حذرت شعبة بيض المائدة باتحاد منتجي الدواجن في مصر، خلال يونيو 2026، من أزمة حادة تضرب القطاع بعد هبوط سعر بيع طبق البيض داخل المزرعة إلى نحو 65 جنيهًا، رغم وصول تكلفة إنتاجه إلى 115 جنيهًا، ما يهدد بخروج مزارع من السوق.

 

وتأتي الأزمة بعد سنوات من قرارات حكومية مرتبكة بين الاستيراد وتشجيع الإنتاج، حيث تركت الدولة المنتجين أمام فائض بلا تصدير فعال، وتكلفة أعلاف مرتبطة بالدولار، وسوق لا يحمي المنتج من الانهيار ولا يضمن للمستهلك سعرا مستقرا.

 

تكلفة بالدولار وسعر بيع يكسر المنتجين

 

في البداية، تكشف فجوة السعر بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع أصل الأزمة، لأن المنتج لا يبيع طبق البيض بخسارة عابرة، بل يبيع سلعة غذائية أساسية بنحو 50 جنيهًا أقل من تكلفتها داخل المزرعة.

 

وعلى هذا الأساس، لا تمثل شكوى حمادة إبراهيم مجرد احتجاج قطاعي، لأن خسارة بعض المنتجين نحو 50% من رأس المال تعني أن مزارع صغيرة ومتوسطة قد تفقد قدرتها على شراء الأعلاف أو تجديد الدورات.

 

كما أن صناعة بيض المائدة لا تعمل بمعزل عن قطاع الدواجن، لأن الذرة والصويا والأعلاف والتحصينات تدخل في تكلفة يومية لا يستطيع المنتج تأجيلها، بينما يتغير سعر البيع بسرعة تحت ضغط فائض المعروض.

 

وبحسب هذا الواقع، تدفع المزرعة ثمن مدخلات إنتاج مستوردة أو مرتبطة بسعر الدولار، ثم تواجه سعرا محليا منهارا لا يعترف بالتكلفة، وهو خلل صنعته سياسات تركت السوق بلا أدوات تصريف حقيقية.

 

في هذا السياق، يخدم رأي ممدوح الولي محور الاعتماد على الأعلاف المستوردة، لأنه ربط في كتاباته بين نقص الذرة وفول الصويا وتضخم أسعار المنتجات الحيوانية، بما يجعل أزمة البيض جزءا من عجز زراعي أوسع.

 

ومن هنا، تصبح فاتورة الأعلاف هي النقطة الأخطر، لأن مصر لا تنتج ما يكفي من مكونات العلف الرئيسية، ولا تملك منظومة زراعات تعاقدية قادرة على خفض تكلفة الإنتاج بشكل مستقر.

 

ثم يظهر تناقض الحكومة بوضوح، لأنها تدخلت في أزمة 2022 و2023 لتشجيع الإنتاج وتسهيل استيراد الجدود، لكنها تركت نتيجة التوسع تتحول الآن إلى فائض يضغط على المنتجين بدل فتح منافذ خارجية.

 

لذلك لا يستطيع المنتج الصغير تحمل خطاب حكومي جديد عن الدعم المعنوي، لأن المزرعة تحتاج سيولة يومية، وعلفا بسعر قابل للتوقع، ومنافذ بيع عادلة، وجدولا واضحا لتصدير الفائض قبل انهيار الأسعار.

 

فائض بلا تصدير يحول النجاح إلى أزمة

 

بعد ذلك، يوضح الفائض الحالي أن زيادة الإنتاج وحدها لا تصنع استقرارا غذائيا، لأن وصول الإنتاج إلى نحو 130% من احتياجات السوق يتحول إلى عبء عندما تغيب خطط التخزين والتصنيع والتصدير.

 

وبالتالي، لا يصح أن تحتفل الحكومة بالاكتفاء الذاتي ثم تترك المنتجين يغرقون في المعروض، لأن الأمن الغذائي يحتاج إدارة لسلاسل القيمة، لا مجرد زيادة أعداد الطيور داخل المزارع.

 

كما أن بيض المائدة سلعة محدودة العمر، فلا يستطيع المنتج تخزينها طويلا مثل الحبوب، ولذلك يؤدي تأخر التصدير أو ضعف التصنيع إلى انهيار سريع في السعر عند باب المزرعة.

 

وفي المقابل، لا يصل انخفاض سعر المزرعة غالبا إلى المستهلك بالشكل نفسه، لأن حلقات التداول والنقل والتجزئة تبتلع جزءا من الهبوط، فيبقى المنتج خاسرا بينما لا يحصل المواطن على مكسب كامل.

 

وهنا يخدم رأي محمود العسقلاني، رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء، محور حماية المستهلك، لأنه يركز في مداخلاته على شفافية بيانات البيض وأسعاره، وعلى حق المواطن في سوق معلومة لا تحكمها الفوضى.

 

وبناء على ذلك، لا تتعارض حماية المنتج مع حماية المستهلك، لأن خروج المزارع من السوق اليوم قد يسبب نقصا لاحقا، ثم تعود الأسعار إلى الارتفاع بعنف بعد تراجع الطاقة الإنتاجية.

 

ثم تتسع الأزمة عندما يظل التصدير معطلا أو بطيئا، لأن الفائض المقدر بين 30% و40% من الإنتاج يحتاج أسواقا خارجية واتفاقات صحية وسرعة في الإجراءات، لا اجتماعات ووعودا متأخرة.

 

كما يمثل التصدير فرصة لتوفير عملة أجنبية، لكنه يحتاج دولة تعرف أن صناعة الدواجن تستورد جزءا كبيرا من احتياجاتها بالدولار، ولا تستطيع تعويض ذلك إلا بفتح أسواق فعلية للمنتج المحلي.

 

ومن ثم، يتحول الفائض من علامة قوة إلى دليل إدانة، لأن الحكومة التي دفعت نحو زيادة الإنتاج لم تبن المسار التالي لتصريفه، فوضعت المنتج بين خسارة يومية واحتمال خروج نهائي.

 

سياسات متذبذبة تدفع السوق إلى الانهيار

 

لاحقا، تكشف أزمة بيض المائدة عن نمط متكرر في إدارة الغذاء، حيث تتحرك الحكومة بعد انفجار السعر أو انهياره، ثم تقدم حلولا مؤقتة لا تمنع تكرار الأزمة بين العجز والفائض.

 

ولهذا يخدم رأي هاني توفيق محور استقرار السياسات، لأنه شدد في نقاشات اقتصادية على أن السياسة المستقرة أهم من الدعم المؤقت، وأن التذبذب بين الاستيراد ودعم المنتج يرفع مخاطر السوق.

 

وعلى هذا المعنى، لا يحتاج قطاع بيض المائدة إلى قرار منفرد، بل يحتاج سياسة واضحة تحدد متى تدعم الإنتاج، ومتى تفتح التصدير، ومتى تضبط الاستيراد، وكيف تحمي المزارع الصغيرة من صدمة الأسعار.

 

كما يجب أن تتوقف الحكومة عن التعامل مع المنتجين كأداة لإطفاء غضب المستهلك عند الغلاء، ثم تركهم وحدهم عند الهبوط، لأن انهيار المنتج المحلي يعني عودة الدولة إلى الاستيراد بكلفة أعلى.

 

وفي الوقت نفسه، يحتاج السوق إلى بيانات يومية معلنة عن الإنتاج والاستهلاك والفائض والتصدير والأسعار داخل المزرعة والجملة والتجزئة، حتى لا تبقى القرارات مرهونة بتقديرات جزئية أو ضغوط لحظية.

 

كذلك يجب أن تتحرك وزارة الزراعة لفتح أسواق تصديرية ثابتة، وتسهيل الشهادات الصحية، وربط مصانع بسترة البيض بالفائض، لأن ترك المنتج الطازج وحده في السوق المحلي يزيد سرعة الانهيار السعري.

 

وبالتوازي، تحتاج الحكومة إلى برنامج جاد لزراعة الذرة وفول الصويا بعقود مجزية للفلاحين، لأن تقليل الاعتماد على الخارج في الأعلاف هو الطريق الأكثر ثباتا لخفض تكلفة البيض والدواجن.

 

ثم يجب أن يحصل صغار المنتجين على حماية تمويلية مؤقتة عند هبوط الأسعار دون التكلفة، لأن السوق غير المنظم يعاقب الأضعف أولا، بينما تستطيع الكيانات الأكبر امتصاص الخسارة لفترة أطول.

 

وعليه، لا تعكس أزمة طبق البيض الرخيص نجاحا للمستهلك كما قد يبدو ظاهريا، بل تكشف دورة فشل تبدأ بخسارة المنتج، ثم خروج المزارع، ثم نقص المعروض، ثم ارتفاع الأسعار على المواطن.

 

في النهاية، يدفع منتجو بيض المائدة ثمن سياسة حكومية لا تدير الإنتاج من البداية إلى النهاية، بينما يحتاج السوق إلى تصدير عاجل، وأعلاف أقل تبعية للدولار، وتنظيم يحمي المزرعة والمائدة معا.