تقف القضية الفلسطينية أمام مرحلة شديدة الحساسية، مع وصول وفد قيادي رفيع المستوى من حركة حماس إلى القاهرة لإجراء محادثات مع المسؤولين المصريين بشأن تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق. وتأتي هذه التحركات السياسية بينما يواصل الاحتلال الإسرائيلي فرض شروطه على الانسحاب وإدخال المساعدات، في وقت تقترب فيه المنظومة الصحية في غزة من الانهيار الكامل، بالتزامن مع تصاعد اعتداءات المستوطنين وقوات الاحتلال على الفلسطينيين في الضفة الغربية، وما يصاحبها من إصابات واعتقالات وتهجير قسري.

 

وصل إلى العاصمة المصرية القاهرة وفد قيادي رفيع المستوى من حركة حماس برئاسة خليل الحية، لإجراء محادثات مع مسؤولين مصريين حول الجهود الرامية إلى ترسيخ وقف إطلاق النار في قطاع غزة وتجاوز الخلافات التي تعرقل تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق.

 

 

خلافات متصاعدة بشأن آليات تنفيذ الاتفاق

 

ويضم الوفد رئيس مجلس شورى حماس محمد درويش، ورئيس الحركة في الخارج خالد مشعل، ورئيس حماس في الضفة الغربية المحتلة زاهر جبارين، ورئيس مكتب العلاقات العربية والإسلامية باسم نعيم، في خطوة تعكس أهمية الملفات المطروحة على طاولة المباحثات في القاهرة.

 

وتأتي الزيارة وسط خلافات متصاعدة بشأن آليات تنفيذ الاتفاق، خاصة بعدما أعلنت سلطات الاحتلال رفضها للخطة المكونة من 15 نقطة، التي وافق عليها «مجلس السلام»، وربطت أي انسحاب عسكري من قطاع غزة بنزع سلاح حركة حماس.

 

وفي المقابل، جددت حماس تأكيد التزامها بخريطة الطريق المتفق عليها، مشددة على أن الأولوية يجب أن تكون لتنفيذ وقف كامل لإطلاق النار، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وفتح المعابر الحدودية، وضمان دخول المساعدات الإنسانية والإمدادات الإيوائية دون قيود.

 

وتتمسك الحركة كذلك ببدء عملية إعادة إعمار ما دمره العدوان، وتمكين اللجنة الوطنية من إدارة قطاع غزة، في ظل الدمار الهائل الذي لحق بالمنازل والبنية التحتية والمرافق الحيوية.

 

من جانبها، تؤكد مصر ضرورة تنفيذ جميع بنود الاتفاق دون انتقائية أو فرض شروط جديدة، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان. وتمثل محادثات القاهرة اختبارًا حاسمًا لقدرة الوسطاء على حماية الاتفاق من الانهيار ومنع عودة الحرب المفتوحة، خصوصًا مع استمرار التعنت الإسرائيلي والمماطلة في تنفيذ الاستحقاقات المقررة.

 

 

صحة غزة على حافة الانهيار 

 

تتزامن التحركات السياسية مع أوضاع صحية وإنسانية كارثية داخل قطاع غزة، حيث حذر الدكتور خليل الدكران، المتحدث باسم وزارة الصحة الفلسطينية، من أن المنظومة الصحية أصبحت على حافة الانهيار نتيجة الحصار ومنع إدخال الأجهزة والمستلزمات الطبية وقطع الغيار.

 

وأوضح الدكران أن الاحتلال لم يسمح منذ بداية العدوان بدخول أجهزة طبية جديدة إلى القطاع، رغم تعرض أكثر من 50% من الأجهزة الموجودة في المستشفيات والمرافق الصحية للتدمير، ما أدى إلى تراجع خطير في قدرة الطواقم الطبية على تشخيص المرضى وعلاج المصابين.

 

وتحتاج مستشفيات غزة بصورة عاجلة إلى محطات الأكسجين وأجهزة الأشعة والأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي، إلى جانب المولدات الكهربائية ومستلزمات تشغيل المختبرات. ولا يعمل حاليًا أي جهاز رنين مغناطيسي في القطاع، الأمر الذي يحرم آلاف المرضى والمصابين من الفحوص الضرورية لتحديد طبيعة إصاباتهم وأمراضهم.

 

كما تواجه أقسام غسيل الكلى والعناية المركزة نقصًا حادًا في الأجهزة والمواد التشغيلية، بعدما تعرض أكثر من 55% من المعدات الطبية في هذه القطاعات للتدمير. وتعاني الحضانات وغرف العمليات من نقص مماثل، ما يهدد حياة الأطفال والمرضى والحالات الحرجة.

 

ولا تقتصر الأزمة على تدمير الأجهزة، بل تشمل أيضًا منع دخول قطع الغيار اللازمة لإصلاح المعدات المتهالكة، الأمر الذي يجعل الكثير من الأجهزة المعطلة خارج الخدمة رغم إمكانية إصلاحها. وفي ظل انقطاع الكهرباء وشح الوقود وتزايد أعداد المصابين، تعمل الطواقم الصحية بقدرات محدودة وتحت ضغط يفوق إمكاناتها.

 

وتكشف هذه الأوضاع أن إدخال المساعدات الطبية لم يعد قضية إغاثية مؤجلة، بل ضرورة عاجلة لإنقاذ الأرواح. ولذلك تضع حماس فتح المعابر وضمان تدفق المساعدات ضمن أولويات مباحثات القاهرة، بينما تتمسك مصر بإزالة القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول الاحتياجات الإنسانية.

 

 

اعتداءات المستوطنين تشعل الخليل والتهجير القسري يتوسع بالضفة

 

بالتزامن مع الأزمة المتفاقمة في غزة، صعّد المستوطنون المتطرفون وقوات الاحتلال اعتداءاتهم في الضفة الغربية. وأصيب فلسطينيان بالرصاص الحي في هجوم شنه مستوطنون على حارة الجعبري بمدينة الخليل، بعدما أطلقوا النار تجاه منازل المواطنين وحطموا زجاج عدد من المركبات.

 

وتدخل جيش الاحتلال بإطلاق الرصاص على الفلسطينيين الذين حاولوا التصدي للهجوم، بدلًا من وقف اعتداءات المستوطنين. وأعلن الهلال الأحمر الفلسطيني تعامل طواقمه مع عشر إصابات، بينها إصابتان بالرصاص الحي؛ إحداهما لرجل يبلغ 60 عامًا أصيب في الظهر واليد، بينما اعتقل جيش الاحتلال المصاب الثاني.

 

كما تعرض ثمانية فلسطينيين للاعتداء بالضرب، بينهم سيدة تبلغ 66 عامًا. وفي شرق بيت لحم، اعتقلت قوات الاحتلال خمسة فلسطينيين بعد اقتحام قريتي المنيا وكيسان ومداهمة عدد من المنازل.

 

وامتدت الاقتحامات إلى جنين وطولكرم ورام الله والبيرة، بينما داهمت قوات الاحتلال مخيمي عايدة والعزة وبلدات العبيدية ودار صلاح والشواورة وزعترة والخضر في محافظة بيت لحم.

 

وفي مسافر يطا جنوب الخليل، أصيبت سيدتان وشابان وطفل برضوض وكدمات خلال هجوم للمستوطنين على قرية أم الخير. كما أطلق مستوطنون مواشيهم داخل أراضي الفلسطينيين، وخربوا الممتلكات والمزروعات، وهاجموا منازل في واد الرخيم وخلة الحمص، ومنعوا بعض السكان من مغادرة بيوتهم بحماية جنود الاحتلال.

 

 

المستوطنون يحاصرون عائلتين في الضفة 

 

اضطر نشطاء إلى ترك إمدادات من المياه والطعام بالقرب من منازل عائلات فلسطينية في بلدة قصرة بالضفة الغربية المحتلة، بعدما تعذر عليهم إيصالها مباشرة إلى عائلتين تحاصرهما مجموعات من المستوطنين الإسرائيليين منذ أيام.

 

وتقول العائلتان إنهما عالقتان في منزليهما منذ يوم الأحد، بعدما أغلق مستوطنون الطريق المؤدي إليهما وانقطعت عنهما إمدادات الكهرباء والمياه.

 

وقال اثنان من السكان إن القوات الإسرائيلية منعت النشطاء من الوصول إلى المنزلين، ما اضطرهم إلى ترك المساعدات في الخارج، وهو ما نفاه الجيش الإسرائيلي.

 

وفي يوم الجمعة، عاد عدد من المستوطنين إلى المنطقة ونصبوا خيمة بالقرب من الموقع، بعد يوم من إبعادهم منه، قبل أن تزيلها القوات الإسرائيلية لاحقاً.

 

قال الجيش الإسرائيلي إن قصرة أُعلنت "منطقة عسكرية مغلقة"، ما حال دون دخول المدنيين الإسرائيليين الذين كانوا ضمن مجموعة النشطاء إلى المنطقة، لكنه أكد أنهم "لم يُمنعوا من نقل المساعدات إلى منازل الفلسطينيين في قصرة".

 

وفي بيان منفصل، قال الجيش إن مدنيين إسرائيليين نصبوا خيمة في منطقة قصرة في وقت سابق من يوم الجمعة، وإن جنوده أزالوها، مشيراً إلى أنهم عملوا على حماية السكان المحليين.

 

وكانت نحو 12 عائلة فلسطينية قد أُمرت بمغادرة منازلها خلال عملية تفريق المستوطنين يوم الخميس، وكان من بين الذين أُمروا بالمغادرة أفراد من عائلتي أبو ريدي وحسن، اللتين تعيشان في منزلين من بين ثلاثة منازل محاصرة.

 

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى نزوح أكثر من 2200 فلسطيني من منازلهم منذ بداية العام وحتى نهاية يونيو بسبب عنف المستوطنين والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي والخدمات.

 

ويكشف هذا النزوح أن الاعتداءات ليست أحداثًا منفصلة، بل جزء من سياسة ضغط ممنهجة تهدف إلى اقتلاع الفلسطينيين من أراضيهم وتوسيع الاستيطان، بينما تظل الحماية العسكرية الإسرائيلية غطاءً دائمًا لهذه الانتهاكات.