يرى أنتونيتا كونتريراس، الكاتبة في سايكولوجي توداي، أن ما يبدو أحيانًا قوةً وقدرةً على الاحتمال قد يكون في الحقيقة طريقةً يتوقف بها دماغك عن مقاومة المشكلة، فيحوّل التجنّب إلى ما يشبه التحمّل. وتستند الفكرة إلى التمييز بين نوعين مختلفين من التعامل مع الظروف المزعجة: التحمّل السلبي الذي يخفي الإشارات المزعجة ويترك الوضع كما هو، والتحمّل النشط الذي يقوم على إدراك ما يحدث، وتقييم الخيارات، ثم اختيار الاستمرار عن قصد.
وتبدأ كونتريراس بقصة عميلة جاءت إلى جلسة علاجية بسبب خوفها من الطيران، لكن تفكيك هذا الخوف كشف أن الطائرة لم تكن مصدر القلق الحقيقي؛ فقد كانت المشكلة في سلسلة التفاصيل المحيطة بالرحلة، من الاستيقاظ فجرًا والذهاب إلى المطار، إلى طوابير تسجيل الوصول والتفتيش والصعود، وما يصاحب ذلك من غموض وانتظار.
عندما تخلط بين التحمّل والاستسلام
توضح كونتريراس أن كلمة «التحمّل» تُستخدم لوصف عمليتين مختلفتين تمامًا. فقد تجلس في زحام المرور، وتشغّل الموسيقى محاولًا إقناع نفسك بأن الأمور بخير، بينما يظل جسدك في حالة توتر مستمرة؛ يرتفع معدل ضربات قلبك، ويضيق نطاق انتباهك، وتتراجع قدرتك على التفكير في الخطوات التالية. ومع ذلك، قد تصف تجربتك لاحقًا بأنها كانت «عادية».
في السيارة المجاورة، قد تواجه الموقف نفسه، لكنك تتعامل معه بطريقة مختلفة. فإذا كنت ستتأخر عن العمل وطفلك يبكي في المقعد الخلفي، فقد تفكر في الاتصال مسبقًا، أو تقبل التأخر وتتعامل مع نتائجه، بدلًا من محاولة تجاهل شعورك بأنك عالق في الطريق. هنا لا يقتصر الأمر على تحمّل الموقف، بل يتضمن مواجهته وتوليد خيارات واتخاذ قرار بشأن ما يستحق التحمّل فعلًا.
وتقول الكاتبة إن الدماغ لا ينتظر وقوع الأحداث حتى يبدأ في الاستجابة لها؛ فهو يتنبأ بما سيحدث اعتمادًا على الخبرات التي خزّنها سابقًا. لذلك يصل التعليق الوقح أو التأخير أو أسبوع العمل الطويل محمّلًا مسبقًا بتوقعات حول ماهيته وكيف ينبغي التعامل معه.
ويكمن الفارق في تقدير ثانٍ يجريه دماغك: ليس فقط «ما مدى سوء هذا الموقف؟»، وإنما أيضًا «هل أستطيع أن أفعل شيئًا حياله؟». فإذا اعتقدت أن الأمر خارج سيطرتك تمامًا، فقد تحاول إسكات الإشارات الداخلية وإقناع نفسك بأنك تتحمّل، بينما يواصل جسدك استنزاف طاقته في الخلفية.
وتطلق كونتريراس على هذا النمط اسم «التحمّل السلبي»، وترى أنه ليس شكلًا من أشكال القوة، بل تجنّبًا تعلّم الظهور في صورة القوة، وهو ما يجعله أكثر صعوبة في اكتشافه.
كيف يظهر التحمّل السلبي في العلاقات والعمل؟
تلاحظ الكاتبة ظهور التحمّل السلبي بوضوح في العلاقات والعمل. فقد تتحمّل استخفاف شريكك بك لأنك ترى أن إثارة الأمر أكثر خطورة من ابتلاعه، وتصف ذلك بأنه «اختيار للمعارك». لكن ما يحدث فعليًا، بحسب التحليل، هو أنك حكمت مسبقًا على الحوار بأنه خاسر، فاخترت دفع ثمن تجنّبه بدلًا من مواجهته.
وقد تتحمّل وظيفة تستنزفك لأن رفض أي شيء فيها يبدو تهديدًا لمكانتك، فتطلق على سلوكك اسم «الاحترافية». وفي هذه الحالة، يصبح تقديرك لقيمتك الذاتية مرتبطًا بشخص أو مؤسسة قد لا تتوافق مصالحها مع مصالحك.
وينطبق الأمر نفسه على الصداقة المستنزفة؛ فقد يبدو إنهاء العلاقة أصعب من الاستمرار فيها، فتسمّي الاستمرار «وفاءً». لكن كونتريراس ترى أنك قد تكون في الحقيقة تؤجل مواجهة واحدة صعبة، وتدفع ثمنها على دفعات صغيرة ومتكررة.
وتكمن المشكلة في أنه لا يتغير شيئ في هذه الحالات؛ فلا تفحص الأسباب الكامنة، ولا تتغير الظروف، بينما يواصل جسدك حمل العبء. وتشير الكاتبة إلى ارتباط الضغط المزمن بتأثيرات في الذاكرة وبازدياد تفاعل الجهاز العصبي مع محفزات أصغر بمرور الوقت.
التحمّل النشط: أن تعرف لماذا تختار البقاء
لا تقلل كونتريراس من قيمة آليات التكيّف أو المحاولات التي تلجأ إليها للتعامل مع الظروف الصعبة. لكنها تقترح طريقة مختلفة لفهم التحمّل، تقوم على معرفة الآلية التي تستخدمها: هل هي عكاز يساعدك على العبور، أم قرار اخترته بوعي؟
يعني التحمّل النشط أن تستمر في موقف ما عن قصد ولأسباب تستطيع التعبير عنها، لا أن تخدّر مشاعرك حتى تتجنب النظر إلى المشكلة. والسؤال الأساسي هنا ليس ما إذا كان الموقف مزعجًا، وإنما ما إذا كنت تدرك أنه مزعج، وتقيّم تكلفته، ثم تختار تحمّله وأنت واعٍ بهذا الثمن.
ولهذا تقترح الكاتبة سؤالًا بسيطًا يمكنك أن تطرحه على نفسك: «هل تستطيع أن تقول لماذا اخترت البقاء؟»
فالقرار الحقيقي يحمل أسبابًا واضحة، بينما لا يحمل التحمّل السلبي قرارًا واعيًا؛ لأنه يقوم أساسًا على تجنّب النظر إلى ما يحدث.
وفي النهاية، تعيد كونتريراس تعريف القوة بعيدًا عن فكرة التوقف عن الشعور. فالقوة، في رأيها، لا تكمن في قدرتك على إخماد مشاعرك، وإنما في قدرتك على الشعور بها والاستمرار رغم وجودها عندما يكون الاستمرار اختيارًا حقيقيًا منك.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/traumatization-and-its-aftermath/202608/are-you-coping-with-a-problem-or-just-passively

