يرى المعالج النفسي والكاتب إيرا أن الحياة الحديثة دخلت مرحلة يمكن وصفها بـ«ترف بلا فرح»، حيث يواصل الناس تحسين أجسادهم، ودخلهم، ومظهرهم، وأسلوب حياتهم، والسعي إلى الظهور بمظهر أكثر نجاحًا وجاذبية، لكنهم يظلون في النهاية غير راضين. ويشير إلى أن هذا السعي المحموم نحو «أفضل نسخة من الذات» قد يتحول إلى منافسة مستمرة تستنزف القدرة على الشعور بالفرح الحقيقي.
ويستند المقال إلى مفهوم صاغته ميشيل مندلسون وتشارلي تايسون لوصف حالة الضيق الخافتة التي تميز الحياة المعاصرة، والتي أطلقا عليها «الترف بلا فرح». ويربط المقال بين هذا المفهوم وثقافة تحسين الذات والمقارنة المستمرة بالآخرين، مؤكدًا أن السعادة لا تأتي بالضرورة من المال أو الإنجاز أو المظهر الخارجي.
«الترف بلا فرح».. حين يتحول تحسين الذات إلى منافسة
يقول إيرا إن خبرته الممتدة على مدار 20 عامًا في ممارسة العلاج النفسي الخاص علمته ما أثبتته دراسة هارفارد الطولية الشهيرة: جودة العلاقات الحميمة تتنبأ بالسعادة بدرجة أكبر من أي متغير آخر قاسه الباحثون، بما يتجاوز الدخل والإنجاز والمظهر الجسدي.
ويلتقي هذا الاستنتاج مع مفهوم «الترف بلا فرح»، الذي يصف أشخاصًا لا يتوقفون عن تحسين أنفسهم ودفع حياتهم إلى أقصى الحدود كي يبدوا أكثر أناقة وثراءً وجاذبية، لكنهم يظلون في نهاية المطاف غير راضين.
ويقول الكاتب إن المنافسة الكامنة وراء ثقافة تحسين الذات والسعي إلى الوصول إلى أقصى الإمكانات، سواء عبر اختيار أروع عطلة أو ارتداء أكثر القبعات رواجًا أو قيادة السيارة الأكثر فخامة أو اقتناء أحدث الأحذية والحقائب، تغذي المقارنة المستمرة.
ويضيف أن قياس الإنسان لنفسه بالآخرين، بل وبأفراد عائلته وأصدقائه أيضًا، يتحول إلى ما وصفه الرئيس الأمريكي السابق ثيودور روزفلت بأنه «لص الفرح».
وهكذا، بحسب إيرا، يعيش المجتمع حالة من الرفاهية المفرطة التي تظهر يوميًا على الشاشات، بينما يغيب الفرح الحقيقي. فقد تبدو الحياة مسطحة وخالية من المعنى، رغم الالتزام بالمشي 10 آلاف خطوة يوميًا، وتناول المكملات الغذائية، وحصد آلاف الإعجابات على وسائل التواصل الاجتماعي.
ويستعيد الكاتب عبارة سبق أن استخدمها قبل عشرة أعوام في كتابه «كيف تنجو من طفولتك الآن بعد أن أصبحت بالغًا»، حين قال إن «عناقًا واحدًا يساوي مليون إعجاب».
ويرى أن عيادته تستقبل أشخاصًا يحاولون الهروب من المنافسة المستمرة على استعراض نمط حياة حصري وناجح وجميل في المقاهي والصالات الرياضية، بينما يعانون في حياتهم اليومية من الوحدة.
ويقول إن المفارقة تكمن في أن كل هذا الترف يبدو فرديًا ومنعزلًا؛ فمحاولة أن يكون الإنسان «أفضل نسخة من نفسه» وأن «يعيش أفضل حياة ممكنة» قد لا تتجاوز، في أفضل الأحوال، تمركزًا حول الذات.
من تحسين الجسد إلى مراقبة الحياة.. لماذا اختفى الفرح؟
حتى السعي وراء المتع الحسية، وفق المقال، بدأ يفقد متعته. ويضرب إيرا مثالًا بالفراولة الشهيرة التي تباع في متجر Erewhon بسعر 25 دولارًا، موضحًا أن لحظة النشوة القصيرة التي تمنحها لا تتعلق بالضرورة بطعمها، بقدر ما ترتبط بالمنافسة على امتلاك «جائزة» نادرة يستطيع صاحبها استعراضها.
وتشير مندلسون وتايسون إلى أن بعض أفراد النخبة يتعاملون حتى مع المؤشرات الحيوية باعتبارها منافسة، فيراقبون مؤشرات أجسادهم عبر خواتم Oura وساعات Apple Watch.
لكن إيرا يرى أن الفرح هو المقياس الحقيقي للحياة الجيدة، مشيرًا إلى أن امتلاك حساب مصرفي ضخم أو عضلات بطن بارزة لا يرتبط علميًا ارتباطًا قويًا بالسعادة الأصيلة.
ويستشهد الكاتب بتجربة شخصية من أحد تدريبات اللياقة البدنية الشديدة المخصصة للأثرياء في حي برينتوود، حيث لاحظ أشخاصًا يضعون حقائب Louis Vuitton وVuori وErewhon في الجزء الخلفي من القاعة، ويتفاخرون برحلاتهم الأخيرة، ويضيفون تمارين ضغط خلال فترات الراحة، في محاولة واضحة لمنافسة أجسام المشاهير.
ويصف هذا المشهد بأنه نموذج لـ«الترف بلا فرح» الناتج عن الهوس بتحسين المظهر الخارجي واستخدام التكنولوجيا لتحسين القدرات الجسدية، وهي حالة قد تنتهي، بحسب رأيه، إلى اكتئاب خفيف مزمن وشعور داخلي بالموت العاطفي.
ويتساءل هنا: «أفعل كل شيء على نحو صحيح، فلماذا أشعر إذن بأنني ميت من الداخل؟»
السعادة لا تُقاس بالمال والمظهر
يتساءل الكاتب عمّا إذا كان امتلاك مليارات الدولارات من العملات المشفرة أو الحصول على جسد مثالي قادرًا فعلًا على جذب شريك يتمتع بالقدرة العاطفية على منح الحب.
ويحذر من أن ينشغل الإنسان بقراءة مؤشرات النوم والإباضة وغيرها من البيانات الحيوية إلى الحد الذي يمنعه من النظر إلى شريكه بمحبة أو منحه عناقًا حقيقيًا وقته الكافي.
ويرى الكاتب أن ثقافة تحسين الذات التي تصفها مندلسون وتايسون أصبحت محركًا لما يسميه «مصنع الاستياء» في الولايات المتحدة. إذ ينشأ الإنسان، بحسب رأيه، على الاعتقاد بأن الحصول على إعجاب الآخرين يتطلب إثارة إعجابهم، وأن الجسد والدخل والمظهر اللامع والشخصية المصقولة بعناية هي أدوات الإغراء التي تجعل الآخرين يحبونه.
وبدلًا من إظهار الذات الحقيقية بكل فوضاها ونقاط ضعفها أمام عالم قاسٍ سريع الحكم، ينشغل الإنسان بأداء شخصية مثالية ومحسّنة باستمرار.
ويختصر الكاتب المعضلة في سؤال قاسٍ: هل الأفضل أن يحبك الآخرون لشخصية ليست شخصيتك، أم أن تبقى وحيدًا؟
ويقول إنه لا ينبغى لأحد أن يرغب في أن تُكتب على شاهدة قبره عبارة «كان موضع إعجاب».
وبدلًا من تنظيم تدريبات تنافسية شبيهة بتدريبات قوات البحرية الأمريكية، يرى الكاتب أن المجتمع يحتاج إلى تعليم الناس كيفية بناء روابط إنسانية أصيلة. فالسعادة، في رأيه، لا تُبنى عبر مقارنة إنجازات السفر أو الحقائب الفاخرة أو بطاقات العمل، بل عبر القدرة على التواصل الحقيقي مع الآخرين.
ويشير إلى أن ما ينبغي تعليمه هو المهارات التي تؤكدها دراسة هارفارد، مثل الإحساس بالدهشة، وممارسة الفضول يوميًا، والإصغاء الفعال، وتقدير التجارب العاطفية للآخرين، وتحقيق التوازن في نمط الحياة، وانتقاء الكلمات بعناية.
ويستشهد إيرا بالكاتب والمحلل النفسي بروس فينك، الذي يرى أن كل فعل كلامي هو طلب للحب، مضيفًا أن الأمر ينطبق كذلك على كل منشور يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ويخلص الكاتب إلى أن الهوس باللياقة والعافية وتحسين الذات في بعض أوساط كاليفورنيا يمكن اختصاره في عبارة «الترف بلا فرح»: السعي المتواصل إلى تحسين المظهر والحياة من الخارج، مع الشعور بالموت من الداخل.
ويرى أن الإنسان يظل يلاحق أحدث الاتجاهات وأفضلها على أمل أن تمنحه أخيرًا ما يغذي روحه ويمنحه الشيء الذي يتوق إليه فعلًا: الحب غير المشروط.
لكن المشكلة أن الناس وقعوا في الخديعة؛ فالسعادة ليست جائزة يحصل عليها الإنسان بعد أن يصبح أكثر ثراءً أو جمالًا أو نجاحًا. السعادة تبدأ من الداخل، بينما لا تؤدي المنافسة والمقارنة إلا إلى إنتاج مزيد من الأشخاص الأثرياء والجذابين والحزينين.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/authenticity-101/202608/are-we-in-an-era-of-joyless-decadence

