فرضت وزارة التموين في مصر عقوبات جديدة على المطاحن والمخابز، عبر القرار 175 لسنة 2024، قبل أيام من تطبيق منظومة الدعم الجديدة، لتفتح أزمة خسائر واسعة بين أصحاب المخابز والمطاحن وتهدد استقرار رغيف الفقراء.


وفي بلد صار فيه رغيف الخبز آخر خط دفاع للفقراء، لا تبدو قرارات التموين مجرد ضبط إداري، بل ضغطاً جديداً على الحلقة الأضعف في منظومة غذاء تتآكل من فوق وتُعاقب من تحت.


كما أن توقيت العقوبات قبل التحول إلى الدعم النقدي يكشف عقلية حكومية تتعامل مع الخبز كملف مالي لا اجتماعي، وتحمّل أصحاب المخابز والمواطنين ثمن فشل السيستم والرقابة والتمويل.


غرامات قبل الدعم النقدي


لذلك جاءت عقوبات التموين كرسالة قاسية إلى المخابز والمطاحن، لا كحل لأزمة المنظومة، بعدما سبقت تطبيق الدعم الجديد بأيام وأثارت غضب أصحاب النشاط الذين يتحدثون عن خسائر متراكمة.


ومن ثم قالت المنصة إن الوزارة فرضت عقوبات على بعض المطاحن منتصف أكتوبر 2024، عقب اجتماع شعبة المطاحن مع وزير التموين للمطالبة بتخفيف الجزاءات، لكنها فوجئت بمزيد من العقوبات. 


غير أن حسين بودي، رئيس شعبة المطاحن بغرفة الحبوب، أوضح للمنصة أن الاجتماع كان بهدف تخفيف العقوبات والغرامات السابقة، لا فتح الباب أمام قرارات جديدة تزيد الأزمة وتضغط على العاملين بالقطاع. 


علاوة على ذلك، لم تقف العقوبات عند المطاحن، إذ أقرت وزارة التموين عقوبات جديدة وغلظت أخرى على المخابز التموينية، طبقاً للقرار رقم 175 لسنة 2024، وسط اعتراضات من شعبة المخابز. 


بناءً على ذلك، يصبح القرار عنواناً لأزمة أوسع، لأن المخبز لا يواجه مخالفة واحدة فقط، بل سيستم متعطل، وتكاليف طاقة مرتفعة، وأجور عمالة متزايدة، وغرامات قد تبتلع هامش الربح.


في المقابل، وصف مصدر بالشعبة العامة للمخابز القرار بأنه مجحف ويكبدهم خسائر كبيرة، وهي عبارة تختصر شعور أصحاب المخابز بأن الوزارة تنقل أعباء المنظومة إلى أكتافهم. .
كذلك قال عبد الله غراب، رئيس الشعبة العامة للمخابز، إن القرار أثار جدلاً واسعاً بين أصحاب المخابز التموينية، في وقت يعانون فيه من الكهرباء والوقود والعمالة ومستلزمات المعيشة. 


ومن هنا، لا تبدو الغرامات إجراءً محايداً، بل عقوبة جماعية على قطاع يدير سلعة حساسة، بينما تظل جذور الأزمة في منظومة دعم معقدة وسيستم كثير الأعطال ورقابة انتقائية.



سيستم يعاقب المخبز لا المنظومة


لزيادة الغضب، يتحدث أصحاب المخابز في الفيديو عن سيستم الوزارة والغرامات بلهجة استغاثة لا رفاهية، وكأن المخبز صار متهماً دائماً حتى يثبت أنه لم يتعطل أو يخسر.
ومن ناحية أخرى، يتضمن القرار 175 مخالفات واسعة، منها الغلق دون إذن، وبيع الخبز دون البطاقات، ومخالفات الماكينة، وخلط الدقيق، والتعامل مع التفتيش، وكلها تفتح أبواباً لغرامات متراكمة. 


فضلاً عن ذلك، نص القرار على تحصيل مبالغ تعادل مثلي أو أربعة أمثال تكلفة دعم إنتاج الخبز في بعض المخالفات، مع غلق المخبز لفترات قد تصل إلى أشهر في حالات التكرار. .
ثم نشرت المصري اليوم نصوصاً من القرار تشير إلى غرامة 1000 جنيه عن كل يوم غلق دون إذن، تتضاعف عند التكرار، مع غلق المخبز شهراً أو شهرين. .
على الجانب الآخر، تبدو هذه العقوبات مدمرة لمخبز صغير يعمل بهامش محدود، لأن الغرامة لا تُحتسب وحدها، بل تضاف إلى الدقيق والطاقة والعمالة والصيانة ومصاريف التشغيل اليومية.


في هذا السياق، لا يمكن فصل القرار عن شكاوى أصحاب المخابز من السيستم، فالعطل الإلكتروني أو تأخر التحصيل أو مشكلات الماكينات قد يتحول إلى مخالفة يدفع ثمنها صاحب المخبز.


وبينما تحدث خالد فكري، ممثل شعبة المخابز، عن تحصيل مستحقات التموين عبر البريد بسبب تأثر سيستم البنوك في معظم الأوقات، يكشف ذلك أن خلل السيستم ليس ادعاءً عابراً. 


إضافة إلى ذلك، فإن تحميل المخبز تبعات الأعطال الإدارية والرقمية يعني أن الدولة لا تكتفي بإدارة منظومة مضطربة، بل تعاقب من يقف في الواجهة أمام المواطن كل صباح.
وعليه، فإن السؤال العادل ليس هل توجد مخالفات في بعض المخابز، بل لماذا تعاقب الوزارة القطاع كله بعقلية الجباية، بدلاً من إصلاح النظام الذي يصنع المخالفة ويضاعف الشك.


الرغيف بين الجباية والانفجار الاجتماعي


في هذا السياق، يصبح رغيف الخبز رهينة بين وزارة تبحث عن ضبط مالي، ومخابز تخشى الإفلاس، ومواطن فقير لا يملك ترف انهيار آخر سلعة مدعومة في يومه.


لذلك فإن اقتراب الدعم النقدي يزيد القلق، لأن تحويل الدعم من عيني إلى نقدي في ظل الغلاء قد يجعل المواطن مكشوفاً أمام الأسعار، ويجعل المخبز مجرد منفذ أزمة لا حل.


كما أن قرار 175 لم يهدأ إلا بعد اعتراضات واسعة، إذ نقلت تقارير أن وزير التموين أرجأ تطبيقه بعد رفض أصحاب المخابز للائحة الجزاءات التي وصفوها بالقاسية. 

 

غير أن التأجيل لا يعالج أصل المشكلة، لأن القرار باقٍ كتهديد فوق رؤوس المخابز، ويمكن استدعاؤه في أي لحظة مع أول أزمة أو أول حملة تفتيش أو أول عطل سيستم.
ومن زاوية اقتصادية، يكشف اجتماع شعبة المخابز في 2025 مع التموين لبحث المخالفات والغرامات والتظلمات أن الملف لم ينته، وأن الغرامات صارت بنداً دائماً في علاقة الوزارة بالقطاع. 


كذلك شارك عطية حماد، الرئيس السابق لشعبة المخابز، في نقاشات الغرامات والتصالح، ما يؤكد أن الأزمة ليست عارضة، بل ممتدة بين الوزارة وأصحاب المخابز منذ سنوات. .
ومن ثم فإن حكومة تعجز عن ضبط منظومة الخبز من المنبع تختار الطريق الأسهل، وهو الغرامة والغلق والتهديد، بينما يتحمل المواطن النتيجة إذا ارتبك إنتاج الرغيف أو تراجع عدد المخابز.


في النهاية، لا يظهر القرار كحماية للدعم، بل كسياسة جباية تحت اسم الرقابة، تضغط على المخبز قبل الدعم النقدي، وتضع رغيف الفقراء بين السيستم والغرامة والسوق.
وبناءً على ذلك، فإن أزمة المخابز ليست خلافاً مهنياً ضيقاً، بل إنذار اجتماعي، لأن العبث بالرغيف في بلد ينهشه الغلاء قد يحول الدعم من حق للفقراء إلى ساحة عقاب جماعي.