محمد طلبة

رضوان كاتب صحافي

 

يقول المثل العربي: "الدم لا ينام، ولا ينسى، ولا يجفّ حتى يُقضى فيه". ومن وصية صلاح الدين الأيوبي لابنه: "وأحذّرك من الدماء، والدخول فيها، والتقلّد لها، فإنّ الدم لا ينام".

 

كانت مذبحة ميدان رابعة العدوية في القاهرة امتدادًا لخطّ بدأ مع ثورة يناير (2011) نفسها، ومع شهدائها وشهداء ماسبيرو وشارع محمّد محمود والاتحادية… وجاءت "رابعة" محطّةً مفصليةً، نهاية مسار وبداية لآخر. ولو عدنا إلى هذه المذابح كلّها، وراجعنا مواقفنا وكتاباتنا وبياناتنا، وتواطؤاتنا بالصمت والتفويت وتأجيل القضاء، أفرادًا وتيّارات وأحزابًا وجماعات، لفهمنا لماذا مرّت "رابعة"، كما مرّ غيرها. ولفهمنا أكثر أنّ مذابح ما قبل "رابعة" كانت مقدّماتها كما أنّ "رابعة" نفسها، والتهاون في حقّ دمائها، كانا بداية مرحلة كاملة من التفويض بالحكم وفق "منطق المذبحة".

 

تحوّلت مذبحة رابعة إلى سياسات حكم، إلى خطّة عمل. وتحوّل التفويض فيها إلى فكّ الارتباط الأخلاقي الذي يسمح بفعل كلّ شيء وأيّ شيء. فأيّ شيء أكثر جرمًا من القتل من دون حساب؟ تخريب الاقتصاد؟ موت السياسة؟ بيع التراب الوطني؟ لا شيء أكثر جرمًا من قتل الإنسان نفسه.

 

في كتابه "العنف… نظرية ميكروسوسيولوجية"، يشير عالم الاجتماع الأميركي راندال كولينز إلى العنف الوحشي، في سياق المظاهرات تحديدًا، بوصفه "ضربةً مسرحيةً" مباغتةً وصادمةً، تأتي بنتيجة إذا كانت حاسمةً ودراماتيكيةً. فالأثر لا يتحدّد بحجم الخسائر وحده، وإنّما بصورة الحشد وهو يتفكّك تحت وطأة الرعب، وما تخلقه من واقع اجتماعي جديد.

 

وهذا بالضبط ما يحدث في مصر منذ 14 أغسطس 2013 إلى يومنا هذا. أنتجت المذبحة نظام المذبحة، وسياسات المذبحة، واقتصاد المذبحة، وأمن المذبحة، وإعلام المذبحة. وأنتجت هذه الآليات موت السياسة وتخريب الاقتصاد، ومن ثمّ أنتجت خوفًا ورعبًا وفقرًا مهينًا وتمييزًا طبقيًا وعنصريًا وعرقيًا بغيضًا، فتحوّل كلّ خلاف إلى سبب للقتل، وكلّ احتكاك إلى سبب للعراك والشتيمة والزعيق، وكلّ مناقشة إلى سبب لـ"منشن" وزارة الداخلية، وكلّ مواطن إلى جحيم لغيره.

 

في كتابه "العنف… تأمّلات في وباء قومي"، يشير الطبيب النفسي الأميركي جيمس جيليجان إلى الشعور بـ"العار الجماعي" أحد أهمّ أسباب العنف، ويربطه ببنى اجتماعية تنتجه بانتظام، مثل الفقر المهين، والتمييز الطبقي أو العرقي، وإذلال السلطة المتكرّر للمحكومين، وحرمانهم من أصواتهم، من صرخاتهم، من اعتراضاتهم. من هنا يأتي العنف تنفيسًا عن عار متراكم لا يجد منفذًا للكلام عنه.

 

كانت مذبحة رابعة الفعل المُؤسِّس للجمهورية الجديدة، وكان السكوت عنها هو اللافعل المُؤسِّس للحقبة الجديدة: انكسر المواطن المتفرّج أمام نفسه في "رابعة" من دون أن يكون قادرًا على المطالبة بالحساب، لأنّ رفض المذبحة خيانة، ثمّ انكسر أمام أولاده والتزاماته وهو أيضًا غير قادر على المطالبة، لأنّ التذمَّر خيانة. وحين انفجر وفضّل خيانتهم على خيانة نفسه كان مصيره السجون والمعتقلات، حيث يموت في اليوم الواحد ألف مرّة، ولأنّ الانفجار يحدُث لا إراديًّا، انفجر العاديون في مَن هم دون سلطة المذبحة، انفجر الأقوى في وجه الأضعف، وبرّر الأضعف للأقوى.

 

قتل الزوجُ زوجته من أجل خلاف، وقتل الصديق صديقه من أجل ضائقة، وقتل الشاب نفسه لأنّه لا يجدها، وامتلأت صفحات مواقع التواصل بتعليقات تدافع عن القتلة وتحمّل المقتولَ المسؤولية. فالقاتل يعبّر عما في داخل كلّ منّا، أمّا المقتول فهو الأضعف الذي يذكّرنا بعارنا الاجتماعي. وكما هو معلوم من سياسات المذبحة بالضرورة، كلّ خطأ يستوجب القتل، والأضعف دائمًا هو المسؤول، حتّى وصل الأمر إلى تحميل الفقراء مسؤولية موت أطفالهم وهم يطاردون خبز يومهم: ماتوا لأنّهم فقراء، وافتقروا لأنّهم ينجبون كثيرًا.

 

في عام 2013، قال عبد الفتّاح السيسي (كما كشف تسريب شهير) إنّ "الضابط أحمد" لو أطلق الغاز والخرطوش على المتظاهرين فلن يُحاسب. ومن يومها يقتل الضابط أحمد من دون حساب، ولا أرى أملًا في استعادة هذا البلد لمستقبله سوى في محاكمة الضابط أحمد، هو ومن وعده بأنّه لن يُحاسب. فالدم لا ينام، ولا يُنسى، ولا يجفّ حتّى يُقضى فيه.