رفضت محكمة بريستون الملكية في بريطانيا، الجمعة 21 أغسطس 2026، اعتبار جريمة إتلاف ممتلكات ارتكبها خمسة نشطاء مؤيدين لفلسطين ذات «صلة إرهابية»، لتنتهي محاولة تطبيق قواعد أشد عند تحديد عقوبتهم، مع بقاء إدانتهم الجنائية قائمة وانتظار صدور الأحكام بحقهم في 4 سبتمبر المقبل.
ويضع الحكم قضية تتجاوز مصير خمسة متظاهرين أمام المجتمع البريطاني، إذ يثير سؤالًا حول المسافة التي يمكن أن تقطعها قوانين مكافحة الإرهاب داخل المجال السياسي والاحتجاجي، خصوصًا عندما تنتقل أفعال إتلاف الممتلكات من نطاق القانون الجنائي التقليدي إلى احتمال معاملتها باعتبارها مرتبطة بالإرهاب.
والأدق قانونيًا أن المحكمة لم «تبرئ» النشطاء من اتهام إرهابي؛ فهم لم يُدانوا أصلًا بجريمة إرهاب، وإنما أدانتهم هيئة محلفين في يونيو 2026 بجريمة إتلاف ممتلكات، قبل أن يُثار لاحقًا احتمال إضافة «صلة إرهابية» إلى الجريمة في مرحلة تحديد العقوبة.
وتعود الواقعة إلى 5 أغسطس 2024، عندما حطم النشطاء نوافذ فرع لبنك باركليز في شارع سانت جيمس بمدينة بيرنلي في لانكشاير ورشوا واجهته بالطلاء الأحمر، في احتجاج استهدف علاقات البنك المالية بشركة «إلبيت سيستمز» الإسرائيلية للصناعات العسكرية.
وقدرت الأضرار التي لحقت بالفرع بنحو 212 ألف جنيه إسترليني، وهو رقم يؤكد أن الواقعة لم تكن مجرد مخالفة رمزية بسيطة، ويبرر التعامل معها كجريمة إتلاف خطيرة، لكنه لا يحسم وحده السؤال المختلف تمامًا حول توافر الشروط القانونية لوصفها بأنها مرتبطة بالإرهاب.
المحكمة ترسم حدود وصف الإرهاب
قضى القاضي روبرت ألثام، مسجل بريستون، بعدم انطباق المادة 69 من قانون إصدار الأحكام لعام 2020 على القضية، معتبرًا أن حجم الضرر، رغم أهميته، لا يصل إلى مستوى «الضرر الجسيم» المطلوب في هذه الواقعة لتطبيق تعريف الإرهاب.
وأوضح ألثام أن الضرر لم يكن مماثلًا في حجمه لهجمات أخرى، كما أن الهدف لم يكن منشأة حساسة مثل موقع تابع لشركة أسلحة، وهي عناصر فرّق بها القاضي بين إتلاف فرع مصرفي وبين وقائع أخرى سبق للمحاكم أن بحثت صلتها بالإرهاب.
وتنص المادة 69 على أنه إذا وجدت المحكمة «صلة إرهابية» في جريمة غير إرهابية، فعليها اعتبار هذه الصلة عاملًا مشددًا للعقوبة وإعلان ذلك في جلسة علنية، فيما وسعت تعديلات 2021 نطاق الجرائم غير الإرهابية التي يتعين بحث وجود تلك الصلة فيها.
وهنا تكمن حساسية القضية: القانون يسمح من حيث المبدأ بفحص الصلة الإرهابية حتى عندما لا تكون التهمة نفسها جريمة إرهاب، لكن الخلاف يدور حول حدود استخدام هذه الآلية، وما إذا كان تطبيقها على احتجاجات سياسية تنطوي على إتلاف ممتلكات يمدد مفهوم الإرهاب إلى مساحة أوسع من الغرض المعتاد للقوانين الاستثنائية.
وقال المحامي الجنائي البريطاني **راج تشادا**، من مكتب Hodge Jones & Allen الذي مثّل عددًا من نشطاء «فلسطين أكشن»، إن استخدام أحكام «الصلة الإرهابية» بهذه الطريقة «غير معتاد جدًا»، مشيرًا إلى أنها ظهرت حديثًا بصورة لافتة في قضايا مرتبطة بالمجموعة.
ولفت تشادا إلى أن الوقائع المنسوبة إلى هؤلاء النشطاء سبقت حظر «فلسطين أكشن»، وأن الحالة المعروفة لديه لاستخدام هذه الآلية ضد جماعات العمل المباشر كانت قضية نشطاء «فيلتون»، وهي ملاحظة تعزز المخاوف بشأن نقل آليات مكافحة الإرهاب إلى قضايا احتجاج سياسي.
كما أن النشطاء الخمسة لم يكونوا يعلمون أثناء محاكمتهم أن إدانتهم بإتلاف الممتلكات يمكن أن يعقبها بحث معاملتهم في العقوبة على أساس «صلة إرهابية»، ولم تكن هيئة المحلفين التي أصدرت أحكام الإدانة قد أُبلغت بهذا الاحتمال.
خبراء يحذرون من توسيع التعريف
تكشف القضية كذلك إشكالية أقدم في التشريع البريطاني، إذ لا يحصر تعريف الإرهاب في الاعتداءات على الأشخاص، بل يسمح بأن يدخل «الضرر الجسيم للممتلكات» ضمن التعريف إذا توافرت شروط أخرى، منها الهدف السياسي أو الأيديولوجي والسعي للتأثير في الحكومة أو ترهيب الجمهور.
وبحث الأكاديمي البريطاني **إيان تيرنر**، المتخصص في حقوق الإنسان والأمن بكلية القانون والشرطة في جامعة لانكشاير، هذه المسألة تحديدًا في دراسة أكاديمية منشورة عام 2026 حول تعريف الإرهاب وحظر «فلسطين أكشن».
ويرى تيرنر أن خصوصية حظر المجموعة تكمن في أن نمط عملها يقوم أساسًا على الاحتجاج المباشر وإتلاف الممتلكات، وليس الالتزام باستخدام العنف ضد الأشخاص، متسائلًا عما إذا كان مجرد إدخال الضرر الجسيم بالممتلكات في تعريف الإرهاب قد جعل نطاق القانون البريطاني أوسع مما ينبغي.
ولا يعني هذا الطرح تبرير تحطيم الممتلكات؛ فالتمييز الضروري هو بين الاعتراف بأن الفعل جريمة تستوجب المحاسبة، وبين منحه صفة «إرهابية» تحمل آثارًا عقابية وقانونية أشد كثيرًا، وهو تحديدًا الخط الذي أعاد حكم بريستون رسمه في هذه القضية.
وكانت الحكومة البريطانية قد حظرت «فلسطين أكشن» بموجب قانون الإرهاب في يوليو 2025، أي بعد نحو عام من واقعة فرع باركليز في بيرنلي، وبالتالي لم تكن المجموعة منظمة محظورة عندما نفذ النشطاء احتجاجهم في أغسطس 2024.
وتزداد أهمية هذا التسلسل الزمني لأن إدخال وصف ذي صلة بالإرهاب على فعل سابق للحظر يمكن أن يعطي لدى الرأي العام انطباعًا بأن الوضع القانوني اللاحق للمجموعة يجري إسقاطه على نشاط وقع قبل اتخاذ قرار الحظر، رغم أن المحكمة مطالبة قانونًا بتقييم الفعل نفسه وفق شروط محددة.
وفي المقابل، لا يلغي الحكم حقيقة أن القانون البريطاني يجيز للمحاكم أصلًا بحث الصلة الإرهابية في جرائم عادية تتجاوز عقوبتها القصوى عامين إذا ظهر أنها ارتكبت في سياق عمل إرهابي أو لأغراضه، ما يجعل الجدل متعلقًا بتفسير الحدود أكثر من كونه جدلًا حول وجود السلطة القانونية من أساسها.
الحكم يعيد سؤال حرية الاحتجاج
ويمتد النقاش إلى تجربة قضائية قريبة شهدتها بريطانيا في يونيو الماضي، عندما جرى تطبيق «صلة إرهابية» عند إصدار الأحكام على أربعة نشطاء من «فلسطين أكشن» أدينوا في قضية إتلاف ممتلكات داخل موقع لشركة «إلبيت سيستمز» قرب بريستول.
وقبل صدور تلك الأحكام، حذر المحامي البريطاني البارز في حقوق الإنسان مايكل مانسفيلد كيه سي من أن إعادة تصنيف طبيعة الجريمة في مرحلة العقوبة رغم عدم إدانة هيئة المحلفين للمتهمين بجريمة إرهابية تمثل، في تقديره، تهديدًا لمبادئ قانونية أساسية.
وقال مانسفيلد في سياق قضية «فيلتون» إن المبدأ الأساسي هو ألا يُدان شخص بجريمة قانونية لم توجه إليه كتهمة، واعتبر أن توسيع وصف الإرهاب بعد المحاكمة يثير مشكلة في ضمانات المحاكمة العادلة؛ وهي انتقادات تكتسب صلة مباشرة بالجدل الذي ظهر لاحقًا حول «خمسة باركليز».
ورحبت منظمة العفو الدولية في بريطانيا بحكم بريستون، وقالت رئيستها التنفيذية كيري موسكوجيوري إن استخدام سلطات مكافحة الإرهاب ضد أنشطة الاحتجاج المباشر ما كان ينبغي النظر فيه بهذه الصورة، مطالبة بوقف ما وصفته بإساءة استخدام الصلاحيات الواسعة لمكافحة الإرهاب ضد المحتجين.
غير أن الحكم لا يمنح النشطاء حصانة من المسؤولية الجنائية ولا يحول تخريب الممتلكات إلى فعل مشروع؛ فالخمسة ما زالوا مدانين، وستقرر المحكمة في 4 سبتمبر العقوبات المناسبة لجريمة إتلاف الممتلكات التي تجاوزت خسائرها 200 ألف جنيه إسترليني.
وبذلك يصبح جوهر القضية أقل ارتباطًا بالسؤال عما إذا كان الاحتجاج السياسي يسمح بكسر النوافذ وإتلاف الممتلكات، وهو أمر حسمته هيئة المحلفين بالإدانة، وأكثر ارتباطًا بالسؤال عما إذا كان ينبغي أن تتحول جريمة احتجاجية ذات دافع سياسي إلى ملف إرهاب بسبب هذا الدافع ذاته.
ويرسم قرار القاضي ألثام، في هذه الحدود، حاجزًا مهمًا بين معاقبة العمل غير القانوني وتوسيعه إلى وصف إرهابي؛ حاجز تزداد أهميته في مناخ بريطاني تتداخل فيه حرب غزة، وحرية التظاهر، وحظر «فلسطين أكشن»، وتشديد قوانين الاحتجاج ومكافحة الإرهاب.
وتبقى القضية اختبارًا أوسع للقضاء البريطاني: فالدولة تملك حق حماية الممتلكات وملاحقة من يتلفها، لكن تحويل قوانين الإرهاب إلى مظلة تلاحق تحتها أشكال الاحتجاج السياسي يفرض معيارًا أشد صرامة، لأن الخلط بين الجريمة والاحتجاج والإرهاب لا يرفع العقوبة فقط، بل قد يعيد تعريف حدود المعارضة السياسية نفسها.

