تتجه الحكومة إلى إعادة هيكلة منظومة الدعم التمويني في مصر اعتبارًا من يناير 2027، وفق التصور المتداول حاليًا، عبر تخصيص رصيد يصل إلى 325 جنيهًا شهريًا للفرد على بطاقة التموين بدلًا من الدعم العيني، بما ينقل المواطن إلى شراء الخبز والسلع بأسعار أقرب إلى الأسعار الحرة، ويجعل قيمة ما يحصل عليه مرتبطة مباشرة بحركة السوق.
ويأتي التحول في وقت تتحمل فيه الأسر المصرية بالفعل ضغوطًا متراكمة من ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والنقل والخدمات، ما يجعل القضية أبعد من مجرد تغيير تقني لطريقة صرف الدعم؛ إذ يصبح السؤال الأساسي هو ما إذا كانت القيمة النقدية ستظل قادرة فعلًا على شراء الاحتياجات التي كان الدعم العيني يوفر جزءًا منها.
ولا تزال قيمة الـ325 جنيهًا نفسها ضمن تصور غير معلن بقرار حكومي تنفيذي نهائي؛ إذ جاءت في تصريحات هشام الدجوي، رئيس شعبة البقالة بغرفة الجيزة التجارية، الذي توقع تخصيص هذا المبلغ، بينما تؤكد التحركات الحكومية رسميًا استمرار تطوير آلية الدعم ومشروع «كاري أون» دون نشر قرار نهائي حتى الآن يحدد القيمة والقواعد التنفيذية كاملة.
وبحسب التصور الذي عرضه الدجوي، يتوزع المبلغ إلى 225 جنيهًا للخبز و100 جنيه للسلع التموينية، على أساس احتساب خمسة أرغفة يوميًا للفرد بسعر 1.5 جنيه للرغيف، مع منح صاحب البطاقة مساحة لإعادة توزيع الرصيد بين الخبز والسلع وفق احتياجات أسرته.
ويمثل جزء السلع زيادة اسمية عن النظام الحالي الذي يمنح الفرد 50 جنيهًا شهريًا لشراء السلع التموينية، لكن المقارنة لا تكتمل بمجرد مضاعفة المخصص إلى 100 جنيه، لأن التصور نفسه يقوم على إنهاء السعر المدعم لعدد من المنتجات وطرحها بأسعار أعلى.
فوفق تقديرات التجار المشاركين في المناقشات، قد يرتفع كيلو السكر من 12.60 إلى نحو 25 جنيهًا، بينما تنتقل زجاجة الزيت من نحو 30 إلى 60 جنيهًا، أي أن مضاعفة قيمة الدعم السلعي تتزامن تقريبًا مع مضاعفة أسعار سلع أساسية، بما يثير تساؤلًا حول مقدار التحسن الحقيقي في القوة الشرائية للمستفيد.
قيمة ثابتة أمام تضخم متجدد
وتزداد أهمية هذا السؤال مع استمرار الضغوط التضخمية؛ فقد أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن التضخم السنوي في المدن المصرية ارتفع إلى **14.9% خلال يوليو 2026** مقابل 14.3% في يونيو، بينما سجل التضخم الأساسي 14.7% وفق البنك المركزي.
وحذر الدكتور مدحت نافع، أستاذ التمويل والاستثمار وعضو لجنة الاقتصاد الكلي الاستشارية لمجلس الوزراء، في تصريحات بتاريخ 8 يونيو 2026، من أن كفاءة الدعم النقدي لا تلغي ضرورة تحصينه ضد التضخم، مؤكدًا أهمية مراجعة قيمته وتعويض المستفيدين عن ارتفاع الأسعار حتى لا تتراجع قدرته الشرائية بمرور الوقت.
وهنا تظهر إحدى نقاط الضعف الأساسية في أي مبلغ ثابت: فـ325 جنيهًا قد تبدو أعلى رقميًا من المخصصات الحالية، لكن قيمتها الاقتصادية لا تقاس بعدد الجنيهات وإنما بحجم الغذاء والخبز والسلع التي تستطيع شراءها، وهو حجم يمكن أن يتراجع سريعًا إذا ارتفعت الأسعار بينما ظل الدعم ثابتًا.
وتصبح المخاطرة أكبر لأن جزءًا كبيرًا من المنظومة الجديدة يقوم على تحويل الدعم من حماية سعر السلعة إلى حماية دخل المستهلك؛ فإذا ارتفع سعر السلعة ولم يرتفع الرصيد بالقوة نفسها، تنتقل الزيادة مباشرة إلى الأسرة بدلًا من أن تتحمل الدولة الجزء الأكبر منها داخل سعر مدعم ثابت.
ويقدم سعر الدواجن مثالًا واضحًا على هذه الفجوة؛ فإذا تراوح سعر الكيلو داخل المنافذ بين 100 و110 جنيهات، فإن كامل المخصص السلعي للفرد، البالغ 100 جنيه في التصور الحالي، قد لا يكفي وحده لشراء كيلو واحد، قبل احتساب الزيت والسكر والحبوب والبيض وغيرها.
أما الأسرة المكونة من أربعة أفراد، فيقدر إجمالي رصيدها بنحو 1300 جنيه شهريًا وفق التصور المتداول، وهو رقم أكبر ظاهريًا، لكنه سيغطي في الوقت نفسه احتياجات أربعة أشخاص من الخبز والسلع الأساسية طوال شهر كامل.
وتخطط وزارة التموين لتوسيع السلة المتاحة لتشمل اللحوم والدواجن والبيض والحبوب واللبن والعدس والفول والشاي وغيرها، وهو توسع يمنح الأسر اختيارات أكثر، لكنه لا يضمن وحده قدرتها على شراء هذه الأصناف إذا لم تتناسب قيمة الرصيد مع الأسعار الفعلية.
لذلك تصبح آلية تحديث قيمة الدعم أهم من القيمة الابتدائية نفسها؛ إذ إن تثبيت 325 جنيهًا لفترة طويلة سيجعل التضخم يؤدي عمليًا وظيفة خفض الدعم عامًا بعد آخر، حتى إذا لم تعلن الحكومة رسميًا تخفيض أي جنيه منه.
حرية الاختيار تحت ضغط أسعار محررة
ويرتبط التحول بمشروع «كاري أون» الذي تعمل وزارة التموين على تطويره باعتباره جزءًا من إعادة هيكلة المنافذ التموينية، مع اتجاه لتحويل عشرات الآلاف من منافذ البدالين إلى نموذج أكثر اتساعًا في عرض السلع وإدارتها إلكترونيًا.
وبحثت الوزارة بالفعل في يونيو الماضي مع شركة «إي فاينانس» تطوير البنية التكنولوجية اللازمة للمشروع، كما عقد وزير التموين اجتماعات مع ممثلي شعبة المواد الغذائية وبدالي التموين و«جمعيتي»، ما يؤكد أن إعادة تصميم شبكة التوزيع ليست مجرد مقترح إعلامي وإنما مسار تنفيذي قائم.
لكن وصف النظام بأنه «دعم نقدي» قد يكون مضللًا إذا فُهم باعتباره أموالًا حرة في يد المواطن؛ فالتصور المطروح أقرب إلى دعم شبه نقدي أو رصيد سلعي موجه يوضع على بطاقة أو كارت ويستخدم داخل شبكة محددة من المنافذ والسلع، وليس مبلغًا يمكن سحبه وإنفاقه بلا قيود.
ومن جانبه، شدد الدكتور فخري الفقي، مساعد مدير صندوق النقد الدولي السابق، في يونيو 2026، على أن قيمة الدعم ينبغي ألا ترتبط برقم جامد، داعيًا إلى ربطها بمؤشرات أسعار السلع الأساسية حتى تحافظ على القوة الشرائية للمستفيدين بدل الاكتفاء بمتابعة معدل التضخم العام.
وطالب الفقي كذلك بوجود حوكمة ورقابة فعالة عند تنفيذ التغييرات، بما يضمن وصول المساندة إلى المستحقين ومنع التشوهات السعرية، وهي نقطة تكتسب أهمية أكبر عندما تصبح السلع داخل المنظومة خاضعة لتسعير أقرب إلى السوق بدل السعر التمويني التقليدي.
فحرية المواطن في الاختيار تصبح محدودة القيمة إذا كانت الأسعار التي يواجهها ترتفع أسرع من الرصيد المتاح؛ إذ ينتقل جوهر السياسة من سؤال «كم كيلو يحصل عليه المواطن؟» إلى سؤال «كم يستطيع شراءه بالقيمة المقررة؟»، وهو فارق حاسم في تقييم العدالة الاجتماعية للمنظومة.
وبحسب التصور المتداول، ستشارك وزارتا التموين والزراعة وجهاز مستقبل مصر في متابعة منظومة الإمداد والأسعار، مع الاتجاه إلى مراجعة أسعار المنتجات دوريًا بحسب تغير تكاليف الإنتاج والأسواق المحلية والعالمية، وهي مراجعة ستكون أكثر حساسية بعد تحرير أسعار السلع التموينية.
غير أن مراجعة سعر السلعة وحده كل ثلاثة أشهر لا تكفي لحماية المستفيد إذا لم تقابلها آلية مماثلة لمراجعة قيمة الرصيد؛ فرفع سعر منتج على البطاقة مع بقاء الدعم ثابتًا يعني ببساطة انخفاض الكمية التي يستطيع المواطن الحصول عليها.
كما أن اعتماد جانب من السلع على الشركات التابعة للدولة والمشروعات الإنتاجية لجهاز مستقبل مصر قد يدعم الإمدادات، لكنه يضع أيضًا مسؤولية إضافية على الحكومة لإعلان أسس التسعير وهوامش الربح ومستويات المخزون بصورة شفافة، حتى يمكن تقييم ما إذا كانت الأسعار المقدمة للمستفيدين أقل فعلًا من السوق.
الاستهداف الجديد يضغط قاعدة المستفيدين
ويتزامن تغيير شكل الدعم مع نقاش حكومي أوسع بشأن تنقية قواعد المستفيدين، وسط تقديرات بخفض أعداد المقيدين على البطاقات مقارنة بالمستويات السابقة، ما يعني أن القضية لا تتعلق فقط بطريقة صرف الدعم وإنما أيضًا بمن سيظل داخل المنظومة ومن سيخرج منها.
ويشير هذا المسار إلى أن أي تقييم لزيادة المخصص إلى 325 جنيهًا يجب ألا ينفصل عن معايير الاستحقاق؛ لأن تحسين القيمة للفرد المتبقي قد يتزامن في المقابل مع استبعاد أسر أخرى، وهو ما يجعل أثر الإصلاح الاجتماعي مرتبطًا بدقة قواعد البيانات وإمكانية التظلم من قرارات الحذف.
وفي هذا السياق، قال الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب، في يونيو 2026، إن نجاح الانتقال إلى الدعم شبه النقدي يعتمد على قاعدة بيانات دقيقة وتحديد قيمة تعكس احتياجات الأسرة وسلة غذائية متوازنة، مشددًا على أن النظام الجديد ينبغي أن يزيد كفاءة وصول الموارد إلى المستحقين لا أن يقتصر على تغيير وسيلة الصرف.
ويبقى الاختبار الحقيقي للمنظومة قبل يناير 2027 في إجابة الحكومة عن أسئلة لم تُحسم رسميًا بعد: هل ستثبت الـ325 جنيهًا أم تربط بالأسعار؟ وما قواعد الاستبعاد والتظلم؟ وكيف ستُراجع الأسعار؟ ومن يراقب المنافذ؟ وهل ستصدر ضمانات تمنع التضخم من ابتلاع قيمة الدعم؟ فبدون إجابات تنفيذية واضحة، قد يتحول الانتقال من دعم السلعة إلى دعم الجنيه من إصلاح يستهدف تقليل الهدر إلى نقل مخاطر ارتفاع الأسعار من الموازنة العامة مباشرة إلى جيوب الأسر.

