رصد أهالي حي مصر الجديدة انتشار أنشطة ومحلات غير مرخصة داخل 5 شوارع سكنية وتراثية بالقاهرة، مع امتداد الإشغالات من المرغني والكوربة إلى روكسي، ما أدى إلى زحام وضوضاء ومخاطر مرورية واحتكاكات يومية مع السكان.

 

ويكشف هذا المشهد فشلا ممتدا في إدارة المجال العام، إذ يتحمل السكان كلفة غياب الرقابة بينما تتوسع المصالح التجارية على حساب حقهم في الأمان والهدوء، وتتحول الشكاوى المتكررة إلى شاهد على عجز الأجهزة المحلية عن فرض القانون.

 

 

أنشطة تجارية تخنق السكن

 

وفي شارع المرغني، يقول السكان إن كثافة المطاعم والمقاهي ومحلات الملابس والأدوية تجاوزت قدرة المنطقة على الاستيعاب، فيما تمتد الأنشطة إلى محيط كباري العروبة والحرية، لتصبح الحركة اليومية أكثر ازدحاما وتزداد الضوضاء حتى ساعات متأخرة.

 

كذلك تنتشر أكشاك ومحلات فوق الأرصفة والجزر الفاصلة بين الطرق، وهو ما يدفع المارة إلى الاقتراب من مسارات السيارات السريعة، ويضاعف مخاطر العبور والوقوف والشراء، في بيئة تفتقر بحسب الشكاوى إلى تنظيم واضح ومستمر للإشغالات.

 

ومن داخل الشوارع السكنية، يشتكي الأهالي من تحول شفيق غربال ومفازة والسلحدار وعلي الروبي ودكتور جمعة إلى نقاط لتجارة الملابس بالجملة، بعدما تسللت مكاتب تجارية إلى عمارات مخصصة أصلا للسكن، مغيرة طبيعة المنطقة ووتيرة الحياة فيها.

 

وفوق ذلك، يقول السكان إن مناطق الميريلاند وإبراهيم اللقاني وبطرس غالي تشهد تمددا لمحلات البالة واستاندات الباعة على الأرصفة، بما يحاصر حركة المشاة ويصعب ركن السيارات ويخلق احتكاكات متكررة بين السكان والعاملين في تلك الأنشطة.

 

وبحسب شكاوى الأهالي، لم يعد الأمر مقتصرا على إشغال الطريق، إذ يتحدثون عن فرض إتاوات على بعض الشباب واعتداءات مرتبطة بأماكن انتظار السيارات، وهي اتهامات خطيرة تستدعي تحقيقا رسميا معلنا بدلا من تركها تتراكم بلا حسم.

 

وفي هذا السياق، سبق لخبير التخطيط العمراني محمود عبد الحي أن وصف انتشار المحال والمقاهي والباعة في مصر الجديدة بأنه انعكاس لغياب القانون، محذرا من تشويه الطابع التاريخي للحي ومن ضعف المحاسبة المحلية.

 

ومن ثم، فإن تحذير عبد الحي يكتسب دلالة مباشرة مع الشكاوى الحالية، لأن المشكلة لا تتعلق بنشاط تجاري منفرد، بل بإعادة تشكيل حي سكني وتراثي عبر تراكم قرارات وترخيصات وإشغالات من دون رؤية تحمي السكان والهوية العمرانية.

 

 

ضوضاء تهدد الحياة

 

وعلى مستوى الكوربة والسلحدار، يصف السكان المشهد بأنه بؤرة دائمة للضوضاء والدخان، مع مقاه وشيشة ومشاجرات وألفاظ مسيئة، مؤكدين أن الأثر تجاوز الإزعاج إلى تعطيل حياة الأسر وحركة المصلين وخلق شعور مستمر بعدم الأمان.

 

إلى جانب ذلك، تمثل أدخنة الشيشة والازدحام الليلي عبئا بيئيا وصحيا على الشوارع الضيقة والمباني القديمة، خصوصا عندما تتجاور الأنشطة التجارية الكثيفة مع النوافذ السكنية، من دون مسافات عازلة أو رقابة صارمة على مصادر الضوضاء والتلوث.

 

وفي تقدير الخبير البيئي مجدي علام، تعتمد مواجهة التلوث على الرصد الدقيق لمصادره وتحديد المناطق الأكثر تأثرا قبل وضع خطط للحد منه، وهو ما يبرز أهمية قياس الضوضاء والانبعاثات في المناطق المكتظة بالأنشطة.

 

وبناء على ذلك، فإن التعامل مع شكاوى الكوربة والميريلاند لا ينبغي أن يقتصر على حملات مؤقتة، بل يحتاج إلى قياسات معلنة للضوضاء وجودة الهواء، وربط نتائجها بتراخيص المقاهي وأوقات التشغيل ومسؤولية كل منشأة عن المخالفات.

 

وفي الوقت نفسه، يحذر السكان من انتشار التحرش وتعاطي المخدرات والتعديات على الصيدليات والأهالي في بعض النقاط، وهي روايات تحتاج إلى استجابة أمنية وقانونية موثقة، لأن تركها بلا تحقيق يزيد الشعور بأن المجال العام خرج من السيطرة.

 

 

زحام وفوضى مرورية

 

أما ميدان روكسي، فيواجه بحسب الأهالي اختناقات مرورية متكررة تضع المشاة والسائقين في مواجهة مباشرة مع حركة سيارات كثيفة، وسط مطالب بتركيب إشارات وتنظيم التقاطعات بما يقلل فرص الحوادث ويعيد للميدان قدرا من الانضباط.

 

ومن الناحية المرورية، يؤكد الخبير أحمد هشام في متابعته المستمرة لحركة القاهرة أهمية انتشار الخدمات المرورية والآليات لمراقبة السير والتعامل مع الاختناقات، وهي مقاربة تعزز مطلب السكان بوجود تنظيم دائم لا تدخلات موسمية.

 

وبالتالي، تبدو أزمة روكسي جزءا من خلل أكبر في إدارة التدفقات داخل مصر الجديدة، حيث تتقاطع حركة السيارات مع إشغالات الأرصفة والوقوف العشوائي والأنشطة التجارية، فتتحول أي زيادة في الكثافة إلى ضغط مباشر على سلامة المارة.

 

ومع اتساع الشكاوى، يصبح تركيب الإشارات وحده غير كاف إذا بقيت الأرصفة محتلة ومداخل الشوارع محاصرة بالباعة والسيارات المنتظرة، لأن الإدارة المرورية الفعالة تحتاج إلى تحرير مسارات المشاة وتطبيق قواعد الوقوف ومنع الإشغالات المؤثرة على الرؤية.

 

وفي المقابل، لا يمكن تحميل الباعة وحدهم مسؤولية الفوضى بينما تسمح بيئة رقابية ضعيفة باستمرار المخالفات وتوسعها، فالمشكلة الأساسية تكمن في جهاز محلي يفترض أن يراقب التراخيص والإشغالات ويمنع تحول المخالفة المؤقتة إلى واقع دائم.

 

لهذا، يطالب الأهالي بتدخل وزارة التنمية المحلية ومحافظة القاهرة بعد أن اعتبروا أن قدرات الحي لم تعد كافية، وهو طلب يعكس فقدان الثقة في قدرة الإدارة المحلية على حماية الشوارع التراثية والسكنية من التدهور المتسارع.

 

ومن زاوية عمرانية، تحمل مصر الجديدة قيمة تتجاوز أسعار العقارات أو كثافة الأنشطة، لأنها بنيت بطابع معماري وتخطيطي مميز، وهو ما يجعل تحويل الشوارع الداخلية إلى أسواق ومخازن ومكاتب جملة مساسا بوظيفة الحي وذاكرته معا.

 

وعليه، فإن حماية التراث لا تنفصل عن حماية الاستخدام السكني، لأن المبنى التاريخي يفقد جزءا من قيمته حين تحيط به الضوضاء والإعلانات والإشغالات، ويصبح السكان أنفسهم مدفوعين إلى الرحيل تحت ضغط النشاط التجاري المتواصل.

 

وبصورة أوسع، تكشف الأزمة تناقضا بين الخطاب الرسمي عن تحسين القاهرة وبين ما يصفه السكان يوميا من فوضى عند مستوى الرصيف والشارع، حيث لا تكفي مشروعات التطوير الكبرى إذا بقيت أبسط قواعد التنظيم غائبة في الأحياء.

 

ومع ذلك، لا تقدم الشكاوى المتداولة حصرا رسميا لعدد المحلات غير المرخصة أو وقائع الإتاوات والاعتداءات، ولذلك تبقى مسؤولية المحافظة والأجهزة المعنية إصدار بيانات واضحة بالأعداد والحملات والمحاضر والنتائج حتى يمكن تقييم حجم المشكلة بدقة.

 

وفي المحصلة، فإن استمرار الوضع من دون بيانات ومحاسبة يفتح الباب أمام مزيد من التوسع العشوائي، ويعني أن السكان سيواصلون دفع ثمن التلوث والزحام والخوف، بينما تتحول المخالفات تدريجيا إلى مصالح يصعب تفكيكها لاحقا.

 

وأمام هذا الواقع، يحتاج الحي إلى خطة معلنة تشمل مراجعة التراخيص وتوفيق الاستخدامات وتحرير الأرصفة وضبط المقاهي وتنظيم المرور وقياس الضوضاء، على أن تنشر نتائج التنفيذ دوريا حتى لا تتحول الحملات إلى مجرد استعراض قصير الأجل.

 

وأخيرا، فإن استغاثة سكان مصر الجديدة ليست مطالبة بامتيازات خاصة، بل دفاع عن حق أساسي في شارع آمن وسكن قابل للحياة وبيئة أقل تلوثا، وهو حق لا ينبغي أن يتوقف على قوة الشكوى أو نفوذ أصحاب المصالح.