كشفت أعمال رفع كفاءة الطرق في الجيزة عن موجة جديدة من اقتلاع الأشجار وتقليمها بصورة جائرة، لتواصل الحكومة تحويل الشوارع إلى مسطحات إسمنتية بينما لا يتجاوز نصيب المصري 17 سنتيمترا من الخضرة.

 

وأظهرت الصور ومقاطع الفيديو المتداولة خلال اليومين الماضيين إزالة أشجار شارع جامعة الدول العربية منذ مطلع أغسطس، قبل امتداد الأعمال إلى شارع الدقي، حيث أثار تشويه الأشجار المعمرة غضبا واسعا بين الأهالي.

 

 

 

 

 

وبحسب رصد أجرته منصة صحيح مصر عبر صور الأقمار الصناعية، اختفت الأشجار من مساحات واسعة بالجزيرة الوسطى لشارع جامعة الدول، بين صورتين التقطتا يومي 18 يوليو و17 أغسطس من العام الحالي.

 

في المقابل، امتدت إزالة المساحات الخضراء نحو 21 ألف متر في الجانب الشمالي من الشارع، ووصلت إلى 4500 متر بالجانب الجنوبي، ما يكشف اتساع التدخل المرتبط بأعمال التوسعة ورفع الكفاءة.

 

 

أسفلت يلتهم الظلال

 

أما صور جوجل إيرث فأظهرت أن المنطقة الواقعة جنوب شارع جامعة الدول كانت تضم ما لا يقل عن 10 أشجار، قبل أن تقطع نهائيا ضمن الأعمال التي غيرت ملامح الطريق ومحيطه.

 

كذلك تعرضت أشجار قديمة ومعمرة في شارع الدقي المجاور لتقليم جائر بدد كتلتها الخضراء الكثيفة، وحول أغصانها التي صنعت الظل لسنوات إلى هياكل محدودة العطاء فعليا وسط موجات الحر المتصاعدة.

 

وبالتزامن مع ذلك، كشفت مقارنة الصور الملتقطة في 5 أغسطس بنظيرتها المؤرخة في 17 أغسطس تراجعا واضحا بحجم الغطاء النباتي، بما يناقض أي حديث رسمي عن تطوير يحسن حياة السكان.

 

ومن ناحية أخرى، يرى خبير المناخ والبيئة الدكتور تحسين شعلة أن قطع الأشجار كارثة بيئية، لأنها تخفف الانبعاثات والإحساس بالحرارة، ويمكن أن تقل درجة الحرارة تحت ظلالها بنحو 5 درجات.

 

وعلى امتداد 12 عاما، لم تعد الوقائع حوادث منفصلة، بل بدت مسارا متكررا لمحو المساحات الخضراء من القاهرة الكبرى ومدن أخرى، كلما دخلت مشروعات الطرق والمقاولات إلى شارع أو حديقة عامة.

 

ولذلك خسرت مصر أكثر من 4 ملايين متر مربع من غطاء الأشجار، بينما فقدت القاهرة وحدها نحو 911 ألف متر مربع من مساحاتها الخضراء خلال الفترة الممتدة بين عامي 2017 و2020.

 

وفوق ذلك، هبط نصيب الفرد من المساحات الخضراء في القاهرة من نحو متر ونصف عام 2008 إلى 39 سنتيمترا عام 2020، قبل أن يتراجع أكثر مع استمرار الإزالة والتوسع الخرساني.

 

وفي هذا السياق، يحذر خبير التخطيط الدكتور ماهر استينو من استمرار نزيف الأشجار والمناطق الزراعية، مؤكدا ضرورة وقف تحويل المساحات الطبيعية وضفاف النيل إلى خرسانة تلتهم موارد المدينة وحق سكانها.

 

 

مدن بلا متنفس

 

بدوره، يكشف المتوسط العام للمحافظات أن نصيب المواطن المصري من المساحات الخضراء لا يتجاوز 17 سنتيمترا، وهي مساحة شديدة الضآلة أمام احتياجات الصحة العامة والظل والهواء النظيف داخل المدن المكتظة.

 

وبالتالي يبدو الوضع أشد قسوة في محافظة القليوبية، حيث ينحدر نصيب الفرد إلى نحو 2 سنتيمتر فقط، بما يعكس حرمانا بيئيا لا تعالجه بيانات التطوير ولا حملات التجميل الموسمية العابرة.

 

علاوة على ذلك، قدرت دراسة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية عام 2022 نصيب الفرد من الأشجار بشجرة واحدة فقط، وهي النسبة الأقل بين دول شمال أفريقيا، وفق المعطيات الواردة في المادة الموثقة.

 

ومن ثم تكشف الأرقام أن المواطن لا يخسر مجرد منظر جمالي، بل يفقد ظلا يوميا ووسيلة طبيعية لتلطيف الحرارة ومساحة عامة نادرة، في مدن تتسع فيها الطرق وتتقلص فيها شروط الحياة.

 

وعند مقارنة الخسائر بالاحتياجات، يتضح خلل التصور الحكومي للتطوير العمراني، إذ تختزل الجهات المسؤولة المدينة في الإسفلت والأسمنت، وتتعامل مع الحديقة أو الجزيرة الخضراء بوصفها أرضا متاحة للمقاولات وإعادة التشكيل.

 

فيما يؤكد الخبير البيئي الدكتور مجدي علام أن الأشجار تكافح التصحر وتحسن جودة الهواء، داعيا إلى حمايتها بقوانين فعالة، وإجراء التقليم العلمي بواسطة متخصصين، وتعويض الأشجار التالفة بالتنسيق مع الأجهزة المحلية.

 

ومع ذلك، تواصل الحكومة تقديم توسعة الطريق باعتبارها معيارا وحيدا للكفاءة، من دون اعتبار قدرة المدينة على خدمة سكانها أو زيادة الهواء والظل والمساحات العامة التي تجعل الحياة أكثر احتمالا وإنسانية.

 

 

قانون معطل وحرارة متصاعدة

 

وبناء على ذلك، ألزم الدستور الدولة بزيادة الرقعة المزروعة بالأشجار باعتبارها ضرورة لتحسين نوعية الحياة والصحة العامة، لكن حملات القطع المتتابعة تكشف فجوة فادحة بين النصوص الملزمة وما تنفذه الأجهزة فعليا.

 

وقانونيا، يشترط قانون البيئة إعداد دراسة لتقييم الأثر البيئي عندما تستدعي الضرورة قطع الأشجار أو إزالة الحدائق العامة، كما يوجب عقد جلستي استماع عام لضمان صورة من صور المشاركة المجتمعية.

 

ودستوريا، لا تكفي نصوص الحماية إذا ظلت بلا تنفيذ أو رقابة، خصوصا حين تبدأ المعدات أعمالها قبل عرض الضرورة والبدائل على السكان، ثم تتركهم أمام شارع أفقر وأشد تعرضا للحرارة.

 

أما عمليا، فلم توضح الجهات المسؤولة للأهالي دراسة الأثر البيئي أو بدائل الحفاظ على الأشجار، ولم تعرض أسباب استحالة نقلها أو دمجها بالمشروع، وفق المعلومات المتاحة في الوقائع محل الرصد.

 

ولزيادة حدة المفارقة، تواجه مصر ارتفاعا شديدا في درجات الحرارة يتطلب مضاعفة الأشجار ومساحات الظل، بينما تتصرف الحكومة من مقرها الصيفي في العلمين كأن المدن لا تختنق تحت الشمس والإسمنت.

 

وأخيرا، تضع واقعة جامعة الدول والدقي الحكومة أمام سؤال مباشر عن معنى التطوير، فإما مدينة تحمي الأشجار وتخدم الإنسان، وإما طريق أوسع يمر فوق حق المواطنين في الهواء والظل والحياة.