كشفت أزمة العمالة المؤقتة في مصر، خلال الأسبوع الجاري في القاهرة، عجز الحكومة عن حسم أوضاع آلاف العاملين غير المستقرين وظيفيا، بعد طرح ملف التثبيت داخل مجلس النواب بمشاركة أكثر من 20 عضوا، من دون إعلان مسار تنفيذي ملزم.

 

وتأتي هذه الأزمة في وقت يضغط فيه الغلاء على الأسر العاملة، بينما يظل العامل المؤقت داخل الجهة الحكومية مطالبا بأداء وظيفة دائمة من دون ضمان مماثل في الأجر والتأمين والترقية والحماية من الاستبعاد المفاجئ.

 

عقود مؤقتة تغطي وظائف دائمة

 

في البداية، تكشف صيغة التعاقد المؤقت عن أصل المشكلة، لأن الحكومة تستخدم العامل داخل احتياج إداري مستمر، ثم تصنف وجوده كاستثناء مالي أو إداري، فتنتقل كلفة العجز من الموازنة العامة إلى العامل وأسرته.

 

وعلى هذا الأساس، لا تبدو العمالة المؤقتة حالة عابرة داخل الجهاز الإداري، لأن عقود المكافأة الشاملة والأجر اليومي والموسمية أصبحت طريقا لتشغيل فعلي بلا درجة مالية معتمدة ولا أفق واضح للتثبيت.

 

كما يضع قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 التعيين الدائم داخل إطار الدرجات المالية والاحتياج الوظيفي، وهو ما تستخدمه الحكومة كحائط صد أمام العمال، بدل تحويله إلى خطة لحصر الاحتياجات وتثبيت المستحقين.

 

وبحسب هذا المنطق، تنحصر استجابة الحكومة في تكرار عبارة الاعتمادات المالية والوظائف الشاغرة، بينما تتجاهل أن استمرار العامل لسنوات داخل جهة عامة يثبت احتياج الجهة إليه أكثر مما يثبت عجزه عن استيفاء الشروط.

 

لذلك يتحول المؤقتون إلى طبقة عمل داخل الدولة بلا مركز قانوني كامل، لأن العامل يؤدي المهمة نفسها التي يؤديها زميله المثبت، لكنه لا يحصل على الدرجة نفسها من الأمان الوظيفي أو المسار المهني.

 

في هذا السياق، يخدم رأي كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، محور هشاشة التنظيم العمالي، لأنه ربط في كتاباته بين تغير علاقات العمل وتراجع شبكة الحماية القادرة على ضمان الحقوق الأساسية.

 

ومن هنا، لا تقف الأزمة عند قرار تثبيت مؤجل، بل تمتد إلى بنية إدارية تستفيد من مرونة العامل المؤقت، ثم تعامله عند المطالبة بحقوقه كعبء مالي زائد وليس كصاحب حق.

 

كذلك يؤدي تعدد صور التعاقد إلى تفتيت القضية، لأن العاملين بالعقود المؤقتة والموسمية والمكافآت والأجر اليومي يدخلون من أبواب قانونية مختلفة، بينما يواجهون النتيجة نفسها وهي غياب الاستقرار الوظيفي الكامل.

 

وبالتوازي، تضع الجهات الحكومية كل مجموعة داخل ملف منفصل، فيفقد العمال القدرة على انتزاع حل جماعي، وتكسب الإدارة وقتا إضافيا عبر دراسات وحصر واشتراطات لا تنتهي بقرار واضح.

 

كما أن الحديث الحكومي عن الإصلاح الإداري يظل ناقصا، لأن أي جهاز إداري لا يحقق كفاءة حقيقية عندما يعتمد على عامل قلق، محدود الحقوق، ويخشى فقدان مصدر دخله إذا طالب بوضع قانوني عادل.

 

حقوق منقوصة تحت ضغط الموازنة

 

في المقابل، تكرر الحكومة أن التثبيت يخضع لاعتبارات مالية، لكن هذه العبارة تخفي قرارا سياسيا في ترتيب الأولويات، لأن الأجور المستقرة والحماية التأمينية ليست منحة إدارية بل جزء من تكلفة تشغيل المرافق العامة.

 

وبناء على ذلك، يصبح العامل المؤقت ممولا غير مباشر لعجز السياسات العامة، لأنه يقبل بأجر أقل وضمان أضعف حتى تستمر الخدمة داخل المدارس والمستشفيات والوحدات المحلية والهيئات من دون تحمل الدولة كامل الكلفة.

 

ثم تأتي الحماية التأمينية كاختبار أكثر قسوة، لأن النصوص تتيح الاشتراك والتغطية عند توافر شروطها، لكن العامل الهش يظل غالبا بين جهة لا تمنحه وضعا ثابتا وإجراءات تأمينية لا تعترف بسهولة بتقلبات عمله.

 

وفي هذا الإطار، تخدم فاطمة رمضان، الباحثة في الشؤون العمالية والنقابية، محور الحماية الاجتماعية، لأنها تناولت في كتاباتها علاقة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بتمثيل العمال وقدرتهم على الدفاع عن مصالحهم خارج الأطر الرسمية.

 

غير أن ضعف التمثيل النقابي المستقل يزيد الأزمة، لأن العامل المؤقت لا يملك غالبا مساحة تفاوض آمنة داخل الجهة، ولا يستطيع تحويل الشكوى الفردية إلى ضغط جماعي يفرض جدولا زمنيا للتثبيت أو التسوية.

 

وعلى الرغم من أن القانون يكفل الأجر المتفق عليه والإجازات واللجوء إلى القضاء، فإن العامل المؤقت يحتاج وقتا ومالا وشجاعة لمقاضاة جهة يعمل بها، وهو ما يجعل الحق القانوني أقل قيمة من الحماية الفعلية.

 

إضافة إلى ذلك، يفرض الغلاء الراهن تكلفة مضاعفة على هذه الفئات، لأن الأجر غير المستقر لا يواجه ارتفاع أسعار الغذاء والمواصلات والسكن، بينما يمنع غياب التثبيت العامل من التخطيط لحياته أو الحصول على التزامات طويلة.

 

ومن ثم، لا يمكن فصل ملف العمالة المؤقتة عن العدالة الاجتماعية، لأن الدولة التي تطلب من العامل الانتظام والانضباط داخل مؤسسة عامة يجب أن تمنحه مقابلا واضحا من الاستقرار والتأمين والمسار المهني.

 

كما يظهر الخلل في تعامل الحكومة مع من أمضوا سنوات طويلة في العمل، لأن طول مدة الخدمة يفترض أن يكون دليلا على الجدارة والاحتياج، لا سببا لفتح دورة جديدة من المراجعات والشروط.

 

وبهذا المعنى، يصبح تأجيل التسوية وسيلة لإنتاج خوف دائم، لأن كل عامل يعرف أن مطالبه قد تصطدم بعبارة عدم وجود درجة مالية، حتى إذا كانت الجهة تعتمد عليه يوميا في تشغيل خدماتها.

 

تثبيت بلا جدول يعني استمرار الأزمة

 

لاحقا، عرض مجلس النواب طلب النائب سيد أبو بريدعة وأكثر من 20 عضوا بشأن سياسة الحكومة تجاه تثبيت العمالة المؤقتة والفئات غير المستقرة وظيفيا، لكن العرض البرلماني يبقى محدود القيمة من دون قرار تنفيذي معلن.

 

ومع ذلك، لا يمثل البرلمان أصل القضية، لأن المشكلة سبقت الطلبات البرلمانية بسنوات، وتعود إلى سياسة حكومية جعلت التشغيل المؤقت بديلا دائما عن التعيين، ثم تركت العمال يدفعون ثمن غياب التخطيط.

 

وفي محور الضمانات القانونية، يخدم رأي هيثم محمدين، المحامي العمالي، زاوية الخطر التشريعي، لأنه انتقد في مداخلات منشورة مواد يرى أنها تهدد حقوق العمال وتكافئ أصحاب العمل على الانتهاكات.

 

لذلك يحتاج ملف التثبيت إلى قواعد حاسمة تبدأ بحصر علني للعاملين المؤقتين، وتحديد مدة خدمة تمنح أولوية للتسوية، وربط كل جهة حكومية بجدول زمني معلن لا يسمح بتدوير الوعود بين الوزارات.

 

بعد ذلك، يجب أن تفصل الحكومة بين احتياجات الإصلاح الإداري وسياسة تقليل كلفة العمالة، لأن تحديث الجهاز الإداري لا يعني إبقاء جزء من العاملين في منطقة رمادية بين التشغيل الفعلي والحرمان من الدرجة المالية.

 

كذلك يتطلب الحل توحيد تعريف الفئات غير المستقرة وظيفيا، لأن ترك كل جهة لتفسير أوضاع العاملين لديها يفتح الباب أمام استثناءات واسعة، ويجعل العامل رهينة للائحة داخلية أو قرار إداري محدود.

 

وفي المقابل، يجب أن يحصل العامل الذي لا تتوافر له درجة فورية على حماية انتقالية واضحة، تشمل تأمينا فعليا وأجرا عادلا وإجازات مقررة ومسارا معلنا للتسوية، لا مجرد وعد ينتظر دورة موازنة جديدة.

 

كما أن تحميل التثبيت وحده مسؤولية تضخم الجهاز الإداري يضلل النقاش، لأن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب خريطة دقيقة للوظائف المطلوبة، واستمرار جهات عامة في تشغيل عمال سنوات طويلة خارج بنية دائمة.

 

وبالتالي، تكشف الأزمة عن إدارة حكومية تختار الحل الأقل تكلفة والأكثر قسوة، حيث تؤجل التثبيت باسم الانضباط المالي، بينما تستفيد من العمل اليومي نفسه الذي يثبت أن هؤلاء العمال ليسوا زائدين عن الحاجة.

 

في النهاية، لا يحتاج العامل المؤقت إلى تعاطف موسمي داخل جلسة برلمانية، بل يحتاج قرارا حكوميا معلنا ينهي ازدواجية العمل الدائم بعقد هش، لأن استمرار الوضع الحالي يعني تحويل الفقر الوظيفي إلى سياسة عامة.