حذرت نقابة الأطباء من تحويل كليات الطب إلى قاعات نظرية تمنح الشهادات بلا تدريب سريري كاف، مطالبة الحكومة بوقف التوسع في الإنشاء والقبول قبل توفير المستشفيات التعليمية وأعضاء التدريس المؤهلين.
وكشفت الأزمة أن اندفاع وزارة التعليم العالي نحو زيادة المقاعد سبق بناء منظومة تدريب قادرة على استيعاب الطلاب، بما يهدد بتخريج أطباء لم يمارسوا الفحص والتشخيص والتعامل الكافي مع الطوارئ.
توسع يسبق المستشفيات
بداية يؤكد نقيب الأطباء أسامة عبد الحي أن إنشاء كلية طب دون مستشفى جامعي يمثل خطراً حقيقياً، لأن الدراسة النظرية وحدها لا تصنع طبيباً قادراً على تحمل مسؤولية المرضى مستقبلاً.
فعلياً ارتفع عدد كليات الطب البشري في مصر إلى 59 كلية، بعدما توسعت الحكومة في الجامعات الحكومية والأهلية والخاصة، بينما ظلت القدرة التدريبية متفاوتة ولم تواكب المقاعد الجديدة بالسرعة نفسها.
في المقابل أعلنت وزارة التعليم العالي امتلاك الجامعات 146 مستشفى خلال 2025، لكن الرقم الإجمالي لا يثبت عدالة توزيع التدريب، لأن المستشفيات الكبرى تخدم كليات قديمة وتتحمل كذلك ملايين المرضى سنوياً.
وفوق ذلك حصلت بعض الكليات التي لم تنشئ مستشفياتها على مهلة بلغت 3 سنوات لتوفيق أوضاعها، قبل أن تطالب النقابة بوقف قبول دفعات جديدة فيها بعد انتهاء المهلة دون التنفيذ.
ومع ذلك استمرت سياسة التوسع العددي باعتبارها استجابة للطلب على التعليم الطبي، من دون نشر تقييم مستقل يوضح نصيب كل طالب من الأسرة والحالات السريرية وساعات التدريب الفعلية والأطباء المتاحين.
على الجانب الآخر لا يمكن معاملة المستشفى الجامعي باعتباره ملحقاً إنشائياً، فهو المكان الذي يتعلم فيه الطالب أخذ التاريخ المرضي وفحص الحالات وقراءة التحاليل واتخاذ القرار تحت إشراف متخصص مباشر.
كذلك يحتاج إنشاء مستشفى تعليمي إلى تمويل ضخم وأقسام متعددة وتجهيزات وكوادر دائمة، ولذلك يصبح افتتاح الكلية أولاً ووعد الطلاب بمستشفى لاحقاً مقامرة بمستقبلهم وبالثقة العامة في المهنة والمرضى معاً.
بدورها حملت النقابة الحكومة والمجالس المنظمة مسؤولية ربط القبول بالطاقة الحقيقية، لأن ترك الجامعات تحدد الأعداد وفق قدرتها المالية يحول دراسة الطب إلى سوق يتقدم فيه التحصيل على الجودة الطبية.
التدريب السريري ينهار
من جهته يرى وزير التعليم العالي الأسبق وأستاذ الأورام حسين خالد أن زيادة القبول والتخرج تخفي نقص فرص التدريب السريري وأعضاء التدريس والبنية الأساسية، بما يستوجب تخطيطاً لا توسعاً حسابياً.
وفي الوقت نفسه تتكدس مجموعات كبيرة حول سرير مريض واحد، فيتحول التدريب من ممارسة وفحص ومناقشة إلى مشاهدة بعيدة، ولا يحصل الطالب على فرصة كافية لاختبار معلوماته وتصحيح أخطائه مبكراً.
وعليه يصبح تقييم الطلاب عبر الامتحانات النظرية مؤشراً ناقصاً، لأن الطبيب قد يحفظ بروتوكولات العلاج من الكتب، لكنه يحتاج احتكاكاً منظماً بالمرضى حتى يميز الأعراض المتشابهة ويتصرف تحت الضغط فعلياً.
إضافة إلى ذلك يؤدي نقص أعضاء هيئة التدريس إلى تحميل الأستاذ أعداداً تفوق قدرته على المتابعة، فتتراجع المناقشة الفردية والتغذية الراجعة، ويعبر الطالب المراحل السريرية من دون تقويم دقيق لمهاراته.
بالتوازي تعتمد بعض الكليات على مستشفيات متعاقدة أو مرافق بعيدة لتغطية شرط التدريب، لكن التعاقد الورقي لا يضمن انتظام الحضور ولا تنوع الحالات ولا وجود مشرفين ملتزمين بالبرنامج التعليمي المعتمد.
أما المرضى داخل المستشفيات المزدحمة فيتحملون ضغطاً مزدوجاً، إذ يحتاجون خدمة علاجية سريعة وخصوصية إنسانية، بينما تتطلب العملية التعليمية وقتاً للفحص والشرح، وهو توازن يحتاج موارد كافية ومستدامة لا شعارات.
وعوضاً عن إعلان عدد المقبولين فقط، يجب نشر نسبة الطلاب إلى أعضاء التدريس والأسرة والحالات بكل كلية، حتى يعرف المجتمع إن كانت الزيادة مدروسة أم مجرد توسع يدر المصروفات ويجمّل الإحصاءات.
ثم إن تخفيض الأعداد لاحقاً لا يكفي وحده، لأن معالجة الأزمة تتطلب استكمال المستشفيات وتجهيز معامل المهارات وتعيين المدرسين واعتماد مواقع التدريب ومراقبة حضور الطلاب وجودة الإشراف بصورة مستقلة دورياً.
المريض يدفع الثمن
في هذا السياق يشدد الأمين العام المساعد للنقابة خالد أمين على أن المستشفى الجامعي يضمن التدريب العملي، وأن اختيار الكلية غير المستوفية قد يترك الطالب أمام شهادة لا تسندها خبرة كافية.
ولذلك لا تخص القضية الطلاب وأسرهم وحدهم، فكل نقص في التدريب ينتقل لاحقاً إلى أقسام الاستقبال والعيادات وغرف العمليات، حيث تصبح المعرفة غير المختبرة خطراً مباشراً على التشخيص وسلامة العلاج.
فضلاً عن ذلك تعاني المنظومة الصحية عجزاً نوعياً في تخصصات مثل التخدير والمخ والأعصاب، وهو ما يثبت أن زيادة الخريجين عشوائياً لا تحل النقص إذا غابت سياسات التدريب والتوزيع والاستبقاء.
إلى جانب ذلك تدفع الأسر مصروفات مرتفعة أملاً في تعليم يضمن مستقبلاً مهنياً آمناً، بينما قد يفاجأ الخريج بضيق فرص الامتياز والتخصص وضعف التدريب، فتتحول الزيادة العددية إلى بطالة مقنعة.
وبناءً عليه يصبح وقف القبول في الكليات غير المستوفية إجراءً لحماية المرضى لا عقاباً للجامعات، كما يجب إلزام كل كلية بإعلان مستشفاها وبرنامجها السريري وقدرتها الاستيعابية قبل فتح التنسيق الجامعي.
في المحصلة تتحمل وزارة التعليم العالي والمجالس الجامعية مسؤولية السماح باتساع الفجوة بين المقاعد والتدريب، ولا يجوز نقل كلفة قراراتها إلى طالب اكتشف متأخراً أن كليته بلا ذراع سريرية حقيقية.
أخيراً وضعت النقابة الحكومة أمام اختبار واضح، فإما وقف التوسع حتى تكتمل المقومات وإما مواصلة إنتاج أعداد أكبر بشهادات أقل قيمة، وعندها سيكون المريض أول من يسدد فاتورة هذا الخلل.

