وثقت لجنة العدالة 973 انتهاكًا داخل ما لا يقل عن 40 مقر احتجاز رسمي وغير رسمي في 17 محافظة مصرية خلال النصف الثاني من 2025، بينها 25 واقعة تعذيب و34 وفاة و38 حالة حرمان من الرعاية الصحية، في حصيلة حقوقية تعيد اتهامات التعذيب وسوء المعاملة داخل منشآت خاضعة لوزارة الداخلية إلى صدارة المشهد.

 

ولا تقف الأرقام عند حدود السجناء أنفسهم؛ فخلف كل محتجز عائلة تنتظر زيارة أو اتصالًا أو تقريرًا طبيًا، وبعض الأسر لا تعرف حقيقة ما جرى لذويها إلا بعد وصول خبر الوفاة أو رؤية الجثمان، ما يجعل غياب الرقابة المستقلة على أماكن الاحتجاز أزمة إنسانية تمس آلاف الأسر وليس ملفًا أمنيًا مغلقًا.

 

وعادت القضية إلى الواجهة أخيرًا بعد تداول مقطع يتضمن اتهامًا بوفاة محتجز داخل قسم شرطة بمحافظة الجيزة إثر تعرضه للتعذيب، وهي واقعة تأتي ضمن سلسلة من شهادات واتهامات مماثلة وثقتها منظمات حقوقية عن أقسام الشرطة والسجون ومقار الأمن الوطني خلال السنوات الأخيرة.

 

 

شهادات الأسر تكشف خلف الجدران

 

تكشف أرقام «لجنة العدالة» أن المشكلة لا تنحصر في وقائع فردية؛ فمن بين 973 انتهاكًا رصدتها المنظمة في النصف الثاني من 2025، سجلت 797 واقعة حرمان تعسفي من الحرية و46 حالة اختفاء قسري، إضافة إلى الوفيات والتعذيب والحرمان من العلاج.

 

وتبرز محافظة الجيزة تحديدًا في هذا الملف، إذ سجل تقرير اللجنة أعلى معدلات الوفاة داخل مقار الاحتجاز بها خلال الفترة نفسها، مشيرًا إلى تركز ملحوظ للوفيات داخل أقسام ومراكز الشرطة، فيما جاءت السجون والليمانات في مقدمة المنشآت التي سجلت انتهاكات تتعلق بأوضاع الاحتجاز والإهمال الطبي.

 

وفي يونيو 2026، أثارت أسرة المصارع جمال عبد الناصر، 27 عامًا، اتهامات بتعرضه للتعذيب أثناء الاحتجاز، وقال أفراد من عائلته وأصدقائه إنهم شاهدوا على جثمانه آثار إصابات اعتبروها دليلاً يستوجب التحقيق في ما تعرض له قبل وفاته.

 

وبعد يومين فقط، برزت شهادة أخرى لعائلة المحتجز إبراهيم محمد أحمد عبد الله المهدي، المعروف باسم فارس رضا، الذي توفي داخل سجن برج العرب؛ إذ قالت الأسرة إنها لاحظت آثارًا على جثمانه أثارت لديها شبهة التعذيب، ورفضت استلام الجثمان قبل معرفة الأسباب الحقيقية للوفاة.

 

وفي فبراير 2026، وثقت لجنة العدالة وفاة الشاب السوداني النذير الصادق علي محمد بشير، 18 عامًا، داخل حجز قسم شرطة بدر بعد 25 يومًا من توقيفه، ونقلت عن أسرته معلومات تفيد بأنه احتجز في برد شديد دون ملابس كافية أو أغطية أو فراش مناسب.

 

وتكشف واقعة النذير جانبًا آخر من الأزمة؛ إذ قالت المنظمة إن معلوماتها أشارت إلى احتجاز صغار سن إلى جانب بالغين بينهم متهمون في قضايا جنائية، وطالبت بالكشف عن التقرير الطبي الشرعي وتمكين الأسرة منه وإجراء تحقيق شامل في ظروف احتجازه قبل الوفاة.

 

وفي قسم شرطة اللبان بالإسكندرية، نقلت «لجنة العدالة» شهادات عن وجود نحو 52 محتجزًا في غرفة واحدة لا تضم سوى مروحتي تهوية، وسط حرارة وتكدس شديدين، وقالت إن المحتجزين أطلقوا استغاثات من الاختناق قبل تسجيل حالتي وفاة داخل الحجز.

 

ولا تنتهي معاناة العائلات عند أبواب السجون؛ ففي وادي النطرون القديم، نقلت المنظمة شهادات لأسر قالت إنها تعرضت للإهانات وسوء المعاملة أثناء التفتيش، ومنع إدخال أصناف من الطعام والملابس الشتوية والأغطية والأدوية، بينما اضطرت أسر إلى الاستدانة لشراء احتياجات ذويها من «الكانتين» بأسعار قالت المنظمة إنها مضاعفة.

 

كما تحدثت الأسر عن قطع رحلات قد تصل إلى 12 ساعة من أجل زيارة لا تتجاوز نصف ساعة، وقد تنخفض إلى ربع ساعة، بينما ينام بعض المحتجزين على الأرض في البرد، في صورة تجعل العقوبة تمتد عمليًا إلى العائلة التي تتحمل تكلفة الانتقال والطعام والدواء والانتظار.

 

وأكد محمد لطفي، المدير التنفيذي للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، في كلمة باسم تحالف يضم 13 منظمة حقوقية أمام آلية الاستعراض الدوري الشامل للأمم المتحدة، أن الاختفاء القسري والتعذيب والاحتجاز التعسفي، وفق توثيق التحالف، تحدث بصورة «منهجية وواسعة النطاق»، وقال إن كثيرًا من المختفين يظهرون أمام نيابة أمن الدولة وعليهم آثار تعذيب.

 

وطالب لطفي بإتاحة الرقابة المستقلة على جميع مراكز الاحتجاز، وإجراء تحقيقات شفافة ومحايدة في ادعاءات التعذيب والاختفاء القسري والوفاة أثناء الاحتجاز، ومحاسبة المسؤولين عنها، وهي مطالب تكتسب أهميتها مع اعتماد معظم المعلومات المتاحة حاليًا على ما ينجح النزلاء والأسر والمحامون في إخراجه من خلف الجدران.

 

 

التعذيب يمتد من الأقسام للسجون

 

وفي مارس 2026، رفعت «لجنة العدالة» بيانًا إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تحدث عن استخدام منهجي للتعذيب ضد سجناء سياسيين وسجناء رأي، خصوصًا داخل مركز بدر للإصلاح والتأهيل، موثقًا الحبس الانفرادي المطول والحرمان من الزيارات والتواصل مع المحامين والمراقبة المستمرة والإهمال الطبي.

 

وأشار البيان الحقوقي إلى اتهامات بالضرب والتقييد لفترات طويلة وإجراءات عقابية ضد من يشتكون من أوضاعهم أو يدخلون في إضرابات عن الطعام، إلى جانب ضغوط نفسية متواصلة داخل الزنازين، وهي ممارسات اعتبرت المنظمة أن تراكمها قد يرقى إلى التعذيب أو المعاملة القاسية.

 

وتتسق هذه الشهادات مع تقرير منظمة العفو الدولية عن مصر، الذي سجل استمرار التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة بصورة روتينية في السجون وأقسام الشرطة والمنشآت التابعة لجهاز الأمن الوطني، إضافة إلى حالات وفاة أثناء الاحتجاز عقب تقارير عن التعذيب أو الإهمال الطبي.

 

وفي ملف منفصل وثقته «العفو الدولية» مطلع 2026، قال أربعة محتجزين أمام جهات التحقيق إنهم تعرضوا للتعذيب أو سوء المعاملة بعد توقيفهم بسبب نشاط يتعلق بمناقشة المعتقدات الدينية عبر الإنترنت، بينما قال ثلاثة منهم إن عناصر من الأمن الوطني عذبتهم بالصدمات الكهربائية أثناء فترة اختفائهم القسري.

 

ونقلت المنظمة عن المحتجز سعيد أبو مصطفى قوله أمام النيابة إن عناصر الأمن الوطني ضربته بالركب أو الأقدام في الظهر والبطن أثناء اختفائه في يوليو 2025، فيما قال محتجزون آخرون إن التحقيقات معهم جرت وهم معصوبو الأعين ولساعات بشأن معتقداتهم الدينية.

 

ووصف محمود شلبي، الباحث المعني بمصر وليبيا في منظمة العفو الدولية، هذه الوقائع بأنها تراكم «لانتهاك فوق انتهاك»، مطالبًا بتحقيقات عاجلة وشاملة ومستقلة ومحايدة وشفافة وفعالة في جميع ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة، وعدم الاكتفاء بتسجيل شكاوى المحتجزين دون فحص طبي وتحقيق جدي.

 

وتشير وثائق أممية كذلك إلى بواعث قلق بشأن مزاعم الاختفاء القسري والتعذيب وانتزاع الاعترافات والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي والحرمان من العلاج والزيارات العائلية، إضافة إلى ما وصفته بخطر غياب المساءلة الفعالة عن الانتهاكات المنسوبة إلى أجهزة إنفاذ القانون.

 

وفي يوليو 2026، أحالت «لجنة العدالة» إلى مقررين خاصين بالأمم المتحدة ملف ثماني وفيات داخل أماكن الاحتجاز خلال يونيو وحده، وقالت إن ستًا منها ارتبطت، وفق توثيقها، بالحرمان من الرعاية الطبية والإهمال وظروف الاحتجاز غير الآمنة، بينما أثارت حالتان مخاوف جدية من التعذيب وسوء المعاملة.

 

وتكشف الأرقام المتتابعة أن الاتهامات لا ترتبط فقط بالمحتجزين السياسيين؛ فحالات الوفاة وشهادات سوء المعاملة التي جمعتها المؤسسات الحقوقية تشمل محتجزين في أقسام شرطة على خلفيات جنائية وعادية، وهو ما يحول القضية من خلاف سياسي إلى سؤال يتعلق بطريقة ممارسة وزارة الداخلية سلطتها على كل شخص يصبح تحت سيطرتها المباشرة.

 

 

المرض يتحول إلى عقوبة إضافية

 

وتتصدر المحامية الحقوقية هدى عبد المنعم الجانب الصحي من الأزمة؛ إذ أعلنت منظمة العفو الدولية في 17 أغسطس 2026 أنها أمضت أكثر من سبع سنوات رهن الاحتجاز، رغم انتهائها من تنفيذ حكم بالسجن خمس سنوات في أكتوبر 2023، بينما تواجه حاليًا محاكمتين جديدتين في قضيتين منفصلتين بتهم متشابهة مرتبطة بالإرهاب.

 

وتقول المنظمة إن الحالة الصحية لعبد المنعم تدهورت إلى درجة أنها لم تعد قادرة على المشي دون مساعدة، فيما تستمر عملية نقلها من السجن إلى المحكمة لحضور الجلسات، رغم طلبات الدفاع إعفاءها من الحضور الشخصي والسماح للمحامين بتمثيلها وفق الإجراءات القانونية المتاحة.

 

أما ابنتها جهاد خالد، فقد قدمت شهادة أكثر قسوة عن السنوات الأولى للاحتجاز؛ إذ قالت لـ«هيومن رايتس ووتش» إن الأسرة ظلت لفترات لا تعرف مكان والدتها أو ما تتعرض له، وإن الزيارات عندما سُمح بها جرت في وجود أحد عناصر الأمن الوطني، بما منعها من الحديث بحرية عن ظروفها.

 

وبحسب ما نقلته هدى لاحقًا إلى أسرتها ومحاميها، تعرضت خلال أشهر اختفائها الأولى لتعذيب نفسي، شمل إجبارها على سماع أصوات نساء أخريات يتعرضن للتعذيب، وتهديدها باعتقال زوجها وبناتها، وإجبارها تحت الضغط على تسجيل وتوقيع اعترافات، وهي شهادة تنسب ممارسات مباشرة إلى أجهزة الأمن أثناء فترة احتجازها السري.

 

وتقول الأسرة إن عبد المنعم عانت داخل السجن من مشكلات إضافية في الكلى والسكري، فضلًا عن تعرضها لأزمات قلبية، بينما كانت تعاني قبل اعتقالها أصلًا من جلطات بالأوردة ومشكلات في الركبة، وسط قلق عائلي مستمر بسبب صعوبة الحصول على معلومات منتظمة عن تطورات حالتها.

 

ويرى عمرو مجدي، الباحث الأول في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة هيومن رايتس ووتش، أن الحرمان من العلاج داخل السجون يمكن أن يتحول بذاته إلى مصدر معاناة شديدة للنزيل وأسرته؛ وقد قال في يوليو، تعليقًا على حالة السجين أحمد الوليد الشال الذي يعاني من اشتباه ورم بالمخ، إن سنوات الحرمان من الرعاية الضرورية ألحقت به وبعائلته معاناة هائلة.

 

ولا تمثل حالة هدى عبد المنعم استثناءً منفردًا؛ ففي يوليو أيضًا حذرت «العفو الدولية» من تدهور الصحة الجسدية والنفسية للناشط محمد عادل بعد أكثر من ثماني سنوات في الاحتجاز، وقالت إنه حُرم من الرعاية الطبية الكافية ومن الفحص لدى أطباء متخصصين رغم معاناته من مشكلات صحية متعددة.

 

وتكشف شهادات النزلاء والأسر وتقارير المؤسسات الحقوقية عن فجوة يصعب تجاوزها بالشعارات أو تغيير أسماء السجون إلى «مراكز إصلاح وتأهيل»؛ فالسؤال الحقيقي يتعلق بما يحدث عندما يغلق باب الزنزانة، ومن يستطيع مراقبة الضابط والسجان والطبيب، ومن يحقق بصورة مستقلة عندما يخرج محتجز مصابًا أو جثمانًا.

 

وفي النهاية، تضع هذه الوقائع وزارة الداخلية وأجهزتها، وفي مقدمتها قطاع السجون وأقسام الشرطة وجهاز الأمن الوطني، في قلب الاتهامات الحقوقية المتعلقة بالتعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي؛ وهي اتهامات لن تحسمها إلا رقابة مستقلة حقيقية، ووصول غير مقيد للمحامين والأسر والجهات الحقوقية، وتحقيقات تسمح للضحايا والشهود بتقديم شهاداتهم وتحاسب أي مسؤول تثبت مسؤوليته، بدل أن تظل الجدران هي الطرف الوحيد الذي يعرف ما جرى خلفها.