يطرح د. يوسف القرضاوي في هذا النص رؤية متكاملة حول أثر التوحيد في بناء الإنسان والمجتمع، موضحًا أن التوحيد الخالص إذا تحقق في حياة الأفراد أو الأمم أثمر نتائج عملية واضحة، تبدأ بتحرير الإنسان من كل أشكال العبودية لغير الله، وتنتهي بإقامة مجتمع قائم على الأمن والقوة والمساواة، مستندًا إلى نصوص قرآنية وأحاديث نبوية تؤكد هذا المعنى.
ويؤكد القرضاوي أن هذه الثمار لا يمكن فصلها عن الوجه الآخر المتمثل في مفاسد الشرك، حيث يؤدي الانحراف عن التوحيد إلى إهانة الإنسان ونشر الخرافة وإضعاف النفس وتعطيل طاقاتها، مستشهدًا بآيات متعددة مثل قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} (النساء:48) وحديث النبي صلى الله عليه وسلم "من لقي الله يشرك به شيئًا دخل النار".
أولًا: ثمرات التوحيد وآثاره
(أ) تحرير الإنسان
فالشرك بكل صوره ومظاهره ليس إلا امتهانًا للإنسان، وإذلالاً له؛ حيث يلزمه الخضوع لمخلوقات والعبودية لأشياء أو أناس لا يخلقون شيئًا وهم يُخلَقون، ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، ولا يملكون موتًا ولا حياةً ولا نشورًا.
أما التوحيد فهو في الواقع تحرير للإنسان من كل عبودية إلا لربه الذي خلقه فسواه، وتحرير لعقله من الخرافات والأوهام، وتحرير لضميره من الخضوع والذل والاستسلام، وتحرير لحياته من تسلط الفراعنة والأرباب والمتألهين على عباد الله.
ولهذا قاوم زعماء الشرك وطغاة الجاهلية دعوات الأنبياء عامة، ودعوة الرسول خاصة؛ لأنهم كانوا يعلمون أن معنى "لا إله إلا الله": إعلان عام لتحرير البشر، وإسقاط لكل الجبابرة من عروش تألههم الكاذب، وإعلاء لجباه المؤمنين؛ فلا تطأطئ إلا ساجدة لله رب العالمين.
(ب) تكوين الشخصية المتزنة
والتوحيد يعين على تكوين الشخصية المتزنة التي تميزت في الحياة وجهتها، وتوحدت غايتها، وتحدد طريقها، فليس لها إلا إله واحد تتجه إليه في الخلوة والجلوة، وتدعوه في السراء والضراء، وتعمل على ما يرضيه في الصغيرة والكبيرة.
بخلاف المشرك الذي تقسمت قِبَله الآلهة، وتوزعت حياته المعبودات، فحينا يتجه إلى الله، وأحيانا إلى الأصنام، وحينا إلى هذا الصنم، وحينا إلى ذاك.
ومن هنا قال يوسف عليه السلام: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (يوسف:39)
وقال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} (الزمر:29)
فمثّل المؤمن بعبد له سيد واحد عرف ما يرضيه وما يسخطه، فوقف عند ما يرضيه واستراح إليه، ومثّل المشرك بعبد له أكثر من سيد، هذا يوجهه إلى الشرق، وذاك إلى الغرب، وهذا يأخذه إلى اليمين، وآخر إلى اليسار، فهم شركاء متشاكسون، وهو بينهم مشتت موزع، لا ثبات له ولا قرار.
(ج) التوحيد مصدر لأمن النفس
والتوحيد يملأ نفس صاحبه أمنا وطمأنينة، فلا تستبد به المخاوف التي تتسلط على أهل الشرك، فقد سد منافذ الخوف التي يفتحها الناس على أنفسهم؛ الخوف على الرزق، والخوف على الأجل، والخوف على النفس، والخوف على الأهل والأولاد، والخوف من الإنس، والخوف من الجن، والخوف من الموت، والخوف مما بعد الموت.
أما المؤمن الموحد فلا يخاف شيئا ولا أحدا إلا الله، ولهذا تراه آمنا إذا خاف الناس، مطمئنا إذا قلق الناس، هادئا إذا اضطرب الناس.
وفي هذا يذكر القرآن حوار إبراهيم مع قومه المشركين حين خوفوه بأصنامهم وآلهتهم الزائفة، فرد عليهم متعجبا ومعجبا بقوله: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (الأنعام:81)
ثم بيّن سبحانه وتعالى من يستحق الأمن من الفريقين فقال: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ (أي: بشرك) أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} (الأنعام:82)
وهذا الأمن ينبع من داخل النفس لا من حراسة الشرطة... وهذا أمن الدنيا، وأما أمن الآخرة فهو أعظم وأبقى؛ لأنهم أخلصوا لله، ولم يخلطوا توحيدهم بشرك.
روى البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ}
قلنا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟
قال: ليس كما تقولون، أولم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}
فمعنى: {وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ}: أنهم أخلصوا دينهم لله، فلم يشوبوا توحيدهم بشرك.
(د) التوحيد مصدر لقوة النفس
والتوحيد يمنح صاحبه قوة نفسية هائلة؛ لما تمتلئ به نفسه من الرجاء في الله، والثقة به، والتوكل عليه، والرضا بقضائه، والصبر على بلائه، والاستغناء عن خلقه، فهو راسخ كالجبل، لا تزحزحه الحوادث، ولا تزعزعه الكوارث.
كلما ألمت به نازلة، أو حلت بساحته شدة، رفض اللجوء إلى الخلق، واتجه بقلبه إلى الخالق، إياه يسأل، ومنه يستمد، وعليه يعتمد، لا يرجو غيره في كشف الضر وجلب الخير، ولا يمد يده إلى أحد إلا الله ضارعا داعيا منيبا إليه.
شعاره قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"
وقوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (يونس:107)
ألا ترى أن هودا عليه السلام حين خوّفه قومه بكيد الأصنام له قال: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ. مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (هود:54-56)
منطق قوي يعبر عن نفس واثقة وعزيمة صُلبة، وإيمان لا يهون ولا يستكين، وروح لا تعرف الضعف ولا الخوف؛ لأنها تستمد قُوّتها من التوكل على الله.
قال تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال:49)
(هـ) التوحيد أساس الإخاء والمساواة
وإذا كان التوحيد يعد أساسا لحرية الإنسان وإشعاره بعزته وكرامته، فهو أساس أيضا لإثبات الأخوة الإنسانية والمساواة البشرية؛ لأن الأخوة والمساواة لا تتحققان في حياة الناس إذا كان بعضهم أربابا لبعض.
فأما إذا كانوا كلهم عباد الله، فهذا هو أصل المساواة والإخاء بين الناس.
ولهذا كانت دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الأرض ورؤساء الدول تختتم بهذه الآية الكريمة: {تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّّهِ} (آل عمران:64)
وكان من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم عقب الصلوات هذا الدعاء العظيم: "اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أنك الله وحدك، لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أن محمدا عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة"
وهذه الشهادات الثلاث المذكورة من النبي صلى الله عليه وسلم يرتبط بعضها ببعض.
ثانيًا: مفاسد الشرك وأضراره
1- الشرك مهانة للإنسانية
إنه إهانة لكرامة الإنسان وانحطاط بقدره ومنزلته، فقد استخلفه الله في الأرض وكرمه، وعلمه الأسماء كلها، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه، وجعل له السيادة على كل ما في هذا الكون.
ولكنه جهل قدر نفسه، وجعل بعض عناصر هذا الكون إلها معبودا يخضع له ويذل ويسجد.
قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (فصلت:37)
وأي إهانة للإنسان أكبر من أن يُرَى –إلى يومنا هذا– مئات الملايين من البشر يعبدون البقرة التي سخرها الله للإنسان لتخدمه وهي صحيحة، ويأكلونها وهي ذبيحة، فإذا هي معبود مقدس؟!
ولهذا صور القرآن الكريم كيف ينحط الشرك بأهله فقال: {مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} (الحج:31)
2- الشرك وكر للخرافات
الشرك وكر للخرافات والأباطيل؛ لأن الذي يعتقد بوجود مؤثر غير الله في الكون -من الكواكب أو الجن أو الأشباح أو الأرواح أو غير ذلك- يصبح عقله مستعدا لقبول كل خرافة، وتصديق كل دجال.
وبهذا تروج في المجتمع المشرك بضاعة الكهنة والعرافين والسحرة والمنجمين وأشباه هؤلاء ممن يدعون معرفة الغيب، والاتصال بالقوى الخفية في الوجود.
كما يشيع في مثل هذا المجتمع إهمال الأسباب والسنن الكونية، والاتكال على التمائم والرقى الشركية والسحر والتولة ونحوها.
3- الشرك ظلم عظيم
الشرك ظلم عظيم؛ ظلم للحقيقة، وظلم للنفس، وظلم للغير.
ظلم للحقيقة؛ لأن أعظم الحقائق أن لا إله إلا الله، ولا رب غيره، ولا حكم سواه.
وظلم للنفس؛ لأن المشرك جعل نفسه عبدا لمخلوق مثله أو دونه، وقد خلقه الله حرا.
وظلم للغير؛ لأن من أشرك بالله غيره فقد ظلمه؛ حيث أعطاه من الحق ما ليس له.
4- الشرك مصدر للمخاوف
والشرك مصدر للمخاوف والأوهام، كما أن التوحيد مصدر للأمن والطمأنينة.
فإن الذي يتقبل عقله الخرافات، ويصدق الأباطيل والترهات، يصبح خائفا من جهات شتى: من الآلهة، وسدنة الآلهة، ومن الأوهام التي ينشرها هؤلاء.
قال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا} (آل عمران:151)
5- الشرك معطل لإيجابية الإنسان
والشرك معوق للعمل النافع، معطل لإيجابية الإنسان واعتماده على نفسه - بعد الله - ذلك لأنه يعلم أصحابه الاتكال على الشفعاء والوسطاء، فهم يرتكبون الموبقات، ويقترفون الآثام، معتمدين على أن آلهتهم ستشفع لهم عند الله.
قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ} (يونس:18)
6- آثار الشرك في الآخرة
تلك هي آثار الشرك في الدنيا، أما في الآخرة فيكفي أنه الذنب الذي لا يقبل المغفرة بحال.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} (النساء:48)
وقال تعالى: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} (المائدة:72)
وقال صلى الله عليه وسلم: "من لقى الله يشرك به شيئاً دخل النار"
خاتمة
يتبين أن التوحيد هو أساس كرامة الإنسان وقوته وأمنه واستقراره، وأنه المنهج الذي يحقق التوازن في حياة الفرد والمجتمع، بينما الشرك يهدم هذه القيم جميعًا، ويقود إلى الذل والخرافة والخوف والضياع في الدنيا، والهلاك في الآخرة.

