بدأت الهيئة المصرية العامة للمساحة عرض كشوف نزع ملكية عقارات ومنشآت في ميت ناجي وكفر الشراقوة وميت غمر، بقيمة تعويضات مبدئية تبلغ 946.475 مليون جنيه، ما يهدد أسرًا بفقد مساكنها وأراضيها ومصادر دخلها.

 

ويكشف القرار وجهًا آخر لسياسة فرض المشروعات بالقوة، إذ يتحمل الأهالي وحدهم كلفة الاقتلاع من بيوتهم وأراضيهم، بينما تختزل الجهات الرسمية مصائر عائلات كاملة في كشوف جامدة ومبالغ أولية لا تضمن سكنًا بديلًا أو حياة مستقرة.

 

مهلة قصيرة وضرر طويل

 

وبحسب الإعلان، تتيح الهيئة الكشوف والخرائط لمدة 15 يومًا فقط، رغم اشتمالها على أسماء الملاك والمساحات المستقطعة وقيم التعويض، وهي مدة محدودة أمام مواطنين يحتاجون إلى مراجعة المستندات وفهم آثار القرار والاستعانة بمتخصصين.

 

وفي المقابل، تبدأ مهلة اعتراض جديدة مدتها 15 يومًا عقب انتهاء العرض، وتلزم المتضررين بالتوجه إلى مديرية المساحة المختصة، بما يضاعف الأعباء على كبار السن والمرضى وأصحاب الأعمال اليومية محدودي الدخل.

 

كذلك، لا تعني معرفة الاسم والمساحة وقيمة التعويض أن المواطن شارك فعليًا في تقرير مصيره، لأن العملية تبدأ بعد اتخاذ قرار النزع، بينما يصبح دوره محصورًا في قبول التقدير الحكومي أو خوض مسار اعتراض مرهق.

 

وفوق ذلك، قد يفقد بعض الأهالي منازل متوارثة أو أراضي زراعية تمثل مصدر دخلهم الوحيد، ولا يمكن اختزال هذه الخسائر في ثمن المتر وحده، لأن الاقتلاع يقطع الروابط العائلية والمهنية المتراكمة عبر سنوات طويلة.

 

ومن جانبها، حذرت الحقوقية منال الطيبي، المتخصصة في الحق في السكن، من أن المتضررين باتوا يخشون الاعتراض على قرارات الإخلاء أو مبالغ التعويض، بعدما تقلصت قدرتهم على التفاوض والوصول إلى حلول متوازنة مع الجهات الحكومية.

 

وبذلك، تتحول المهلة القانونية القصيرة إلى أداة ضغط على أسر تواجه جهازًا إداريًا يمتلك الخرائط واللجان والمستشارين، بينما يدخل المواطن المواجهة منفردًا، وقد لا يمتلك سندات مسجلة أو موارد تكفي لتوكيل محام أو خبير تثمين.

 

وفي الوقت نفسه، يفتح نشر الكشوف في مقار إدارية متفرقة بابًا للتفاوت في الوصول إلى المعلومات، خصوصًا لمن يقيمون خارج القرى أو لا يعلمون بالإعلان سريعًا، بما قد يؤدي إلى ضياع حق الاعتراض قبل إدراك الضرر.

 

وعليه، تبدو الإجراءات مستوفية للشكل القانوني، لكنها لا توفر ضمانة حقيقية ضد التشريد، ما لم يسبق النزع حوار مباشر مع الأهالي وحصر اجتماعي شامل يحدد احتياجات الأسر ومصادر دخلها وقدرتها على إيجاد بدائل مناسبة.

 

تعويض لا يجبر الخسارة

 

أما القيمة المعلنة، فتظل تقديرًا مبدئيًا موزعًا بين 817.735 مليون جنيه لعقارات القليوبية و128.740 مليون جنيه لعقارات الدقهلية، دون بيان علني واضح يشرح نصيب كل أسرة أو أسس احتساب الأرض والمباني والمحاصيل ومصادر الرزق.

 

وبصرف النظر عن الرقم الإجمالي، فإن عدالة التعويض تقاس بقدرته على تمكين الأسرة من شراء بديل مماثل في المنطقة نفسها، لا بمجرد إضافة مبلغ حسابي قد تلتهمه زيادات أسعار العقارات وتكاليف النقل وإعادة تأسيس الحياة.

 

وفي هذا الصدد، يرى الباحث العمراني يحيى شوكت أن المتضررين يجب أن يحصلوا على التعويض الكامل والمناسب قبل نزع مساكنهم، وأن التخطيط المسبق ينبغي أن يمنح الملاك وقتًا كافيًا لممارسة حقوقهم بدل وضعهم أمام أمر واقع.

 

كما يؤكد شوكت أن نزع الملكية إجراء استثنائي يتطلب إثبات تفوق المنفعة العامة على الضرر الفردي، محذرًا من التوسع في إضفاء هذه الصفة على المشروعات دون فحص مستقل لجدواها وكلفتها الاجتماعية على السكان المتضررين.

 

إلى جانب ذلك، لا يقتصر الضرر على قيمة المنزل أو الفدان، بل يشمل توقف النشاط التجاري وفقد المحاصيل وتراجع الدخل وارتفاع كلفة الانتقال، فضلًا عن الأثر النفسي الناتج عن هدم الاستقرار وتشتيت العائلات.

 

ومن ناحية أخرى، قد يجد مالك الجزء المتبقي من العقار نفسه أمام مساحة مشوهة أو صعبة الاستغلال، بينما لا تعكس قيمة الجزء المنزوع دائمًا انخفاض قيمة ما تبقى أو الأضرار اللاحقة بالمباني والمرافق وطرق الوصول.

 

لهذا، يصبح وصف التعويض بالعادل ادعاءً ناقصًا ما لم تكشف الهيئة تقارير التثمين ومعايير المقارنة والأسعار المرجعية وتواريخها، وتسمح للمتضررين بالاستعانة بخبراء مستقلين لمراجعة كل حالة بعيدًا عن احتكار الجهات الحكومية للتقدير.

 

وفضلًا عن ذلك، يحتاج أصحاب الأراضي الزراعية إلى تعويض يحسب خصوبة التربة ونوع المحاصيل والأشجار ووسائل الري والقرب من العمران، لأن السعر المجرد للمساحة لا يعوض خسارة إنتاج مستقبلي كان يؤمن دخل الأسرة.

 

وبناءً على ذلك، فإن مبلغ 946.475 مليون جنيه لا يكشف وحده عدالة التعويضات، بل قد يخفي تفاوتًا واسعًا بين الحالات، خصوصًا مع غياب بيانات تفصيلية منشورة تتيح مقارنة كل تقدير بالقيمة السوقية الحقيقية وقت النزع.

 

الطعن تحت ضغط الإخلاء

 

وبعد انتهاء العرض، تحال الاعتراضات إلى لجنة طعون يرأسها مستشار من مجلس الدولة، غير أن مجرد تقديم الطعن لا يبدد خوف الأسر من بدء الإخلاء أو إزالة المنشآت قبل الفصل النهائي وضمان دفع القيمة المعدلة.

 

في غضون ذلك، طالبت الباحثة نادين عبد الرازق بوقف الإخلاء عند الاعتراض على التعويض حتى صدور حكم نهائي وسداد كامل المبلغ المستحق، باعتبار أن استمرار النزع أثناء النزاع يفرغ حق التقاضي من مضمونه العملي.

 

وأضافت عبد الرازق أن التعويض المنصف يجب أن يشمل تكاليف الانتقال وإعادة التسكين وفقدان الدخل التجاري وتعويض المحاصيل والإنتاجية المستقبلية، مع إسناد التقييم إلى خبراء تثمين عقاريين مستقلين بدل الاكتفاء باللجان المرتبطة بجهات التنفيذ.

 

في المقابل، يواجه الأهالي معادلة غير متكافئة، فقبول التعويض المبدئي قد يعني خسارة حقهم في قيمة حقيقية، بينما يقود الاعتراض إلى انتظار طويل ونفقات قضائية، في وقت يحتاجون فيه إلى المال لتأمين مأوى بديل.

 

ومن ثم، لا يكفي وجود لجنة طعون ما دامت الأسرة معرضة للانتزاع قبل حسم النزاع، لأن الحماية الفعلية تبدأ بتجميد الإخلاء والإزالة، وإيداع تعويض كامل مقدمًا، وإتاحة مراجعة مستقلة لجميع البيانات والتقديرات.

 

غير أن التجارب السابقة لنزع الملكية في مصر تكشف أن التأخير الإداري قد يحول التعويض إلى مبلغ متآكل، إذ ترتفع أسعار السكن والأراضي خلال سنوات النزاع، بينما يبقى التقدير مرتبطًا بتاريخ قديم لا يعكس السوق الراهنة.

 

وعلى هذا الأساس، ينبغي التعامل مع سكان ميت ناجي وكفر الشراقوة وميت غمر بوصفهم أصحاب حقوق، لا عوائق أمام التنفيذ، مع نشر أسماء المتضررين ومساحاتهم وتقييماتهم وضمان حقهم في الاعتراض دون تهديد أو استعجال.

 

وأخيرًا، يظل الخطر الحقيقي هو تحويل المنفعة العامة إلى غطاء لاقتلاع المواطنين بأقل كلفة، بينما يدفع الأهالي ثمن فقدان البيت والأرض والعمل، ولا يحصلون إلا على تعويضات قد تعجز عن إعادة حياتهم إلى ما كانت عليه.