كشفت دراسة طبية حديثة أجراها باحثون أستراليون عن مؤشرات جديدة بشأن الدور المحتمل لفيتامين «د» في الحد من مخاطر الإصابة ببعض أمراض القلب والأوعية الدموية، وخاصة النوبات القلبية، في نتائج تعيد تسليط الضوء على أهمية هذا الفيتامين وعلاقته بصحة القلب لدى كبار السن.
وتأتي هذه النتائج في وقت تحظى فيه أمراض القلب والأوعية الدموية باهتمام واسع من الأوساط الطبية، باعتبارها من أبرز المشكلات الصحية التي ترتبط بالتقدم في العمر، إلى جانب عوامل أخرى مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري واضطراب مستويات الدهون في الدم والتدخين وقلة النشاط البدني.
متابعة أكثر من 21 ألف شخص لمدة 5 سنوات
وأجرى الباحثون الدراسة على مجموعة كبيرة من كبار السن بلغ عددهم نحو **21 ألفًا و315 شخصًا**، تراوحت أعمارهم بين 60 و84 عامًا، وهي فئة عمرية ترتفع لديها معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
واستمرت متابعة المشاركين لمدة خمس سنوات، بهدف تقييم ما إذا كان تناول مكملات فيتامين «د» يمكن أن يرتبط بانخفاض معدلات الإصابة بأحداث قلبية وعائية رئيسية، مقارنة بالأشخاص الذين تلقوا دواءً وهميًا.
ونُشرت نتائج الدراسة في **المجلة الطبية البريطانية**، حيث ركز الباحثون على مجموعة من النتائج الصحية المتعلقة بالقلب والأوعية الدموية، مع مقارنة معدلات الإصابة بين المشاركين الذين حصلوا على مكملات فيتامين «د» والمجموعة التي تلقت العلاج الوهمي.
انخفاض في أمراض القلب والأوعية الدموية
وأظهرت نتائج الدراسة أن معدل الإصابة بالأحداث القلبية الوعائية الرئيسية كان أقل بنحو **9%** لدى المجموعة التي تناولت مكملات فيتامين «د»، مقارنة بمجموعة الدواء الوهمي.
وتشير هذه النتيجة إلى وجود ارتباط بين تناول المكملات وانخفاض نسبي في بعض المخاطر القلبية، إلا أن الباحثين لا يعتبرونها دليلًا نهائيًا على أن فيتامين «د» يمكنه بمفرده منع أمراض القلب، إذ تظل هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد طبيعة العلاقة بشكل أكثر دقة.
وكانت النتائج أكثر وضوحًا فيما يتعلق بالنوبات القلبية، إذ سجل المشاركون الذين تناولوا فيتامين «د» معدلًا أقل للإصابة بالنوبات القلبية بنحو **19%** مقارنة بالمشاركين في مجموعة الدواء الوهمي.
جرعة شهرية من فيتامين «د»
وخلال الدراسة، حصل المشاركون في مجموعة فيتامين «د» على جرعة مقدارها **60 ألف وحدة** مرة واحدة شهريًا، واستمر ذلك على مدار خمس سنوات.
ويرى الباحثون أن النتائج تشير إلى احتمال وجود دور لمكملات فيتامين «د» في خفض معدلات بعض الأحداث القلبية الوعائية الرئيسية، وبشكل خاص **احتشاء عضلة القلب وانسداد الشرايين التاجية**.
لكن هذه النتائج لا تعني أن تناول جرعات مرتفعة من فيتامين «د» بصورة عشوائية يمكن أن يكون وسيلة للوقاية من أمراض القلب، إذ تختلف الاحتياجات الغذائية والجرعات المناسبة من شخص إلى آخر، كما أن تناول المكملات يجب أن يخضع للتقييم الطبي، خاصة لدى كبار السن أو الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة.
هل يؤثر فيتامين «د» على السكتات الدماغية؟
وفي المقابل، لم يجد الباحثون تأثيرًا واضحًا لفيتامين «د» على خطر الإصابة بالسكتات الدماغية عند مقارنة مجموعة المكملات بالمجموعة التي تلقت الدواء الوهمي.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية، لأنها توضح أن التأثير المحتمل للفيتامين لا يبدو متساويًا على جميع أمراض القلب والأوعية الدموية، وأن انخفاض بعض المخاطر، مثل النوبات القلبية، لا يعني بالضرورة انخفاض خطر الإصابة بالسكتة الدماغية أيضًا.
وبالتالي، فإن الدراسة تفتح المجال أمام مزيد من البحث حول الآليات التي يمكن أن يرتبط من خلالها فيتامين «د» بصحة القلب، وما إذا كانت الفائدة المحتملة تعتمد على وجود نقص في الفيتامين من الأساس أو على عوامل أخرى لدى الأشخاص المشاركين.
أطباء: النتائج مشجعة ولكنها لا تحسم العلاقة
وفي تعليقه على نتائج الدراسة، قال الدكتور **يو مينغ ني**، طبيب القلب في معهد ميموريال كير للقلب والأوعية الدموية بمركز أورانغ كوست الطبي في كاليفورنيا، إن مراجعة نتائج البحث تشير إلى وجود اتجاه نحو استفادة محتملة من مكملات فيتامين «د» في الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية، لا سيما فيما يتعلق بالوقاية من النوبات القلبية.
ويعكس هذا التقييم الطبي طبيعة النتائج التي توصل إليها الباحثون؛ فهي تشير إلى فائدة محتملة لكنها لا تكفي وحدها لتغيير قواعد الوقاية من أمراض القلب أو اعتبار فيتامين «د» علاجًا مستقلًا لأمراض القلب والأوعية الدموية.
من جانبه، قال الدكتور **ديمتري نيفيلف**، المدير المساعد لأمراض القلب في مستشفى جامعة ستاتن آيلاند في نيويورك، إن النتائج تدعم بصورة عامة فكرة احتمال مساهمة مكملات فيتامين «د» في تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب، وإن كان التأثير يبدو معتدلًا، مؤكدًا في الوقت نفسه الحاجة إلى المزيد من الأبحاث لدراسة العلاقة بين مكملات الفيتامين وأمراض القلب والأوعية الدموية.
لماذا يحظى فيتامين «د» بهذا الاهتمام؟
ويُعرف فيتامين «د» على نطاق واسع باسم **«فيتامين الشمس»**، ويرتبط بشكل أساسي بصحة العظام وتنظيم مستويات الكالسيوم والفوسفور في الجسم، إلا أن الأبحاث الطبية خلال السنوات الماضية تناولت أيضًا علاقته بعدد من الوظائف الحيوية الأخرى.
ومن بين المجالات التي خضعت للدراسة العلاقة المحتملة بين مستويات فيتامين «د» وصحة القلب والأوعية الدموية، خصوصًا أن انخفاض مستوياته شائع لدى بعض الفئات، ومن بينها كبار السن والأشخاص الذين يقل تعرضهم لأشعة الشمس.
ومع ذلك، فإن وجود ارتباط بين انخفاض مستويات فيتامين «د» وبعض المشكلات الصحية لا يعني بالضرورة أن تناول المكملات سيؤدي تلقائيًا إلى منع هذه الأمراض. وهذه نقطة مهمة في تفسير نتائج الدراسات الطبية، إذ يمكن أن تتداخل عوامل متعددة في صحة القلب، مثل النظام الغذائي والوزن والنشاط البدني والتدخين وضغط الدم ومستويات الكوليسترول والسكري والعوامل الوراثية.
النوبات القلبية في مقدمة النتائج
وتبرز النتيجة المتعلقة بالنوبات القلبية باعتبارها واحدة من أهم النقاط التي توصلت إليها الدراسة، بعدما سجلت المجموعة التي تناولت فيتامين «د» انخفاضًا بنسبة 19% في معدلات النوبات القلبية مقارنة بمجموعة الدواء الوهمي.
ويُعد احتشاء عضلة القلب من أخطر الأحداث القلبية، ويحدث عندما ينقطع تدفق الدم إلى جزء من عضلة القلب، غالبًا نتيجة انسداد أحد الشرايين التاجية.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن التأثير المحتمل لفيتامين «د» قد يكون أكثر وضوحًا في هذا الجانب تحديدًا، مقارنة بالسكتات الدماغية التي لم تظهر الدراسة انخفاضًا واضحًا في معدلاتها.
النتائج لا تلغي عوامل الوقاية الأساسية
ورغم النتائج التي توصل إليها الباحثون، فإن الوقاية من أمراض القلب لا تعتمد على عنصر غذائي واحد، وإنما ترتبط بمجموعة واسعة من العوامل الصحية والسلوكية.
ويظل التحكم في ضغط الدم، والحفاظ على مستويات صحية للكوليسترول، والسيطرة على مرض السكري، وتجنب التدخين، وممارسة النشاط البدني بصورة منتظمة، والحفاظ على وزن مناسب، واتباع نظام غذائي متوازن، من أهم الإجراءات المرتبطة بالحفاظ على صحة القلب.
كما أن استخدام المكملات الغذائية ينبغي ألا يحل محل العلاج الموصوف طبيًا للأشخاص الذين يعانون بالفعل من أمراض القلب أو عوامل الخطر المرتبطة بها.
الحاجة إلى دراسات إضافية
ويرى الباحثون والأطباء الذين علقوا على الدراسة أن النتائج تمثل خطوة إضافية لفهم العلاقة بين فيتامين «د» وصحة القلب، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث.
وتظل هناك أسئلة تحتاج إلى إجابات، من بينها ما إذا كانت الفائدة المحتملة تختلف بحسب مستويات فيتامين «د» الأساسية لدى الأشخاص، وما إذا كانت الجرعات المختلفة تؤدي إلى نتائج مختلفة، وما الفئات التي يمكن أن تحقق أكبر استفادة من المكملات، فضلًا عن تحديد التأثير طويل المدى للجرعات المرتفعة.
كما سيكون من المهم دراسة ما إذا كانت النتائج يمكن تعميمها على فئات عمرية أخرى، أو على الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة أو عوامل خطر قلبية مختلفة.
ماذا تعني الدراسة بالنسبة لكبار السن؟
وتشير الدراسة بشكل عام إلى أن مكملات فيتامين «د» قد تكون مرتبطة بانخفاض متواضع في بعض الأحداث القلبية الوعائية لدى كبار السن، مع ظهور التأثير بصورة أكثر وضوحًا في النوبات القلبية.
لكن النتائج لا تعني أن جميع كبار السن بحاجة إلى تناول جرعات مرتفعة من فيتامين «د»، ولا تعني أن المكملات يمكن أن تحل محل إجراءات الوقاية والعلاج المعروفة.
وبالنسبة للأشخاص الذين يشتبهون في وجود نقص لديهم، فإن تحديد مستوى الفيتامين وتقييم الحالة الصحية بصورة عامة يمكن أن يساعد الطبيب في تحديد ما إذا كانت هناك حاجة إلى مكملات غذائية والجرعة المناسبة منها.
فيتامين «د» وصحة القلب.. نتيجة واعدة تحتاج إلى مزيد من الأدلة
وتضيف الدراسة الأسترالية دليلًا جديدًا إلى الأبحاث التي تبحث في العلاقة بين فيتامين «د» وصحة القلب، بعدما وجدت انخفاضًا بنسبة 9% في الأحداث القلبية الوعائية الرئيسية لدى المشاركين الذين تناولوا المكملات، إلى جانب انخفاض بنسبة 19% في النوبات القلبية.
وفي المقابل، لم تظهر الدراسة انخفاضًا واضحًا في معدلات السكتات الدماغية، وهو ما يؤكد أن تأثير الفيتامين المحتمل قد يختلف من مرض قلبي وعائي إلى آخر.
وبينما تبدو النتائج مشجعة، فإن الأطباء يؤكدون أن الأدلة الحالية لا تزال بحاجة إلى المزيد من الدراسات قبل الوصول إلى استنتاجات نهائية بشأن استخدام فيتامين «د» كوسيلة للوقاية من أمراض القلب.
وعليه، فإن الرسالة الأهم التي تطرحها الدراسة ليست أن فيتامين «د» يمثل علاجًا سحريًا لأمراض القلب، وإنما أن هذا الفيتامين قد يكون له دور محتمل ضمن منظومة أوسع للحفاظ على صحة القلب، وهو دور يحتاج إلى مزيد من البحث لتحديد حدوده وفوائده بدقة.

