منير شفيق
مفكر عربي إسلامي وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
عودة الاشتباك العسكري، بصورة متفاقمة بين إيران وأمريكا، في نهار وليل الأول من سبتمبر 2026، أحرج عددًا من كبار المحللين السياسيين، الذين لم يتوقعوا العودة إلى حالة الحرب. وذلك بعد أن أعلن ترامب انتقاله إلى استراتيجية حصار الموانئ، وإنزال أقسى العقوبات الاقتصادية على إيران؛ إلى أن تأتي مستسلمة، رافعة للرايات البيضاء، خاضعة لكل شروطه، في مفاوضات إنهاء الحرب.
الخلل الأول الذي وقعت فيه قراءة هذه الاستراتيجية، يتمثل في عدم اعتبار حصار الموانئ استمرارًا للحرب العسكرية، على أعلى مستوى. فالعقوبات المعلنة في هذه الجولة، تتم تحت التهديد بقصف الطائرات لأيّ اختراق له.
والخلل الثاني، يكمن في الانتقال إلى التهويل بمدى تأثير العقوبات، بمرحلتها الجديدة، وبأنها ستأخذ المدى الزمني الذي تحتاج إليه؛ مما يعني أنهم أسقطوا البُعد العسكري، ومواجهته، كشرط لازب في مواجهة هذه العقوبات. ومن ثم، فلا مفرّ من اندلاع الاشتباكات العسكرية وتفاقمها، إلى اليوم الذي أعلن فيه ترامب، وهو اليوم نفسه، الأول من سبتمبر، أنه سيردّ عسكريًا بأشدّ ما يكون.
وبهذا تنكشف أخطاء التحليل الذي اعتبر أن المرحلة الراهنة هي مرحلة العقوبات الاقتصادية، انكشافًا إلى حدّ الفضيحة. ولكن الأهم هو السؤال: إلى أين هذا الانتقال إلى التصعيد العسكري، مع طيّ صفحة العقوبات التي لم يسبق لها مثيل، مع التجاهل الساذج للبُعد العسكري لحصار الموانئ الإيرانية؟
لقد عاد الصراع إلى الحرب الحامية، وهو ما كان عليه منذ 28 فبراير 2026، عندما شنّ ترامب ونتنياهو الحرب العدوانية، المخالفة للقانون الدولي، وهدفها الإطاحة بالنظام خلال أسبوع. ولكن الهدف الأبعد لهذه الحرب العدوانية، هو سيطرة أمريكية صهيونية، عسكرية وسياسية، على المنطقة العربية- التركية- الإيرانية، وصولًا إلى باكستان.
من هنا حاولت التحليلات المنحازة إلى ترامب، تجاهل هذا البُعد الجوهري للحرب، من خلال الإغراق في التفاصيل، وفي سياسات كلٍ من إيران وأمريكا، ولا سيما بعد تخلي ترامب عن اتفاق مذكرة التفاهم التي وقعها في 17-18 يونيو 2026.
أي باختصار، استبعاد التحليل للطابع العدواني للحرب، ليدور النقاش حول هل ستنجح استراتيجية العقوبات، أم يمكن لإيران أن تصمد، كما كان الحال طوال أربعة عقود؟
على أن التطوّر الأخير، بالعودة إلى الاشتباكات العسكرية، هو الذي سيترك أثره الحاسم، في إغلاق مضيق هرمز، ليعود خطر اندلاع أزمة ركود اقتصادي عالمي، لا قِبَل لأمريكا على احتمالها. بل إن بروز بوادر إلى اقتراب وقوعها، هو الذي فرض على ترامب التوقيع على مذكرة التفاهم في جنيف، من أجل فتح حريّة الملاحة من مضيق هرمز. وبالفعل لم يكد يُفتح ويبتعد خطر الركود الاقتصادي العالمي، حتى تراجع ترامب، وسحب توقيعه على الاتفاق.
ولهذا، فعودة الاشتباكات العسكرية ستهدّد إغلاق مضيق هرمز كليًا، ومن ثم عودة خطر اندلاع أزمة الركود العالمي، مما سيفرض على ترامب ما فُرض عليه لتوقيع اتفاق جنيف.

