة بسوق الغاز الإسرائيلي إلى توسيع وجودها داخل أصول الطاقة المصرية.

 

لكن وجود تلك الشركات داخل مصر لا يعني بالضرورة انتقال السيطرة على القطاع، خصوصاً أن الأصول تخضع لاتفاقيات وحقوق ملكية وترتيبات استثمارية متعددة.

 

المسألة الأبرز هي مدى قدرة الدولة على الحفاظ على تنوع الشركاء ومصادر الإمداد، مع استعادة الإنتاج المحلي وتقليل الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج.

 

 

«بي بي» تعيد توزيع أصولها.. والإمارات و«ريشيو» تدخلان المشهد

 

لا تعني تحركات «بي بي» أنها تنسحب بالكامل من مصر، لكنها تعكس إعادة هيكلة كبيرة لمحفظتها الاستثمارية بعد أكثر من ستة عقود من العمل بالسوق المصرية.

 

واستثمرت الشركة البريطانية أكثر من 35 مليار دولار في مصر خلال ستة عقود، بحسب البيانات الواردة في المادة، وكانت لاعباً رئيسياً في قطاع الغاز.

 

لكن إنتاجها من الغاز تراجع من نحو 829 مليون قدم مكعب يومياً في 2023 إلى حوالي 518 مليون قدم مكعب يومياً في 2025.

 

ويأتي خفض الإنتاج وإعادة ترتيب الأصول في وقت تواجه فيه مصر تحدياً أكبر يتمثل في تأمين إمدادات الغاز اللازمة للسوق المحلية.

 

وقبل مفاوضات «إنرجان»، شهد القطاع المصري انتقال نحو 49% من حصص «بي بي» في خمسة امتيازات إلى شركة «أركيوس إنرجي» المرتبطة بمجموعة «أدنوك» الإماراتية.

 

وشملت الصفقة امتياز شمال دمياط، وحصة «بي بي» في امتياز شروق الذي يضم حقل «ظهر»، إلى جانب امتيازات أخرى في مراحل الاستكشاف والتطوير.

 

ويعكس ذلك دخول رأس المال الإماراتي إلى أجزاء مهمة من محفظة «بي بي»، بالتزامن مع تحركات مستثمرين آخرين للحصول على أصول جديدة.

 

وفي مسار آخر، استحوذت شركة «ريشيو بتروليوم» على شركة «فاروس إنرجي» البريطانية مقابل نحو 146.4 مليون جنيه إسترليني.

 

ونقلت الصفقة إلى «ريشيو» حصة «فاروس» البالغة 45% في امتيازي الفيوم وشمال بني سويف، إضافة إلى أصول الشركة في فيتنام.

 

وتحمل هذه الصفقة أهمية إضافية بسبب فرص زيادة الاحتياطيات والإنتاج، عبر تنفيذ برامج الحفر والتطوير في الامتيازات المصرية.

 

وتكشف هذه التحركات مجتمعة عن تغير تدريجي في خريطة ملكية أصول الطاقة، مع تراجع حضور بعض الشركات الغربية التاريخية وصعود مستثمرين جدد.

 

ويأتي هذا التحول في قطاع لا يمكن فصله عن الاقتصاد المصري، لأن الغاز يرتبط مباشرة بتشغيل محطات الكهرباء ومصانع الأسمدة والبتروكيماويات والعديد من الأنشطة الصناعية.

 

وكان اكتشاف حقل «ظهر» قد عزز طموحات مصر للتحول إلى مركز إقليمي للغاز، مستفيدة من موقعها والبنية التحتية ومصانع الإسالة.

 

لكن تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الاستهلاك أعادا تشكيل المعادلة، وأصبح الاستيراد ضرورة لسد جزء من احتياجات السوق.

 

وتضع هذه التطورات مصر أمام اختبار استراتيجي واضح: هل تنجح في زيادة الإنتاج المحلي وتنويع الشركاء، أم يتسع الاعتماد على مصادر خارجية؟

 

وتزداد حساسية السؤال مع دخول شركات ذات ارتباط قوي بسوق الغاز الإسرائيلي إلى أصول مصرية، بالتوازي مع تدفق الاستثمارات الإماراتية وإعادة تموضع الشركات العالمية.

 

ولا يعني ذلك أن قطاع الطاقة المصري أصبح خاضعاً لطرف واحد، لكنه يكشف عن شبكة مصالح أكثر تعقيداً تتداخل فيها الشركات الدولية والإقليمية.

 

وتحتاج مصر، في هذه المرحلة، إلى موازنة احتياجاتها العاجلة من الغاز مع هدف طويل الأجل يتمثل في حماية أمن الطاقة.

 

فالاستيراد قد يوفر حلاً سريعاً لفجوة الإنتاج، لكنه لا يعالج جذور المشكلة إذا استمر انخفاض الإنتاج المحلي وارتفاع الطلب.

 

كما أن تنويع الشركاء لا يحقق وحده أمن الطاقة، ما لم يصاحبه تنويع حقيقي لمصادر الغاز وزيادة الاستثمارات في الاستكشاف والإنتاج.

 

ومن هنا، تبدو إعادة توزيع أصول «بي بي» أكثر من مجرد صفقات بيع وشراء، لأنها تحدث في لحظة مفصلية بالنسبة لمستقبل الطاقة المصرية.

 

الخريطة الجديدة للقطاع تتشكل أمام أعين الجميع، لكن نتيجتها النهائية ستتوقف على قدرة مصر على استعادة الإنتاج، وتنويع الإمدادات، والحفاظ على استقلال قرارها الطاقي.