ضخ المستثمرون العرب والأجانب 134.4 مليون دولار صافي شراء في السوق الثانوية للدين الحكومي المصري خلال تعاملات الثلاثاء، لكن الدولار ارتفع بنحو 30 قرشا داخل البنوك، لتتبدد سريعا صورة الاستقرار التي تروجها الحكومة حول الجنيه.

 

ويكشف هذا التناقض مأزق إدارة الاقتصاد عبر اجتذاب رؤوس أموال سريعة تبحث عن العائد المرتفع، بينما تتحمل الأسر المصرية نتائج ضعف العملة في أسعار الغذاء والدواء والنقل، من دون انعكاس ملموس لمليارات الدولارات المتدفقة على مستوى معيشتها.

 

وفي التفاصيل، سجل الدولار أعلى سعر في بنك أبوظبي الإسلامي عند 50.52 جنيه للشراء و50.62 جنيه للبيع، بعدما كان يدور قرب مستويات أقل في الجلسات السابقة، ليفقد الجنيه جزءا من مكاسبه رغم عودة مشتريات المستثمرين الأجانب.

 

وبالتوازي، بلغ أقل سعر للدولار 50.40 جنيه للشراء و50.50 جنيه للبيع، بينما سجل لدى البنك المركزي 50.45 جنيه للشراء و50.58 جنيه للبيع، بما يؤكد أن موجة الصعود شملت السوق المصرفية ولم تقتصر على بنك منفرد.

 

ومن اللافت أن صافي مشتريات الثلاثاء جاء بعد شراء العرب والأجانب أدوات دين حكومية بقيمة 197 مليون دولار الاثنين، أي أن السوق استقبل أكثر من 331 مليون دولار خلال جلستين، بينما تحرك الجنيه في الاتجاه المعاكس.

 

 

أموال سريعة الهروب

 

وفي هذا السياق، حذر هاني جنينة، رئيس قسم البحوث بشركة الأهلي فاروس، من الطبيعة السريعة للأموال الساخنة، موضحا أن تحركاتها تتغير بقوة مع اضطراب الأسواق والأحداث الخارجية، ما يجعل الاعتماد عليها مصدرا للاستقرار المؤقت لا الدائم.

 

وبحسب قراءة جنينة، فإن تحسن الجنيه يرتبط باستمرار تدفقات النقد الأجنبي وهدوء الضغوط الخارجية، وهو ما يعني أن قوة العملة تظل معرضة للاهتزاز متى تغير اتجاه المستثمرين أو ارتفعت المخاطر التي تدفعهم إلى الخروج.

 

غير أن أرقام السوق نفسها تقدم مثالا واضحا على سرعة تبدل الاتجاه، بعدما سجلت تعاملات الخميس الماضي صافي بيع بلغ 163.7 مليون دولار، عقب أيام متتالية من المشتريات، قبل أن تعود التدفقات مجددا في بداية الأسبوع الحالي.

 

وقبل ذلك، سجل المستثمرون صافي شراء قدره 16.8 مليون دولار الأربعاء و90.7 مليون دولار الثلاثاء و140 مليون دولار الاثنين و3.3 مليون دولار الأحد، بما يرسم حركة شديدة التقلب لا تشبه موارد النقد الأجنبي المستقرة طويلة الأجل.

 

وعلى مستوى الشهر، خرج صافي 578 مليون دولار من تعاملات العرب والأجانب في الدين الحكومي خلال يوليو، وهو رقم يعيد التذكير بأن السيولة التي تدخل بسرعة بحثا عن الفائدة تستطيع المغادرة بالسرعة نفسها عند تغير الحسابات.

 

ومع ذلك، سجلت الأموال الساخنة صافي شراء يقارب 11 مليار دولار منذ بداية العام وحتى نهاية يوليو، وهو تدفق ضخم لم يمنع الدولار من العودة فوق 50 جنيها، بما يطرح تساؤلات حول حقيقة صلابة التحسن النقدي.

 

ومن ثم، لا تبدو القضية في حجم الدولارات الداخلة وحده، وإنما في نوعية تلك الدولارات وقدرتها على البقاء، إذ تختلف الاستثمارات التي تبني مصانع وتخلق صادرات عن الأموال التي تنتقل بين الأسواق بحثا عن أعلى عائد ممكن.

 

 

الجنيه تحت الضغط

 

وفي قراءة للمخاطر، قال الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح إن صافي الأصول الأجنبية والاحتياطيات يمنحان الاقتصاد قدرة على امتصاص الصدمات، لكنه حذر من أن استمرار الضغوط الخارجية قد يرفع التضخم ويدفع الدولار إلى مستويات أعلى.

 

وبحسب أبو الفتوح، فإن طول أمد الأزمات المحيطة بمصر قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين والطاقة، وهي عناصر تضغط مباشرة على الجنيه والأسعار، وتكشف أن وفرة بعض التدفقات المالية لا تعني انتهاء المخاطر التي تواجه سوق الصرف.

 

وعلاوة على ذلك، أظهرت تجربة الأشهر الماضية أن خروج المستثمرين من أدوات الخزانة يستطيع الضغط على العملة بسرعة، بعدما ساهمت عمليات بيع سابقة للدين المحلي في دفع الدولار من نحو 47 جنيها إلى أكثر من 52 جنيه، وفي المقابل، أدى عودة التدفقات لاحقا إلى تخفيف جزء من الضغوط، لكن جلسة الثلاثاء أظهرت أن العلاقة ليست آلية، فالمستثمرون يشترون الدين الحكومي بينما يرتفع الدولار، بما يعكس وجود طلب مواز على العملة الأميركية داخل الاقتصاد.

 

كما أن مصر تستخدم مشتريات الأجانب لأذون الخزانة في تمويل جانب من عجز الموازنة وتوفير دولارات لازمة لواردات أساسية مثل الغاز والقمح، وهو ما يزيد حساسية الاقتصاد لأي موجة خروج مفاجئة من تلك الاستثمارات.

 

وفوق ذلك، تستنزف فوائد الدين جزءا ضخما من الإنفاق الحكومي، ما يجعل جذب المستثمرين عبر عوائد مرتفعة عملية مكلفة للخزانة، حتى عندما توفر هذه الأموال سيولة دولارية تساعد مؤقتا في تهدئة سوق الصرف وتمويل الاحتياجات العاجلة.

 

وبهذا المعنى، يدفع المواطن تكلفة مزدوجة حين ترتفع فوائد الدين التي تلتهم موارد الموازنة، ثم يرتفع الدولار فينعكس على السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، بينما يظل الأثر المعلن لتدفقات المحافظ الأجنبية بعيدا عن تحسين دخله الحقيقي.

 

 

الاستثمار لا المضاربة

 

وفي رؤية أكثر ارتباطا بجذور الأزمة، قال عمرو الألفي، رئيس استراتيجيات الأسهم في ثاندر لتداول الأوراق المالية، إن الاستثمار الأجنبي المباشر يتفوق على الأموال الساخنة لأنه يبني قدرات إنتاجية ويخلق وظائف وموردا مستداما للعملة الأجنبية.

 

 

لا حل سوى الاتجاه للصناعة والتصدير

 

وبحسب الألفي، فإن الخروج من دائرة الاعتماد على التدفقات القصيرة يتطلب توجيه رأس المال نحو الصناعة الموجهة للتصدير، لأن زيادة الإنتاج والصادرات توفر دولارات ناتجة عن نشاط حقيقي، بدلا من دولارات مرتبطة بفروق أسعار الفائدة.

 

ومن ناحية أخرى، شدد الألفي على أن العلاج الهيكلي لمشكلة الدين لا يتمثل في البحث عن شروط اقتراض أفضل فقط، وإنما في تعديل العلاقة المختلة بين الإنتاج والاستهلاك وبناء قاعدة تصديرية قادرة على توليد النقد الأجنبي.

 

وبناء على ذلك، يصبح صعود الدولار الثلاثاء أكثر من حركة يومية عابرة، لأنه يكشف حدود النموذج الذي يحتفي بمليارات المحافظ الأجنبية باعتبارها شهادة ثقة، بينما يبقى سعر العملة معرضا للضغط عند أول تغير في الطلب أو المخاطر.

 

إضافة إلى ذلك، فإن انخفاض تكلفة التأمين على الديون السيادية المصرية لأجل 5 سنوات إلى نحو 2.65 بالمئة يعكس تحسنا في تقدير بعض المستثمرين للمخاطر، لكنه لم يكن كافيا لمنع ارتفاع الدولار في السوق المصرفية.

 

ولهذا، تبدو المفارقة أكثر وضوحا حين تتحسن مؤشرات الدين ويشتري الأجانب أدوات الحكومة، ثم يضعف الجنيه في الوقت نفسه، بما يعني أن استقرار سعر الصرف يحتاج مصادر نقد أجنبي أعمق من تدفقات المحافظ وحدها.

 

وفي المحصلة، لا يمكن اعتبار 11 مليار دولار من صافي المشتريات منذ بداية العام ضمانة دائمة لقوة الجنيه، ما دامت هذه الأموال قادرة على الانسحاب عند تغير العائد أو المخاطر، كما حدث مرارا خلال الأزمات السابقة.

 

وأخيرا، أظهر ارتفاع الدولار بنحو 30 قرشا رغم دخول 134.4 مليون دولار في جلسة واحدة أن المشكلة ليست نقص الأموال الساخنة، بل الاعتماد المفرط عليها بينما يتأخر بناء اقتصاد إنتاجي يولد الدولار من التصدير والاستثمار والعمل الحقيقي.