كشفت وثائق داخلية منسوبة إلى هيئة المحطات النووية المصرية ومراجعات لشركة روساتوم عن عيوب إنشائية طالت وحدات محطة الضبعة الأربع في مطروح، مع تقدير بتأخر تشغيل الوحدة الأولى 18 شهراً، بما يفتح ملف السلامة والرقابة ودقة نسب الإنجاز.

 

ويضع تضارب هذه المعطيات مع الخطاب الحكومي المصري المشروع أمام أزمة ثقة تتجاوز الخلاف الفني، لأن أي خلل في منشأة نووية ممولة بمليارات الدولارات يعني أن المواطنين قد يتحملون كلفة التأخير والإصلاح بينما تبقى تفاصيل العقود والمحاسبة بعيدة عن الرقابة.

 

 

عيوب تضرب منظومة التنفيذ

 

وبحسب التحقيق المنشور استندت الاتهامات إلى رسالة سرية مؤرخة في 4 يونيو وموجهة إلى مسؤول تنفيذي في روساتوم، تحدثت فيها الهيئة المصرية عن عيوب بوحدات المفاعلات ومخالفات لثقافة السلامة النووية، إلى جانب اتهام مسؤول بالإهمال المتعمد.

 

وتوضح الوثائق أن المشكلات شملت فراغات خلف الكسوة المعدنية في الوحدة الرابعة وعيوباً في بلاطات أساس الوحدات الأولى والثانية والثالثة، وهي إصلاحات قيل إنها استغرقت نحو عام، فضلاً عن عيوب في الجدار الأسطواني لمبنى المفاعل الرابع.

 

كذلك تضمنت المراسلات اتهامات باستخدام تصاريح مزورة وانتحال هويات للدخول غير المصرح به إلى الموقع، ورصد مشروبات كحولية محظورة وتصوير أعمال الإنشاء ونشرها، وهي وقائع تمس الانضباط الأمني في موقع يفترض أن تحكمه قواعد شديدة الصرامة.

 

في المقابل تحدثت الرسالة عن إصابة عامل بكسر مفتوح شديد ثم نقله بسيارة خاصة بدلاً من سيارة إسعاف مجهزة، مع اتهام بأن الإجراء استهدف إخفاء الحادث، ما يحول الواقعة من مخالفة مهنية إلى اختبار لثقافة الإبلاغ والمساءلة.

 

ومن زاوية هندسية يقول الخبير النووي علي عبد النبي، نائب رئيس هيئة المحطات النووية الأسبق، إن ظهور عيوب خرسانية ممكن في المشروعات الكبرى، لكن الحاسم هو اكتشافها وإصلاحها واعتمادها رقابياً قبل السماح بالانتقال إلى المرحلة التنفيذية التالية.

 

وبينما يدافع عبد النبي عن قدرة منظومة الفحص على احتواء العيوب، فإن منطقه نفسه يرفع سقف الأسئلة، لأن وجود الملاحظة ليس القضية وحدها، بل توقيت اكتشافها وحجم إعادة العمل وكلفتها والجهة التي تحملتها وما إذا كان الأثر موثقاً بالكامل.

 

إلا أن روساتوم نفت أن تكون الاتهامات قد ثبتت ضمن الإجراءات التعاقدية والفنية والرقابية المعتمدة، وقالت إنها تلتزم بأعلى معايير السلامة، فيما أكدت الجهات المصرية أن حالات عدم المطابقة أثناء البناء لا تعني بذاتها وجود تهديد لأمان المحطة.

 

وعليه فإن النزاع الحقيقي لا يدور حول إمكان ظهور ملاحظة إنشائية فقط، وإنما حول شفافية سجل العيوب وقرارات الإصلاح ونتائج الاختبارات اللاحقة، وهي معلومات لا يجوز اختزالها في بيانات تطمين عامة عندما يتعلق الأمر بمنشأة نووية طويلة العمر.

 

 

الجدول الزمني تحت الشك

 

بالتوازي كشفت مراجعة داخلية أعدتها روساتوم في 2025 عن خطر كبير يتعلق بعدم الوفاء بالالتزامات التعاقدية، وقدرت أن الجدول الأولي للوحدة الأولى قد ينزلق من سبتمبر 2028 إلى مارس 2030، أي بتأخير يقارب 18 شهراً.

 

ووفقاً لما أعلنته الحكومة المصرية كان المستهدف أن تبدأ الوحدة الأولى إنتاج الكهرباء خلال 2028، وأن تكتمل المفاعلات الأربعة بحلول 2030، وهو ما يجعل تقدير التدقيق الداخلي مختلفاً جوهرياً عن الصورة التي قدمتها التصريحات الرسمية للرأي العام.

 

في حين تؤكد هيئة المحطات النووية استمرار التنفيذ وفق الجداول المعتمدة، فإن مجرد وجود تقدير داخلي مختلف لدى المقاول يستوجب نشر جدول محدث يوضح المسار الحرج ونسب الإنجاز الحقيقية وأسباب الانحراف ومن يتحمل تبعات أي تمديد زمني إضافي.

 

ومن ثم تصبح اتهامات استخدام أساليب مضللة وأعمال وهمية لإظهار تجاوز نسبة الإنجاز 50 بالمئة أخطر من مجرد خلاف في التقدير، لأنها تمس العلاقة بين التقارير المرفوعة والعمل المنفذ فعلياً، وقد تمتد آثارها إلى الدفعات والتكاليف والرقابة.

 

فوق ذلك فإن أي تأخير في مشروع بهذا الحجم لا يقتصر على موعد دخول الكهرباء إلى الشبكة، بل يمكن أن يضيف مصروفات تمويل وإدارة وإعادة أعمال، ويؤجل العائد المتوقع من أصل استثماري تتحمل الدولة التزاماته لسنوات طويلة.

 

على الجانب الفني شدد الخبير كريم الأدهم، الرئيس الأسبق لمركز الأمان النووي، في تصريحات سابقة عن الضبعة على أهمية وعاء المفاعل ومكونات الأمان، وهو ما يبرز أن جودة التنفيذ الفعلي لا تقل حساسية عن سلامة التصميم النظري نفسه.

 

ومع اتساع الجدل إلى أوروبا تكتسب الوقائع بعداً إضافياً لأن مشروع باكس الثاني في المجر يستخدم التكنولوجيا الروسية ذاتها، ما يجعل أداء روساتوم في الضبعة مادة رقابية تتجاوز مصر وتؤثر في تقييم الثقة بقدرتها على تنفيذ مشروعات نووية خارج روسيا.

 

لهذا لا يكفي الرد بأن تصميم المفاعل من جيل متقدم أو أن جهات دولية تتابع محطات رئيسية في المشروع، لأن الجدل الحالي يتركز على إدارة الإنشاءات والسجلات والانضباط والتوثيق، وهي ملفات تحتاج إجابات تفصيلية قابلة للفحص لا مجرد شهادات عامة.

 

 

الرقابة المالية في الواجهة

 

اقتصادياً يثير أي اختلاف بين نسبة الإنجاز المعلنة والحالة الفعلية للموقع سؤالاً مباشراً حول آلية صرف المستحقات، وما إذا كانت الدفعات ترتبط بمراحل إنجاز قابلة للقياس والتحقق، ومن يراجع مستندات القبول قبل تحميل الخزانة المصرية أي التزام مالي.

 

وبناء على ذلك تصبح تكلفة إصلاح العيوب محوراً لا يقل أهمية عن العيب نفسه، إذ يجب تحديد ما إذا كان المقاول الروسي تحمل إعادة الأعمال بالكامل، أم انتقلت أجزاء من الكلفة إلى المالك المصري مباشرة أو ضمن تعديلات زمنية وتعاقدية.

 

فضلاً عن ذلك فإن القرض الروسي الذي يمول النسبة الأكبر من المشروع يجعل التأخير مسألة مرتبطة بالدين أيضاً، لأن تمديد زمن التنفيذ قد يغير حسابات الفائدة والتدفقات النقدية وتوقيت بدء السداد، بما يفرض شفافية كاملة في أي تعديلات مالية.

 

ومن الناحية التعاقدية لا تثبت الوثائق المتاحة وجود فساد مالي أو جنائي، لكن اتهاماً بتضخيم نسب الإنجاز أو إخفاء حادث أو تكرار عيوب إنشائية يبرر طلب تدقيق مستقل يفصل بين سوء الإدارة والمخالفة التعاقدية وأي شبهة تستوجب التحقيق الجنائي.

 

أما رقابياً فقد شدد الخبير النووي إبراهيم العسيري، كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأسبق، في مواقف سابقة على أن الشفافية ضرورية في مشروع الضبعة، وانتقد حجب المعلومات، وهو مبدأ يزداد وزناً مع ظهور وثائق داخلية متعارضة.

 

وفي هذا السياق يصبح نشر نتائج الفحوص والاختبارات غير الحساسة أمنياً خطوة ضرورية لاستعادة الثقة، إلى جانب بيان واضح بعدد حالات عدم المطابقة التي رصدت وكيف أغلقت، والمدة التي استغرقتها الإصلاحات، وما إذا ترتبت عليها مطالبات مالية إضافية.

 

ورغم أن هيئة الرقابة النووية والإشعاعية المصرية أكدت أن المشروع يخضع لرقابة صارمة وأنه لا يوجد ما يهدد أمان المفاعل، فإن قوة هذا النفي ستظل مرتبطة بقدر المعلومات الفنية المنشورة التي تسمح بمقارنة الادعاءات بنتائج التفتيش الفعلية.

 

وبالمحصلة لا تبدو القضية معركة بين رواية غربية ورواية روسية بقدر ما هي اختبار لقدرة مؤسسات الدولة المصرية على إثبات استقلال الرقابة، وإجبار المقاول على تحمل أخطائه، وكشف أثر التأخير على المال العام قبل انتقال المشروع إلى التشغيل.

 

لذلك يظل المطلوب تحقيقاً فنياً ومالياً مستقلاً يحدد من عرف بالعيوب ومتى، ومن وافق على الإصلاحات، ومن تحمل كلفتها، ولماذا اختلفت تقديرات الجدول الزمني، وما إذا كانت نسب الإنجاز والدفعات تعكس أعمالاً منفذة فعلياً يمكن التحقق منها.